لم تداعب فيروز الذكريات في أمسيتها الليلة قبل الماضية على مسرح «قصر الإمارات» في أبوظبي، بل رافقت هذه الذكريات التي تخص أجيالاً نشأت على أغنياتها، لذا كان الإعلان عن الحفلة، التي نظمتها شركة «كنزاي».

وتبرعت السيدة بجزء من ريعها إلى مدرسة «القلوب الرحيمة»، كافياً لجذب جمع حاشد من نخبة الذواقة على رأسهم معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي وعدد كبير من سفراء الدول العربية والأجنبية. وهذه الحفلة هي الثانية للفنانة اللبنانية الكبيرة في دولة الإمارات ، بعد أمسيتها التي أحيتها على مسرح الجامعة الأميركية في دبي ليلة 30 مارس الماضي.

واستقبل الحضور فيروز بالتصفيق الحار، بعد مقطوعة موسيقية عزفتها الأوركسترا بقيادة المايسترو كارين دورغريان الذي كان يتحرك بخفة ساحر ماهر سيطر على معزوفات الأوركسترا.

ومن «كان عنا طاحون»، بدأت فيروز الغناء لتنقل الناس إلى عوالمها، وإن اختلفت أحاسيسهم وذكرياتهم، لكنها ستبقى مربوطة بما غنته السيدة تلك الليلة على المسرح.

ومن هذه الأغنية إلى «أعطني الناي وغني» وهي قصيدة للشاعر جبران خليل جبران، ما يذكرنا بأن فيروز غنت قصائد لشعراء معاصرين وقدامى مثل: سعيد عقل، وطلال حيدر، ونزار قباني ، وأبو تمام، وأبو نواس وغيرهم..

ومن الناي إلى أغنية «يا أنا واياك» لتنضم إلى قائمة الأغنيات التي شكلت مرحلة أولى من تاريخ فيروز الفني، قبل أن تقوم بالتعاون مع نجلها زياد الرحباني بتقديم أغنيات حديثة، اعتبرها البعض انقلاباً على ما قدمته سابقاً، ورأى آخرون بأنها جاءت ملائمة لروح العصر التي تجمع كل التناقضات.

لكن فيروز اختارت لحفلتها القديم من أغنياتها باستثناء أغنية «اشتقتلك»، وكأنها بذلك تدعو الناس إلى إحياء ذلك الكامن فيهم ، بعد أن كاد يغيب في زحمة اليوميات المتكررة.

وفي محطات مسيرتها الأولى ، لحن لها الكثيرون مثل زوجها الراحل عاصي الرحباني الذي احتضن مسيرتها الفنية منذ البداية، وشقيقيه منصور والياس الرحباني، وآخرين مثل فيلمون وهبي، ومحمد عبد الوهاب.

وزكي ناصيف ،ممن شدهم هذا الصوت الذي يصعب أن يقلده أو يقترب من طبقته أحد. وبهذا الصوت الذي وصف بالملائكي، لونت فيروز أغنياتها الأخرى من الحفل مثل: «عم يلعبوا الولاد»، و«علموني»، و«غيروا»، و«حكيلي عن بلدي» .

وألهبت الأخيرة جمهور المسرح حماساً، إنه الوطن الذي كثيرا ما غنت له فيروز،حتى إنها أصبحت رمزاً هاماً من رموز لبنان الذين دافعوا طويلا عن حريته واستقلاله، وليس للبنان وحده بل غنت لفلسطين، وسوريا، وكانت الأقدر على رسم ملامح الوطن في أغنية تجسد فيها السهل والجبل، الحجر والطير، التاريخ والحاضر والإصرار على النصر في النهاية.

ثم غنت فيروز «سنرجع يوما إلى حينا»، وتوالت أغنيات أخرى مثل: «مضوية»، و«فايق يا هوا»، و«يا ريت أنت وانا بالبيت»، و«حمرا سطيحاتك»، و«شتي يا دنيي»، و«بعدنا من يقطف الكروم ».

و«أمي نامت عابكير»، والأخيرة أغنية تذكرنا بفيلم «بياع الخواتم» للمخرج المصري والعالمي يوسف شاهين الذي مثلت فيه فيروز إلى جانب فنانين لبنانيين أصبح لهم الآن شأن كبير على الساحة الفنية.

إذاً ، لم تقتصر تجربة فيروز على الغناء ، فقد قامت بأدوار مختلفة في العديد من الأفلام والمسرحيات، مثلت وغنت وكانت قادرة في كل مرة أن تمنح العمل شيئاً من روحها وفنها المتجسد في آلاف الأغنيات التي رافقت أجيالاً منذ الطفولة، ولهذا مثلت في نفوس الجمهور صحوة الماضي،ونقت أرواحهم من الشوائب برومانسيتها الحاضرة.

وتخللت فقرات الأمسية أغنيات بصوت الكورس الذين غنوا من أعمال الراحل نصري شمس الدين ، وزياد الرحباني، وغيرهما، ليمتد الحفل أكثر من ساعتين غنت فيهما عشرين أغنية ليعيدها الجمهور بتصفيقه وإصراره مرة أخرى إلى المسرح.

وتغني له «بكرة برجع بوقف معكم»، و«زوروني كل سنة مرة» لينتهي الحفل بإصرار على عودة فيروز التي حيت الجمهور للمرة الثانية معلنة بهذا نهاية حفل« سفيرة لبنان إلى النجوم».

أبوظبي ـ عبير يونس: