5,5 ملايين سائح دخلوا دبي العام الماضي. نمو أعدادهم يصل إلى 150% سنويا. 25 مليون مسافر مروا عبر بوابة المطار. 15% نمو عددهم سنويا. 47% من السياح أتوا من أوروبا. 30 ألف غرفة فندقية كانت جاهزة لاستيعابهم. هل هذا كل شيء؟
الأرقام تبدو مذهلة فعلا، والمسوقون، أولئك الذين يخطون سياسات استهداف المستهلك، يتجولون طوال الوقت بأقلام حمراء. تلك يستخدمونها لرسم دوائر أو نحت خطوط تحت الأرقام المذهلة التي تتحرك، غالبا صعودا، طوال الوقت، فيصير واجبا عليهم مواكبتها وتحديث سياساتهم التسويقية أولا بأول.
لا وقت للدهشة، ولا مجال للتقاعس. ملايين السياح على الأبواب، ينتظرون العرض الأكثر إغراء، وسط اشتداد التنافس. الأكثر إغراء، هو الأكثر ملاءمة من حيث صرف المبلغ الأقل لقاء القيمة الترفيهية الأكبر. وسط ذلك كله، يبدو من المنطقي بروز قضايا تسويقية ملحة في مجال السياحة.
وقدرت دراسات رسمية مؤخرا، حجم قطاع السياحة والسفر في منطقة الشرق الأوسط، بأكثر من 147.6 مليار دولار مع ختام العام الجاري، ليصل الرقم إلى 279.4 مليار بحلول العام 2016.
وفيما سجلت معدلات النمو نسبة 4% في العام 2006، فمن المتوقع أن تصل إلى 4,4% سنويا، بين العامين 2007 و2016، وهو ما يتجاوز النمو العالمي الذي يقدر بـ 3.7 %. وقدرت الدراسة حجم الطلب على هذا القطاع في المنطقة بحوالي 3.2% من إجمالي الطلب العالمي. وسيصل حجم إنفاق السياح في الشرق الأوسط إلى 66.8 مليار دولار في العام 2006، وأكثر من 112.5 مليار بعد عشر سنوات.
وتتحضر إمارة دبي لاستقبال 15 مليون سائح في السنوات القليلة المقبلة، وتعكس بذلك صورة مشرقة عن نجاح السياسات التسويقية، جنبا إلى جنب مع النشاط الاقتصادي، في ترويج المدينة كقبلة سياحية جاذبة للملايين في الشرق والغرب.
الا أن تحديات رئيسية تواجه المسوقين في قطاع السياحة، تقف «البيان الاقتصادي» على بعض منها في هذا التحقيق، ومن أبرزها العنصر الأمني والوضع السياسي في المنطقة، من جهة، وضرورة استهداف شريحة جديدة من المستهلكين هي الطبقة المتوسطة عبر مشاريع سياحية مخفضة التكاليف، من جهة ثانية، وصولا إلى مزيد من سياسات التشريح «سيغمنتيشن» أوسع من.. «كنبة الصالون»
لن يطول الوقت، قبل أن تجد الأم الزائرة لابنها المقيم في مدينة دبي مكانا أرحب من الكنبة المركونة في الصالون، لكي ترتاح في نهاية اليوم.
فالى وقت قريب، كان زوار المقيمين في دبي، من أقارب وأصدقاء، يشكلون عبئا على مضيفهم، خاصة اذا اضطروا إلى الإقامة في فندق تسعيرة غرفته في 3 ليال تعادل ثمن تذكرة السفر التي أقلتهم من بلادهم إلى الإمارة. ليس فقط تلك الشريحة هي المتضررة من غياب الفنادق التي تتوجه إلى «ذوي الدخول المتوسطة»، بل جزء كبير من السياح الآتين من أوروبا (47 % من العدد الإجمالي للسياح إلى دبي) المعتادين على تجارب «سمول بادجيت» في بلادهم.
وتقول تقارير أن 10% فقط من التجارب الفندقية المتواجدة اليوم في دبي تتوجه إلى شريحة «سمول بادجيت»، الا أن الوضع لن يبقى على ما هو عليه، والتغير سيطرأ بأسرع وقت ممكن.
اذ تنوي فنادق «استثمار هوتيلز»، التابعة لشركة «استثمار» الإماراتية، أن تبني في دبي 6 فنادق مخفضة التكاليف تحمل اسم «ايزي هوتيل»، الشركة المعروفة أوروبيا في قطاع الفندقة مخفضة التكاليف والتي تتبع مجموعة كبيرة من الشركات تعمل كلها بمفهوم «السهل والسريع» (ايزي). وستكون الفنادق الستة جزءا من مشروع أضخم يشمل بناء 32 فندقا آخر في المنطقة، بدءا من الخليج وصولا إلى شمال إفريقيا والهند وباكستان والشام وتركيا.
يقول منيف طرموم، الرئيس التنفيذي ل«استثمار»، أن «النقص الكبير في قطاع الفنادق المنخفضة التعرفة لا يمكن أن يقف المسوقون إزاءه مكتوفي الأيدي، فهناك فئة واسعة من المستهلكين غير مستهدفة أبدا». ويعتقد أن هناك إشارات قوية في صناعة السياحة بالمنطقة عجلت من إقدام الشركة على استثمار أكثر من 400 مليون دولار في مشروع بناء الفنادق في المنطقة.
ومن تلك الإشارات الاستثمارات الهائلة في تجهيز وبناء وصيانة المطارات في المنطقة، وباستثمارات تجاوزت 42 مليار دولار، ما يعني مزيدا من تدفق المسافرين والسياح في السنوات المقبلة، وبالتالي الحاجة المتنامية إلى تعدد الخيارات والى أفكار مبتكرة في عالم الضيافة.
من جهته، يعتبر جو سيتا، الرئيس التنفيذي لـ «استثمار هوتيلز»، أنّ الاستثمار في قطاع الفنادق مخفضة التعرفة يأتي ردا على «إهمال هذا القطاع لسنوات طوال، خاصة أن معدل أسعار الغرف في الأسواق الرئيسية في المنطقة بقي على ارتفاع لفترة طويلة من الزمن».
ويعتقد أن عدم صرف المبالغ المالية على الإنفاق الترويجي لفنادق «السمول بادجيت»، كما هو الحال بالنسبة إلى الفنادق الأخرى، يشجع الإدارة على الالتزام بعدم رفع سعر الغرفة الذي يدفعه المستهلك: «لا نحتاج إلى إعلانات، نضع اسم الفندق على واجهة المبنى وحسب».
أما ستيليوس حاجي ايوانو، صاحب مجموعة «ايزي» التي تتضمن 12 شركة في قطاعات مختلفة من بينها الطيران والضيافة، فيقول أن «سيكون بمقدور السائح أن ينام في غرفة فندقية لائقة بأقل من ستين دولارا لليلة الواحدة». ويضيف:« لا يحتاج المسافر دائما إلى أكثر من سرير نظيف في غرفة مرتبة ليس من الضروري أن تكون مسكونة بمساحات لا يحتاج إليها»، في إشارة إلى مساحة الغرفة في فندق «ايزي هوتيل» والتي تقدر بـ 12 مترا مربعا، في مقابل 8 أمتار مربعة في مشاريع مشابهة في لندن و15 في سويسرا.
الجدير ذكره أن المشروع يتوافق مع فلسفة شركة «استثمار» في إطلاق الأفكار الجديدة لتوجيه الاستثمارات: « فكرتنا حول القطاع حالياً هي التركيز على الاستثمارات المرتبطة بقطاع الضيافة الفاخرة إلى جانب الاهتمام بقطاع الفنادق من فئة الميزانية المحدودة، وتطوير قطاع فنادق الفئة المتوسطة والتي نؤمن بقدرتها على المنافسة والتي ينقصها الابتكار. وسنعتمد استراتيجية تعزيز خبرة ومصادر «استثمار هوتيلز» للاستفادة من فرص الاستثمار على صعيد مستقل وفق كل حالة على حدة».
متنافسون لا متحاربون
لا يمكن الفصل بين السياحة والسياسة. وفي كل مرة يتدهور الوضع الأمني في منطقة ما في محيطنا، ينحدر معه المنتج السياحي إلى درجات الجمود والمعاناة. وقد حظيت دبي، ودولة الإمارات، ببيئة آمنة نشّطت قطاع السياحة وزادت من ألقه.
ومؤخرا، كان موضوع «الأمن السياحي» أحد أبرز عناوين النقاش في جلسات «المجلس العالمي للسياحة والسفر» الذي أعلن في الأيام الماضية عن افتتاح فرعه في دبي.
وبالرغم أن لتلك الهيئة دورا رئيسيا في تسويق «الثقافة السياحية»، ألا أن البعض يتخوّف من «تسييس» معيّن لقضايا السياحة، عرف عن نشاطات المجلس في دول أخرى، قد يظهر في نشاطه خلال الفترة المقبلة.
«هناك دوما رابحون وخاسرون، لكن الكل يتنافس»، بهذه العبارة يرد جون كلود بوجمارتن، رئيس «المجلس العالمي للسياحة والسفر» على سؤال عن المستفيد من الأزمات الأمنية التي تضرب، بين حين وآخر، في أمكنة في منطقتنا تعتبر مركز جذب سياحيا هاما.
وهو يتجاهل التلميح إلى كون بعض تلك الأزمات قد يكون «مفتعلا»، أو أن لجهات محددة مصلحة في ضرب مواسم سياحية في مدن عربية محددة. ولا يفضل أن يخوض في «السياسة» معتبرا أن «وظيفة المجلس لا تعدو كونه مزودا للشركات الأعضاء، والقطاعات الحكومية والخاصة، بالبيانات الدقيقة عن وضع قطاع السفر والسياحة في بلدان عديدة، من بينها المنطقة».
لكنّ، بين السياسة والاقتصاد، والسياحة أحد أهم أركانه، علاقة وطيدة دوما لا يمكن فكها بسهولة. وفيما تشير تقارير المجلس إلى صورة ايجابية يعكسها النمو الكبير الذي سجله قطاع السياحة والسفر في منطقة الشرق الأوسط في العام 2006، لا يبدو أنّ للمجلس أي نية في «دس أنفه» في قضايا سياحية لها تفرعات سياسية في المنطقة، تزامنا مع الإعلان عن افتتاح فرع للمجلس في إمارة دبي في الإمارات العربية المتحدة، لتنضم إلى فروع أخرى في الولايات المتحدة الأميركية، والصين والهند وأوروبا الشرقية، والمركز الرئيسي في لندن.
وبالرغم من أن المجلس يتدخل من اجل «نصيحة» الحكومات، حين يتعلق الأمر بانتهاجها لسياسات قد تضع العراقيل في وجه نمو قطاع السياحة والسفر، على المستويين الوطني والعالمي، إلا أنه ليس للمجلس أي صفة رسمية ضاغطة، فهو تجمع لأكثر من 100 شركة عاملة في قطاع السفر والسياحة من 174 دولة حول العالم، ولا يصل عدد الشركات المنضمة إليه من منطقة الشرق الأوسط إلى أكثر من ثماني، يسعى المجلس إلى زيادتها عبر افتتاح فرع دبي.
ويقول بوجمارتن إنّ هدف المجلس هو خلق الوعي بقطاع السياحة والسفر كونه أكثر القطاعات مردودية بالنسبة إلى أي اقتصاد، كما يهدف إلى تزويد أصحاب القرار بالأرقام الضرورية لاتخاذ الخطط التي يرونها مناسبة. ويستقي المجلس معلوماته من «مئات المصادر وملايين الخطوط، مثل المؤسسات الدولية، كالبنك الدولي والأمم المتحدة، والمؤسسات والشركات الخاصة أيضا». ويهدف إلى تسويق تلك الدراسات والبيانات، متحاشيا الدخول في تفاصيل خاصة بكل بلد.
وبالرغم من أن كون المجلس قد تدخل سابقا لدى الحكومة الصينية، «ضاغطا» باتجاه وقف سيطرتها على تحديد أسعار تذاكر الطيران في القطاع مخفض التكاليف، كما أنه أثار استياء جهات رسمية رومانية، نتيجة نشره تقارير تتعلق بالسياحة هناك، الا أن بوجمارتن لا يتوقع أن يقوم بإجراءات شبيهة في دول المنطقة. وعما إذا كان يجد تشابها بين الحالة الصينية التي ذكرها وبين حالة شركة «طيران العربية»، شركة الطيران مخفض التكاليف التي تمتلكها حكومة إمارة الشارقة، لم يرغب بالتعليق معتبرا أنه «لا دور لنا يتجاوز دور تقديم البيانات ».
الا ريشارد ميلير، نائب الرئيس التنفيذي للمجلس، يعتبر أن «الشهور الستة المقبلة سوف تكشف عن تقارير مثيرة سيصدرها المجلس عن الوضع السياحي في المنطقة».
من جهة أخرى، يعتبر أن التحدي الرئيسي الذي يواجه قطاع السياحة والسفر في العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، هو وجود كفاءات من الموارد البشرية المدربة.
ويعمل في هذا القطاع في المنطقة 4.5 ملايين موظف حاليا، وسيصل الرقم إلى أكثر من ستة ملايين بحلول عام 2016. »
أعضاء «المجلس العالمي للسياحة» ـ مجموعة دبي
* موريس فلاناجان، نائب رئيس المجلس ورئيس المجموعة
* غيث الغيث، مدير العمليات التجارية، مجموعة طيران الإمارات
* جيمس هوجن، الرئيس والمدير التنفيذي لطيران الخليج
* رودي يجرزباخر، المدير الإقليمي لفنادق هيلتون العالمية
* ديفيد كليفتون، مدير عام انترفال العالمية في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا
* جيرالد لاوليس، الرئيس التنفيذي لمجموعة جميرا
* سرمد زوق، الرئيس التنفيذي ل«كينغدوم هوتيل انفاستمينت»
* جيمس ويلسون، الرئيس التنفيذي للفنادق والمنتجعات في «نخيل»
100 عرض مسرحي في اليوم الواحد
100 عرض مسرحي في اليوم الواحد، وعلى مدى 365 يوما متواصلة.. في دبي. تبدو المعلومة صادمة للوهلة الأولى، ثم مدعاة سرور عارم بالنسبة إلى المشتغلين والمهتمين بقطاع الثقافة، وتحديدا ثقافة الترفيه منه. لكن «عالم الضيافة» الذي يجسده مشروع «بوادي» (100 مليار درهم إماراتي حجم الاستثمار)، أحد مشاريع شركة «تطوير» التابعة ل«دبي القابضة»، يحتضن، حقيقة، هذا الانجاز الكبير، الذي قد لا يكون له مثيل في دنيا الثقافة في أي مكان آخر على هذه المعمورة.
سعيد المنتفق، الرئيس التنفيذي للشركة، يؤكد على أهمية هذا الصرح الذي سيضم أكثر أطول سلسلة فندقية في العالم على خط واحد (10 كيلومترات) وأوسع فندق في العالم من حيث الطاقة الاستيعابية (65 ألف غرفة)، من دون إغفال الوجه الحضاري المتمثل بالعروضات المسرحية الثقافية.
هل لنا أن نستوعب فعلا ذلك الرقم مئة عرض في يوم واحد وعلى مدار السنة؟ هذا يعني 36500 عرض بالمجمل، أي مئات بل آلاف من الممثلين والموسيقيين والراقصين ومهندسي الصوت والإضاءة والعمال، وعشرات الآلاف من المشاهدين.
خبراء التسويق، يستعدون من اليوم، لمخاطبة ذلك الحشد الهائل من جمهور تلك العروضات، والأيام المقبلة سوف تظهر سياسات أكثر ابتكارا للفوز بنصيب الأسد من سلة «بيض الذهب» المقبلة.. السياحة الثقافية.
دبي ـ خاص «البيان الاقتصادي»: