حذر مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية من أن تطبيق بروتوكول كيوتو بشأن تغير المناخ سيؤثر بالسلب على اقتصاديات الدول المنتجة للنفط، وبالتالي الدول العربية الخليجية التي يشكل قطاع النفط فيها أحد القطاعات الحيوية والرئيسية، بمساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 30% و60%،
مشيرة إلى أن البروتوكول يهدف في ظاهره إلى الحد من إنتاج الغازات الدفيئة، ولكنه في الحقيقة يهدف إلى الحد من اعتماد الدول المستوردة للنفط على بعض دول إنتاجه وذلك عبر تشجيع الاستثمار في مصادر بديلة للطاقة أقل تلويثا وأكثر جدوى اقتصادية للدول الصناعية المستوردة للطاقة الأحفورية والمنتجة للتقنيات النظيفة الباهظة الثمن.
وخلصت الدراسة المعنونة تحت اسم »استشراف أولي لآثار تطبيق بروتوكول كيوتو بشأن تغير المناخ على تطور السوق العالمية للنفط « أعدها كل من محمد عبد الباسط الشمنقي ومحمد حاجي، إلى أن ضريبة الكربون ستفضي إلى تدعيم التوجه نحو استخدام الطاقات الأقل إنتاجا للكربون، ومن شأن هذا التحول التدريجي نحو الغاز الطبيعي كأحد ابرز مصادر الطاقة أن يؤثر في الطلب العالمي على النفط كما كان متوقعا في المحاكاة العادية للاقتصاد العالمي.
ودللت الدراسة على صحة استنتاجاتها بإشارتها إلى أن المطالب بتطبيق بروتوكول كيوتو تتصاعد، حينما ترتفع أسعار النفط في الأسواق العالمية، فيما تتلاشي هذه المطالب كلما انخفضت أسعاره، وهو ما يمثل دليلا على أن للبرتوكول بعدا اقتصاديا، وليس بيئيا فحسب على نحو ما قد يتصوره البعض.
الآثار السلبية للاتفاقية
وقدرت الدراسة أن السعر العالمي للنفط سيتأثر مباشرة بتطبيق بروتوكول كيوتو، حيث من المتوقع ــ وفقا للسيناريو العادي لتطور الاقتصاد العالمي الذي يفترض عدم انتهاج أي سياسة بيئية أو اقتصادية تهدف إلى الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة ــ أن ترتفع الأسعار العالمية للنفط بمستوى متوسط يقارب 2.5% بالأسعار الحقيقية خلال الفترة 2000 – 2010
ولكن تطبيق بروتوكول كيوتو من شأنه الضغط على الأسعار العالمية التي لن يتجاوز ارتفاعها السنوي 0.6% وهو ما يعني أن البروتوكول سيؤدي مع الأخذ في الحسبان إلى فقدان 1.9% كزيادة سنوية للأسعار العالمية خلال الفترة 2000 – 2010،
وخلصت الدراسة بخصوص هذه النقطة إلى أن هذا التراجع المتوقع في نسق الارتفاع السنوي لأسعار النفط سيكون له تأثير سلبي واضح على اقتصاديات الدول التي تعتمد كليا أو جزئيا على تصدير النفط في اقتصادياتها كدول الخليج العربي. وذلك انطلاقا من أهمية قطاع النفط في اقتصاديات معظم الدول الخليجية وتعدد التحديات التي سيواجهها هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.
ورصدت الدراسة أثرا سلبيا آخر لتطبيق اتفاقية كيوتو ويتعلق بتقلص الطلب على النفط، مشيره في هذا الصدد إلى أنه من المتوقع بالنسبة للدول الأوروبية وبقية دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تنخفض لديها نسبة استهلاك النفط من 50% عام 1995 إلى 40% عام 2010 كنتيجة مباشرة للتوجه التدريجي نحو استخدام الغاز الطبيعي ومصادر أخرى في توليد الطاقة الكهربائية،
وتوقعت الدراسة كذلك أن تشهد بقية دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحولا تدريجيا في هيكل الطاقة المستخدمة لصالح الغاز الطبيعي وعلى حساب النفط، واستبعدت الدراسة أن يشهد النفط تراجعا في نسبة الطاقة المستخدمة بالنسبة لأميركا اللاتينية،
وتوقعت في هذا السياق أن تقفز حصته من 66% عام 1995 إلى 69% عام 2010، بما يشير إلى غياب الاهتمامات البيئية لهذه الدول من جهة وصعوبة التزود بالغاز الطبيعي من جهة أخرى.
ولاحظت الدراسة أنه على عكس دول أميركا اللاتينية،سيشهد هيكل استخدام الطاقة في بقية دول العالم التغييرات نفسها التي من المتوقع أن تحصل في الدول المتقدمة لسهولة التزود بالغاز الطبيعي من قبل اكبر اقتصاديات هذه الدول ولتوافر إنتاج محلي من الفحم الحجري.
ورصدت الدراسة أثرا ثالثا للاتفاقية يتعلق بنسبة تطور انبعاثات الكربون التي توازي نسبيا نسبة تطور استعمال الطاقة، حيث أوضحت أن التطور السنوي لانبعاث غازات الكربون يتزايد بنسبة 1.8% ليصل إلى 6332 طنا عام 2010 وأن ما يناهز 54% من الزيادة في انبعاثات الكربون تأتي من الدول النامية أي بقية دول آسيا ودول أميركا اللاتينية وبقية دول العالم التي لن يشملها بروتوكول كيوتو في مرحلته الحالية.
ولاحظت الدراسة بخصوص هذه النقطة أن كميات انبعاثات الكربون من كل من الفحم والنفط كانت شبه متساوية عام 1995، ولكن قد يشهد عام 2010 نموا بسيطا لصالح الفحم في إنتاج غازات الكربون لتصبح حصته تناهز 51%
كما ستتضاءل مساهمة النفط في الإنتاج الكلي لغازات الكربون لتصبح 37% بعدما قاربت 43% بين عامي 1995 و2010، وأشارت إلى أن التطور الاقتصادي السريع للدول التي تعتمد على الفحم كمصدر أساسي للطاقة وبخاصة الهند والصين يفسر الجزء المهم من تطور إنتاج غازات الكربون حسب المناطق ونوع الطاقة المستعملة.
وتوقعت الدراسة أن ينمو نصيب الدول غير المنتمية لأوروبا وبقية دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من إنتاج غازات الكربون من 27% إلى 38% وأن تتراجع نسبة إنتاج الدول الأوروبية وبقية دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من الغازات الكربونية خلال الفترة 1995 – 2010 لصالح بقية دول آسيا ودول أميركا اللاتينية التي ستتميز بنمو اقتصادي أسرع من الدول الصناعية التقليدية.
كما توقعت الدراسة أن تكون ضريبة الكربون أكثر ارتفاعا في الدول الأوروبية عن بقية دول منظمة التعاون الاقتصادي، حيث من المتوقع أن يصل مستوى الضريبة إلى 145 دولاراً أميركياً للطن من الكربون في دول أوروبا فيما لن يتجاوز 105 دولارات أميركية في بقية دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية،
وأرجعت الدراسة أسباب هذا لاختلاف في مستويات ضريبة الكربون التي يلزم إدخالها لتحقيق التخفيض المقرر في إنتاج غازات الكربون إلى التباين الكبير في أسعار الطاقة بين المنطقتين حيث إن الدول الأوروبية تعتبر من أكثر الدول التي تفرض الضرائب على استهلاك الطاقة والتي تتجاوز في بعضها 80% من السعر النهائي للطاقة عند الاستهلاك.
وتخلص الدراسة إلى أنه من المتوقع أن ترتفع ضريبة الكربون عام 2010 لتصل إلى 122 دولاراً أميركياً في دول أوروبا و117 دولاراً أميركيا في بقية دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتوقعت أن يؤثر إدخال ضريبة الكربون في الدول الصناعية الملتزمة ببروتوكول كيوتو بشكل سلبي على اقتصادياتها
حيث ينتظر أن يتراجع الناتج المحلي للدول الأوروبية بنسبة 0.6% عام 2010 عما هو متوقع وفقا للسيناريو العادي لتطور الاقتصاد العالمي الذي يفترض عدم انتهاج أي سياسة بيئية أو اقتصادية تهدف إلى الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة،
فيما ستفقد بقية دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ما يقارب 0.9% من إنتاجها المحلي عام 2010، في حين ستشهد بقية دول العالم تراجعا في الناتج الإجمالي، وقدرت الدراسة بأن تفقد بقية دول آسيا ما يناهز 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما سيتراجع الناتج المحلي الإجمالي لبقية دول العالم بنسبة 0.4%.
وتوقعت الدراسة من تطبيقها لسيناريو عدم انتهاج أي سياسة بيئية أو اقتصادية للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة أن يصل الاستهلاك العالمي للطاقات الأحفورية إلى 453 إكساجول بحلول عام 2010 أي بزيادة سنوية متوسطة تقدر بحوالي 1.7% وستستحوذ دول أوروبا وبقية دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على نسبة 45% من هذه الزيادة.
يذكر أن بروتوكول كيوتو يعتبر أول خطوة فعلية نحو الحد من انبعاث الغازات الدفيئة حيث ألتزمت 36 دولة صناعية بالتخفيض الفعلي بحسب مستوى إنتاجها في عام 1990، ومثلت الموافقة على تقرير التقييم الأول لمجموعة خبراء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لسنة 1990 قبولا من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة
لفرضية أن انبعاثات الغازات الدفيئة (ثاني أكسيد الكربون الميثان بروتكسيد الازوت وثلاثة غازات أخرى) نتيجة مباشرة لتطور الأنشطة البشرية والذي قد يكون السبب الرئيسي وراء ارتفاع درجة حرارة الأرض واعتمادا على هذا الاستنتاج اتفقت جميع الدول على أهمية تحقيق انخفاض في إنتاج الغازات الدفيئة إلى مستوى كفيل بمنع تدهور التوازن البيئي والجوي
اعتماداً على مبدأ »الاحتياط « أي تأسيسا على اقتصاد المقارنة بين تكاليف الحد من ارتفاع حرارة الأرض والخسائر التي قد تنجم عن فقدان التوازن الجوي. ودعم التقييم الثاني بوضوح نظرية تأثير النشاط الإنساني في المناخ العالمي رغم الاعتراف باستمرارية الشكوك العلمية حول العلاقة بين النشاط الإنساني وارتفاع حرارة الأرض.
والجدير بالإشارة أن مؤتمر جوهانسبرج الذي انعقد في أواخر عام 2002 وقد أبرز صعوبة التوصل إلى التزامات دولية محددة لتخفيض الاعتماد على الطاقات الأحفورية غير النظيفة بعد رفض الولايات المتحدة التوقيع على بروتوكول كيوتو والالتزام ببنوده مما جعل الباب مفتوحا أمام الاتفاقيات الإقليمية
إلا أن موافقة روسيا على البرتوكول واعتماد مجلس الدوما له في نوفمبر 2004 أضفى جوا من التفاؤل على المساندين لتطبيق هذا البروتوكول على اعتبار أن النصاب القانوني لتطبيق البروتوكول قد اكتمل وبالتالي دخل حيز التنفيذ الفعلي في 16 فبراير 2005.
