الفن الملتزم جملة مفيدة، لطالما تأفف منها البعض، لاعتبارات جمالية وتنظيرية، تدعي أن الفن لا يجتمع مع التوجيه والالتزام إلا وثالثهما الفشل. بمواجهة آراء أخرى، تعتبر ان المحافظة على الحس الجمالي البحت لأي فن ضروري.

ولا يخدشه أو يضره التعبير عن قضايا إنسانية تتصل بلحظة سياسية (تنويرية) أو (تثويرية)، على قاعدة تعريفات للمثقف (العضوي) المبتكرة على يد المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في خمسينات القرن الماضي.

أو ما قاله الفرنسي لويس ألتوسير في الفترة الزمنية ذاتها، بأن كل فكر أو ثقافة أو فن مهما حاول الادعاء بأنه تجاوز الواقع، هو ابن الواقع، الذي يحرضهم ويحركهم على الفعل بعمقه الداكن أو بتمظهراته الطفيفة. فلا أحد يستطيع عملياً ونظرياً تجاوز واقعه الذي هو حقيقة على تماس مع أفكارنا ورؤانا وأحاسيسنا.

بالطبع البعض يروح بقضية الالتزام إلى ابتذال تجاري، أو كما يقال في التعبيرات الواقعية «يركب الموجة»، لتحقيق فائدة مادية رخيصة على حساب مقدس إنساني. ولعل تجربة الشاعر والكاتب المسرحي محمد الماغوط، الذي قدم أدباً خالصاً رائعاً متصلاً بعمق بقضايا الإنسان العربي بكل مستوياتها، خير دليل على صحة القول الأول.

القاص والسيناريست محمد أمين اختار عنواناً مثيراً لفيلمه الجديد «ليلة سقوط بغداد»، الذي تخوف منه البعض للوهلة الأولى لمباشرة عنوانه، ما لبث أن انقلب الخوف إلى عكسه بعد عرض الفيلم، الذي عرف فيه أمين كيف يحافظ على عدة مستويات.

أولها ما يتطلبه الفن السابع من استخدام للغة بصرية وتصنيع كادرات إيحائية مليئة، تحمل قوليتها بوضوح من دون خطابية الى ضبط عناصر ثانية لها أهميتها ثانياً، مثل التوازن اللوني في الصورة، وحركة الكاميرا المتناسقة في سرعتها مع حركية النص والحوارات.

إضافة إلى الانسجام مع روحية السينوغراف البسيط، كما هي قصة الفيلم بسيطة وواقعية إلى حد الالتصاق. ركب عليها المخرج محمد أمين المفارقات الكوميدية المضحكة تماماً، والمؤلمة حقيقة، عن سوء الوضع العربي الذي يتعرض لهجمة شرسة يقف أمامها عاجزاً، لا يستطيع مواجهتها لأنه لا يملك قدرات المواجهة، ولا يستطيع أن يتراجع، لأن في تراجعه سقوطه.

فبعد أن احتلت الجيوش الغربية العراق وعاصمته بغداد، شعر مواطن مصري يعمل ناظر مدرسة بالمهانة والخوف الشديد، بأن يحدث لمصر ما حصل للعراق.

وتبدأ هذه الكوابيس بملاحقته في الليل والنهار وفي حالات النوم والاستيقاظ، تارة يراهم يغتصبون أهله، وتارة أخرى تفزعه المشاهد الشائنة في «سجن أبو غريب».

ويتشارك مع أصدقائه في هذه الهواجس، ويقرروا معاً توجيه سؤال إلى أحد العسكريين السابقين، إن كان البلد يملك سلاحاً رادعاً يمنع عنه أي اعتداء في المستقبل، فتأتي الإجابة بالسلب، مما يضع الناظر (أدى الدور الممثل حسن حسني) في قلب المسؤولية، فيستعين بأحد تلامذته الذي يسأل عنه في بيت الأهل، الذي يخبرونه بأنه يعمل في مركز للبحوث العلمية.

ويجده في ماخور يتعاطى الممنوعات، فيقدم له عرضاً مثيراً، بتأمين حاجياته المادية جميعها شرط أن يخترع هذا التلميذ «العبقري» سلاحاً يردع الأعداء.

ولا يتوانى في تقديم كل ما يلزم لذلك، بما فيها تأمين الحشيش للمخترع وتزويجه من ابنته، إلى أن يصل الشاب إلى المبتغى، فتعرض عليه المخابرات الأجنبية مبلغاً كبيراً من المال لبيعها هذا السلاح، لكنه يرفض ويتم إنقاذ الوطن.

فكرة الفيلم جريئة، ومعالجة محمد أمين لها إخراجياً جيدة، أدار ممثليه بحرفية عالية، فوقف الشاب الممثل أحمد عيد مؤدياً شخصية العبقري بما يتناسب تماماً مع المستويات الكوميدية المتضمنة للشريط، وبالقدرة ذاتها أدار الحسناء بسمة في شخصية ابنة الناظر، بدت متميزة عن أدوار سابقة في أفلام أخرى اعتمدت على إغراءات مجانية أحياناً.

«ليلة سقوط بغداد» أخرج السينما العربية المصرية من مناخات الكوميديا الساقطة، إلى المستوى الحقيقي للفن الملتزم بقضايا الإنسان محافظاً على مستويات جمالية أكثر من جيدة، وضرب باب الواقع العربي بكل أزماته من موقع صادق وشفاف وحقيقي.

حسين قطايا