كان فضل شاكر في حفلته، التي احتضنتها الليلة قبل الماضية قاعة «الراشدية» الكبرى في فندق «البستان روتانا» في دبي، مختلفاً كثيراً عما ظهر عليه منذ حوالي تسع سنوات، حين كان يقصد دبي للغناء في مطاعمها وأنديتها الليلية.

في تلك الأيام انطلق شاكر خجولاً، إذ لم يدخل الميدان بعدته الخاصة، بل كان مستنداً إلى عشقه لأغنيات العندليب الراحل عبد الحليم حافظ، الذي لا يزال متأثراً به حتى الآن، ويستحضره في حفلاته العامة والخاصة .

بالأمس كان حليم حاضراً في برنامج أغنياته ضمن الحفل الفني الذي نظمته شركة « كونسرتو العالمية للانتاج الفني » فرع الامارات، وشاركت فيه المغنية اللبنانية يارا.

لكن الذي اختلف هو ما بدا من نضج فني وثقة بالنفس وأداء زاخر بالإحساس لدى هذا الفنان القادم من أحد مخيمات الفلسطينيين في جنوب لبنان، مثبتاً موقعه بين مغني « الصف الأول » من أبناء جيله، بل متفوقاً على الكثيرين منهم في اجتذاب الحضور الجماهيري ومبيعات السوق الموسيقية.

ولسنا ندري ما الهدف من وراء حضور مغنين صاعدين إلى جانب النجوم؟

تساؤل ربما يكون في محله، وقد لا يكون .لكن الأمر بات في الكثير من الحالات محاولة لملء المسافة الزمنية الفاصلة بين مقدماتها وصعود نجم الحفل الى خشبة المسرح . فالمتعارف عليه أن النجم يحضر بعد منتصف الليل، وعليه فإن هناك ضرورة لفنان ما من أجل « تسلية » الجمهور حتى يحين الموعد المنتظر.

وإذا كان العديد من تلك الحفلات يأتي بنماذج تبعث على الملل، فإن الحال مع يارا، لم يكن كذلك، وأعتقد أنها ربما ظلمت لوضعها في زمن الانتظار، حيث انشغل الناس بجلب أطباق الطعام والحلوى، وتحركوا كثيراً بين الممرات، بينما كانت المغنية تؤدي بصوتها الجميل أغنيات فيروز ووردة وكارول سماحة.

وحين أطل فضل شاكر على المسرح، كان الجمهور قد انتهى من مائدته، فاستقبله بتصفيق حار وهتافات عالية، واستهل المغني تغريده بأغنيته «معقول» لتتبعها«أنا قلبي داب بهواك »، و« ياحبيبي تعالى »، ثم تنفجر القاعة بالتفاعل الحار مع « ضحكت الدنيا» لتهدأ قليلاً مع أغنية « مأثر فيي».

واستمر الحفل من دون استراحة، وبين أغنية رومانسية هادئة وأخرى سريعة الإيقاع . حدثت في المكان حالة ربما أدهشت فضل شاكر نفسه، كان ذلك حين بدأ الموسيقيون بعزف مقدمة « زي الهوى » للعندليب الأسمر، فقامت الناس من كراسيها وشاركته الغناء، فكرر المقاطع مراراً مع الشبان والصبايا الذين تجاوزوا سن المراهقة للتو.

ولعل هذا الاندماج المميز مع المغني نابع من تأثير ألق أغنيات الزمن الماضي، ويثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك الأغنيات الأصيلة خالدة بمرور الزمن.

وأن حداثة عبدالحليم حافظ التي أطلقها مع موسيقى عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي وغيرهم لا تزال تحتفظ بسحرها الأول، وأنها تعتبر المقياس والنموذج الأمثل لأغنية شبابية ناجحة.

ويتواصل الغناء من حنجرة فضل الدافئة، ليغني «يا حياة الروح »، « ويوم بتهواني ويوم بتنساني » التي غلب عليها الإيقاع الراقص ما جعل الأنوثة تتمايل في أرجاء القاعة بمشاركة ذكورية قليلة.

وبعد «أكذب عليك « إحدى روائع وردة الجزائرية التي لاقت هي الأخرى حماساً لافتاً. واصل شاكر الغناء. فقدم « طاير يا هوى »، و« حاطط صورتك جوايي»، ليختم حفله قبيل الفجر بقليل بأغنية « يا غايب » التي تنقلت بين حناجر الناس طويلاً.

دبي ـ إسماعيل حيدر: