لا يُمكن إجراء حوار صحافي مع السيناريست والمنتج المصري وحيد حامد، من دون التطرّق إلى مسألتين أساسيتين، وسمتا أعماله السينمائية التي بلغ عددها خمسة وثلاثين فيلماً بدأ بكتابتها في نهاية السبعينيات المنصرمة: الإرهاب وعادل إمام.

في المسألة الأولى، خاض وحيد حامد معركة حقيقية لمواجهة العنف الذي تمارسه جماعات أصولية زرعت في المجتمع المصري موتاً وخراباً وجهلاً.

وفي المسألة الثانية، شكّل حامد وإمام ثنائياً سينمائياً (انضمّ إليهما المخرج شريف عرفة لاحقاً) قدّم للشاشة الكبيرة بعض أجمل أفلام آخر «زعيم» للكوميديا الحقيقية، قبل أن تبدأ مسيرة الانحدار التي عرفها إمام بعد «النوم في العسل» تحديداً، جرّاء مشاركته في أفلام لم تكن على المستوى الإبداعي المعروف له سابقاً.

في زيارة خاصّة قام بها مؤخّراً إلى لبنان، أجرت «البيان» حواراً صحافياً مع وحيد حامد تطرّق فيه إلى هاتين المسألتين، انطلاقاً من فيلميه الأخيرين اللذين يُعرضان حالياً في عدد من المهرجانات والصالات التجارية:

«دم الغزال» لمحمد ياسين (تمثيل: يسرا ونور الشريف ومنى زكي) و«عمارة يعقوبيان» لابنه مروان في تجربته الروائية الطويلة الأولى كمخرج (تمثيل: نور الشريف وعادل إمام ويسرا وآخرين).

تناول الأول موضوع الإرهاب، الذي لم يتوقّف عن ضرب المجتمع المصري بأشكال مختلفة، وسرد الثاني، المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه للكاتب المصري علاء الأسواني، فصولاً من التحوّلات السياسية والاجتماعية والحياتية والثقافية، التي مرّت بها القاهرة، تحديداً، في الأعوام القليلة الفائتة.

من هنا، يُمكن القول إن المواضيع السياسية، بالمعنى العام لتعبير «سياسة» (أي الجوانب الإنسانية والاجتماعية والثقافية)، لا تزال تثير حماسة وحيد حامد:

«طوال عمري، أنا ملتزم هذا الخطّ. إن شئت الدقّة أكثر، أقول لك إني لا أؤلّف بل أرصد أحوال المجتمع، وأقدّم تحليلي الخاصّ ورؤيتي الشخصية اللذين أعبّر عنهما بأفلامي»، كما قال حامد، مضيفاً أن الأفلام التي يُحقّقها لا تنال، دائماً، إجماعاً شعبياً ونقدياً، «لأن هناك دائماً من يختلف معك في وجهة نظرك حول هذه المسألة أو تلك. لا تستطيع أن تُنجز عملاً يتّفق عليه الجميع».

لكن وحيد حامد، الذي اعتاد معالجة موضوع الإرهاب في أفلام اتّسم بعضها بنَفَس كوميدي جميل )«الإرهاب والكباب» لشريف عرفة، مثلاً( أو بحساسية نقدية ودرامية عالية (كما في «طيور الظلام» لعرفة أيضاً)، رفع مستوى خطابه في مقارعة الإرهابيين في «دم الغزال»، معلناً غضباً حادّاً وصرخة قاسية، في حين أن «عمارة يعقوبيان» أفردت حيّزاً ما للحالة الإرهابية نفسها.

وإن لم تبلغ نبرته فيه مستوى الغضب المعتمل في «دم الغزال»: «كان عليّ أن أرفع حدّة المواجهة، لأن الإرهاب طوّر نفسه وأصبح أعنف. ولأنه أصبح أعنف، كان على وسائل التعبير التي تناهضه، ومنها السينما، أن تكون أكثر حدّة في مواجهته، وأن تتخلّى عن البساط الحريري الذي كانت تسير عليه.

كان من الطبيعي أن يكون هناك شيء من العنف في تناول المسألة، هذه المرّة، كي يُشبه العنف الذي لجأ إليه الإرهابيون في الأعوام الأخيرة». لكن، إلى أي مدى استطاعت السينما والفنون الأخرى أن تلعب دوراً في مواجهة الإرهابيين:

«هناك مرحلة زمنية شهدت تعاطف المجتمع نفسه ككل مع الإرهابيين، إذ اعتبر هذا المجتمع أنهم أصحاب قضية عادلة. بفضل أجهزة الإعلام المستنير، وبفضل أدباء وفنانين أنجزوا أعمالاً سينمائية ومسرحية وإذاعية.

وكتبوا مقالات صحافية جادّة ومهمّة، تمّ تحييد جزء كبير جداً من هذا المجتمع وتنويره، إلى درجة أن عدداً كبيراً للغاية من أبناء هذا المجتمع أدرك أن الإرهابيين على خطأ، وليسوا أبداً على صواب».

أضاف حامد: «إن الجماعات الإرهابية الموجودة، حالياً، على الساحة المصرية مثلاً، باتت تعمل في نطاق الخلايا والتنظيمات المتنوّعة التي تُشكّل مظلّة للإرهاب والعنف، وهذا يعني أن عملها بات من دون أي دعم شعبي. يعود الفضل في ذلك إلى الفن والسينما، وإلى غيرهما أيضاً».

وأكّد حامد أنه «على المدى الطويل، تستطيع السينما والفنون الأخرى أن تُحدث تحوّلاً في داخل هذه الجماعات نفسها، لولا وجود مشكلة أساسية وعائق كبير يحولان معاً دون تحقيق هذا التحوّل المنتظر والمطلوب: إن الجماعات الإرهابية لا تشاهد السينما، لأنها تعتبرها من المحرّمات».

في «دم الغزال»، سلّط وحيد حامد الضوء على مشكلتين اثنتين، اعتبرهما سببين لتنامي الإرهاب. لكنه، في حواره مع «البيان»، لم ينفِ وجود أسباب أخرى: «الفساد الحكومي، غياب العدالة الاجتماعية.

لا تنس أن الجماعات الإرهابية تمتلك شبكة من التنظيمات التي تموّل أعمالها، مما يساعدها على إجراء عمليات غسل دائم لعقول الشباب وشحنها بأفكار خاطئة، جرّاء ازدياد حدّة الأزمات اليومية التي يستغلها الإرهابيون لاستمالة الشباب. هناك أيضاً العوامل السياسية».

أضاف حامد: «من مصلحة القوى الأجنبية أن تصنع افتراقاً في داخل المجتمع العربي كلّه، وأن تعمل على انقسام الشعب وتأليبه على بعضه البعض، باستخدام الدين. لا تتردّد هذه القوى في ممارسة أي عمل يُمكن أن يؤدّي، برأيها، إلى إحداث الشرخ الديني.

هذه القوى تستغلّ الطائفية، وتزرع عبرها الكراهية الدينية. من شأن هذا كلّه أن يفيد أعداء الأمة العربية بشكل عام، والطامعين بها. لا تنس أننا نقيم في منطقة حيوية جداً، مما يجعلها عرضة دائمة لتدخّلات خطرة كهذه».

لم يشأ وحيد حامد أن يحلّل المسار التمثيلي الخاص بعادل إمام، على الرغم من أن صداقتهما طويلة الأمد (أو ربما بسبب هذه الصداقة)، التي تعود بدايتها إلى العام 1976 عندما كان إمام بطل المسلسل الإذاعي «طائر الليل الحزين»، الذي كتبه حامد ونقله إلى الشاشة الكبيرة فيما بعد.

والمعروف أن حامد كتب لإمام مسلسلاً تلفزيونياً (قبل عملهما المشترك في السينما) بعنوان «أحلام الفتى الطائر». يُذكر أن حامد رشّح إمام لتأدية الدور الأول في فيلم «طائر الليل الحزين» أيضاً، لكن المنتج رفض ذلك لاعتبارات النجومية والشكل حينها، إذ قال المنتج لحامد: «هل من المعقول أن تحبّ شويكار عادل إمام؟»، فكان البديل محمود عبد العزيز.

أياً يكن، لم يجب حامد عن سؤال «البيان» له بخصوص عادل إمام. فالقراءة النقدية الخاصّة بالتحوّل الذي أصاب إمام بعد «طيور الظلام» (أو ربما بعد «النوم في العسل»)، تكشف أن «الزعيم» فَقَدَ بريقه الكوميدي، ولم يعد ذلك الممثل القادر على تقديم أدوار مضحكة بالمعنى الحقيقي للكلمة:

«رأيي أن تسأل عادل إمام نفسه بهذا الخصوص. أنا لا أستطيع أن أقول شيئاً، باستثناء دعوتي الجميع لمشاهدة «عمارة يعقوبيان»، إذ سيرى المشاهدون أن إمام يقف في مصاف نجوم السينما العالمية الكبار، وأنه يؤدّي دوره كما يؤدّي جاك نيكلسون أو آل باتشينو أدوارهما السينمائية».

من ناحية أخرى، لم يجد حامد صفة أخرى غير «تافهة» كي يُطلقها على الأفلام الكوميدية التي تملأ الشاشات السينمائية المصرية والعربية حالياً: «تظهر التفاهة مع الإحباط وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

حين تعمّ الفوضى، تطلّ التفاهة، تماماً كما يحدث في أعوام الحرب، حين تخلو شوارع المدن وتصبح مهجورة، فإن النباتات الطفيلية تنبت في جنباتها. في خلال الحرب العالمية الثانية، مثلاً، ظلّت السينما المصرية تنتج أفلاماً، وكانت الأفلام التافهة موجودة.

كلّما كان المجتمع في يقظة، كانت الفنون في حالة يقظة ووعي. لكن المشاكل المتنوّعة طاحنة، لهذا يسود النوع الرائج حالياً. على الرغم من هذا كلّه، فإن الدائرة ستدور حتماً، ولا شكّ عندي أن هذه الموجة ستنتهي ذات يوم، وستعود للسينما أصالتها وجودتها».

بيروت ـ نديم جرجورة: