عندما حاول التطور الحديث بذل ما يستطيع من جهد ليخلق الحياة، غالباً ما أتت الأماكن التي تم بناؤها ميكانية أكثر مما يجب حتى أصبحت النتيجة قاسية، متعبة وشاقة - وحتى مريعة أحياناً - وغالباً ما افتقرت، بمجملها، إلى النقاوة والعذوبة اللتين تحولاننا إلى سعداء.

وليس الأسلوب هو ما يجعل البناء حياً أو ميتاً، بل نقاوة تجاوبه مع محيطه؛ ذلك الصدق في الكشف عن النظام في بنيته الخاصة وتلك العفوية عند قيامه بذلك.

وما أقصده بالنقاوة يمكن فهمه جزئيا بمثلٍ عن فن قتالي بعيد عن فن الهندسة.

«الأيكيدو»(Aikido)، وهو الفن القتالي الذي يتقاتل فيه اللاعبون، يتصارعون ويرقصون، فإن ما يشكل الجوهر فيه هو أولاً ذلك التجاوب المرن لجسم إنسان مع الأوضاع التي توصل إليها اللاعبان معاً.

فما يجعل ال«أيكيدو» (Aikido) فريداً هو أن ذلك التجاوب ليس بميكانيكي. كما أنه لا يندرج ضمن نظام بل هو فريد وفق الظرف. وهو ينشأ من اللحظة السابقة. ذلك هو ما يتعلمه اللاعبون، الراقصون والمصارعون في «الأيكيدو» (Aikido). وذلك أيضاً، أو ما يشبهه إلى حد بعيد، ما يجعل البناء نقيا، وحَيا ومبهجاً.

فإن جوهر كل حياة في أي نظام يكمن في التجاوب المكيف لكل تطور جديد في النظام مع الحالة التي كانت موجودة في السابق.

ولا يتأتى إلا متى كان تجاوب كل عمل بناء نقيا، أصليا ومستقلا، وقد استدعته إلى الحضور الظروف السابقة والحالية، ولم يأخذ شكله إلا من تجاوبٍ مع الكل، تجاوب كلي حي ومفصل.

دعوني الآن أقوم بملاحظة أساسية عن التكيف العميق أو الافتقار إليه، كعلامة فارقة للمباني التي نراها حوالينا في العالم:

الطبقة الأولى: طبقة المباني العميقة التكيف:

إن أخذنا كل نموذج من المباني التقليدية كلها، من الناحية المعمارية، منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد إلى حوالى 1900 سنة بعد الميلاد؛ مثل الأكواخ القبية (Igloos)، البيوت الإفريقية في «مالي»، القصور الصينية، قصر «كنوسوس» (Knossos)، قرى إنكلترا، المعابد اليابانية، دور الأتراك الكهفية... والنقوش الهندية... فكل منها يختلف عن الآخر اختلافاً هائلاً عظيماً؛ لكل منها شكل، لون، سطح، موقف، مواد غنية بتنوعها المذهل الرائع، إلا أنها، بطريقة ما، متشابهة إلى حد بعيد. ففيها جامعٌ ما هو نفسه.

الطبقة الثانية: طبقة المباني غير العميقة التكيف:

فإذا ما نظرنا إلى نماذج مباني الحقبة التاريخية الأخيرة ـ لنقل من العام 1950 إلى العام 2005. فهذه النماذج ذات الأسلوب الرفيع تظهر أيضاً أشكالاً، مواد ومفاهيم على اختلافها وتعدادها. كما أنها تتضمن المباني التقليدية الزائفة التي تم صنعها عبر وسائل تطور عصرية. وهذه المباني أيضاً، بغض النظر عن الأسلوب، تشبه بعضها بطريقة ما، طريقة كثيرة العمق. وإذا بها، مرة أخرى، تتشاطر شيئاً عميقاً هو نفسه في كل منها.

والمباني في هاتين الطبقتين مختلفة كل الاختلاف، إن في المادة الفنية أم في الشكل. وذلك واضح بين. أما السؤال المهم فهو ما هي طبيعة الفرق؟

يكمن الفرق في الهيكلية التي تنتج من الافتراضات والإجراءات. فهيكلية مباني الطبقة الأولى وهيكلية مباني الطبقة الثانية مختلفتان كل الاختلاف، ولا يعود السبب إلى الشكل، أو الثقافة أو المناخ، بل إلى الطبيعة العميقة الداخلية لافتراضاتها التي تولد الهيكلية ولاسيما إلى أنها تعالج التكيف أو لا تعالجه.

كل هيكليات مباني الطبقة الأولى مكيفة، بشكل عميق مع الأرض والناس، وتكون فيها الأجزاء الداخلية للمباني، حتى أصغر العناصر فيها، قد حدثت نتيجة ما بينه وصنعه حِرصٌ وتكيفٌ مستمران صبوران مع العناصر حولها.

أما مباني الطبقة الثانية فتمثل نوعاً جديداً من الأهواء، يبلغ درجة من الوضوح في تبيانه حتى كاد يصبح ماركة تجارية، وهو يفتقر إلى الرغبة في إرضاء قلب الإنسان، ولا ينبع من الصوت الداخلي للناس العاديين، بل من أصوات الناس المتعطشة للغرور الذين يرغبون في الشهرة ويسعون إلى تسويق أحد المنتجات.

إن مباني الطبقة الأولى، تلك التي بنيت حول العالم على مدار خمسة آلاف سنة، قيمة بما تقدمه لنا من عِبَر، وليس علينا تقليدها، ولكن، لعل ما يجدر بمعظم المهندسين والمطورين القيام به كي يدركوا جوهر الأحاسيس العميقة للتكيف ويتوقفوا عن بناء مباني الطبقة الثانية: هو ببساطة ممارسة «الأيكيدو» (Aikido).

zena@arabianocept.com