تصاعدت وتيرة تأثير الأجواء السياسية والجغرافية على أسواق النفط خلال الأيام القليلة الماضية مما أدى إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية أعادت إلى الأذهان مخاوف أغسطس من العام الماضي. وبدا أن الأوساط العالمية باتت تعد العدة للتأقلم مع أوضاع السوق الجديدة، حيث ألمح بنك جولدمان ساكس إلى أنه قد يرفع توقعاته لسعر النفط الخام الأميركي بنهاية العام فوق 70 دولارا للبرميل بسبب النمو الاقتصادي العالمي الأقوى من المتوقع.
وفي ذات السياق عبرت الوكالة الدولية للطاقة نهاية الأسبوع الماضي في تصريحات على لسان مديرها العام كلود مانديل صراحة عن قناعتها بأن العلاقة الطردية بين الطلب وأسعار النفط لم تعد تسير على ذات المنوال الذي كانت تسير عليه في السابق. وقال مانديل انه مندهش لان أسعار النفط القياسية لم يكن لها تأثير اكبر على تقييد الطلب.
ورمت الوكالة بالكرة في ملعب المستهلكين وقالت إنه ينبغي عليهم بذل المزيد من الجهد من أجل ترشيد الاستهلاك وتوفير الطاقة باعتبار أن ذلك يشكل أحد الحلول الممكنة في ظل التصاعد الجنوني في أسعار النفط وعدم نجاح ارتفاع الأسعار في كبح جماح الطلب العالمي المتزايد. واستبعدت الوكالة احتمال تراجع الأسعار في الوقت القريب لكنها رأت أن تراجعاً في استهلاك النفط الخام والمنتجات البترولية سيكون عاملا قد يساعد في النزول بالأسعار.
وكانت أسعار النفط قد استقرت عند متوسط 72 دولارا للبرميل خلال الأسبوع الماضي بعد أن أثارت مشاكل مصافي النفط في الولايات المتحدة الأميركية المخاوف بشأن إمدادات البنزين قبل موسم ذروة الاستهلاك في فصل الصيف، إضافة إلى عدم اليقين بشأن تعطل الإمدادات في المستقبل والافتقار إلى طاقة إنتاج مرنة احتياطية.
وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الدول المنتجة من أجل زيادة الطاقة الإنتاجية إلا أن الخبراء يقولون إن تأثير مباشر لمشروعات الطاقة الجديدة لن يظهر قبل حلول عام 2010، مما يرجح فرضية بقاء ارتفاع الأسعار خلال الأعوام المقبلة.
وترى وكالة الطاقة الدولية أن حسم بعض القضايا السياسية والجغرافية التي تؤثر على أسعار النفط سيساعد على تهدئة الأسواق، لكن هذا الاحتمال يبدو أيضاً بعيد المنال في ظل الظروف الحالية التي تحيط ببعض الدول المنتجة.
وتواصلت في نيجيريا أعمال الخطف والتهديدات المباشرة من قبل المتمردين على مناطق الإنتاج، وأكدت وزارة الخارجية البريطانية خطف ثلاثة عمال لدى شركة سايبم النفطية الايطالية المتعاقدة في نيجيريا. وكان الرجال الثلاثة قد خطفوا من سيارة ترافقها الشرطة في مدينة بورت هاركورت.
ولا يزال الملف النووي الإيراني يرمي بقوة بظلاله على أسواق النفط العالمية، وعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية المبذولة إلا أن هوة الخلاف بين طهران وواشنطن بدت أكثر اتساعاً خلال الساعات الماضية.
ومن المقرر أن تدرس الترويكا المكونة من فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة والصين وروسيا خلال الأسبوع الجاري مقترحاً بتقديم حوافز جديدة لطهران مقابل التخلي عن أنشطتها النووية. وعبر دبلوماسي غربي طلب عدم الكشف عن اسمه، عن أمله في الانتهاء من صياغة الحوافز والعقوبات »خلال الأيام المقبلة بهدف إقرارها من قبل الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وألمانيا قبل عرضها على إيران«.
لكن شركات النفط تحاول مقاومة الضغوطات الدولية على إيران والإبقاء على مصالحها هنالك، وأعلنت مجموعة »ايني« النفطية الايطالية أنها ستبقى في إيران »ما لم تحدث تطورات جديدة« في الأزمة. وقال رئيس المجموعة »نحن موجودون في إيران منذ 1956. شهدت هذه السنوات تقلبات كثيرة وما زلنا في إيران وسنبقى فيها ما لم تحدث تطورات جديدة«. وألمح إلى أن »ايني« ستبقى في إيران إلا إذا أصدرت الأمم المتحدة قرارا مخالفا لذلك.
وفي ذات الإطار أعلن رئيس شركة البترول الوطنية الاندونيسية »برتامينا« أن شركته ستتعاون مع الشركة الوطنية الإيرانية للبترول »ان.اى.أو.سى« فى بناء مصفاة لتكرير النفط بتكلفة قدرها 3 مليارات دولار أميركي وبطاقة إنتاج تبلغ 300 ألف برميل يومياً.
وذكرت وسائل الإعلام الاندونيسية أن إيران تعهدت باستثمار أكثر من 4 مليارات دولار أميركي فى عدة مشروعات مشتركة للنفط والغاز والبتروكيماويات فى اندونيسيا التى تحتاج بشدة لاستثمارات جديدة لدفع إنتاج النفط والغاز الطبيعي وذلك في ضوء انخفاض إنتاجها من النفط بمقدار 5 في المائة سنويا طوال السنوات العشر الماضية حتى وصل إلى 1.05 مليون برميل يوميا.
وتتفاقم مشكلة الإمدادات النفطية أكثر في ظل المشكلات التي تواجهها شركات النفط العالمية في بعض الدول. وقال رئيس بوليفيا الجديد ايفو موراليس إن الشركات المتضررة من قرار بلاده تأميم قطاع الطاقة لا يحق لها الحصول على تعويضات إذا كانت قد استردت استثماراتها.
ورفض موراليس أيضا مقترحات بأنه كان يتعين عليه مشاورة المستثمرين أو حكومات البلدان المجاورة قبل إعلان تأميم قطاعي النفط والغاز في بوليفيا في الأول من مايو الجاري.
ولم تغب العوامل الجغرافية عن سباق التأثير على أسواق النفط، حيث أوقف العراق الأسبوع الماضي صادرات النفط من محطة البصرة الجنوبية بعد أن أرغم الطقس السيىء القائمين على تشغيل المحطة على تعليق العمليات.