وقع خيار شركة الريف الإماراتية للإنتاج السينمائي والتلفزيوني على المخرج محمد ملص ليحقق أول فيلم إماراتي روائي طويل تجري عمليات تصويره الآن في أماكن طبيعية في أبوظبي والفجيرة.

«المهد» هو عنوان أولي للفيلم وهو عن فكرة سمو الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، وكتب له السيناريو الأولي القاص حمدي البصيري، ثم قدم العمل للدكتور رياض نعسان آغا، السفير السوري السابق في الإمارات ووزير الثقافة الحالي، لينسج من القصة الأصل سيناريو سينمائيا وصفه ملص بأنه متقن وفيه عوالم فكرية تشير إلى رؤية كاتبها الموسوعية.

«المهد» عاد بقصته إلى ما قبل الإسلام ليروي فيها صراعات العرب بين بعضهم البعض وصراعهم مع الآخر، في الوقت الذي يدخل فيه أبرهة الحبشي إلى الجزيرة العربية،وبالتالي يعتبر هذا الفيلم سباقا في طرح هذه الإشكالية التاريخية عبر شاشة السينما.

«البيان» زارت موقع التصوير في الفجيرة، حيث كانت المشاهد تصور في منطقة القلعة الأثرية هناك، وقد كان واضحا حينها على الطاقم الإعياء والتعب بسبب شدة حرارة الجو وارتفاع نسبة الرطوبة، وبدا أن الممثلين الإماراتيين يقاومون هذه الحرارة بحكم التعود على ظروف الطقس والمناخ فاقترحنا على المخرج تأجيل الحديث عن الفيلم إلى حين العودة للفندق وهذا ما حصل.

تقديما نشير إلى أن عددا لا بأس به من الممثلين الإماراتيين يدخلون تجربة السينما للمرة الأولى أبطالا في عمل كبير مماثل ومنهم: «محمد الجناحي ومحمد العامري وعبيد بن صندل وبلال عبد الله وأشجان وشمس وسعيد عبد الله »،

وكان من الطبيعي أن نستهل الحديث مع ملص بالإشارة إلى هذا الأمر حيث أشاد بالمواهب الإماراتية التي تعمل في الفيلم مؤكدا على الطاقات التمثيلية الموجودة في الإمارات وأهمية دور أصحاب هذه الطاقات.

وعن أجواء الفيلم، وأهمية تقديم حكاية تاريخية تعود لما قبل الإسلام قال المخرج في حديثه ل«البيان»: «تلقيت عرضا لسيناريو بشكله الأولي من قبل شركة الريف الإماراتية، مأخوذا عن فكرة لسمو الشيخ طحنون بن زايد، قام بكتابته الأولى القاص حمدي البصيري، ووجدت أن فكرة الفيلم تعنيني بشكل ما، فالفكرة تتناول الحياة في الجزيرة العربية قبل الإسلام وبدء الأطماع الحبشية وسط صراع الحضارات البيزنطية والفارسية على المنطقة،

حيث كان الكل يطمح ويطمع بالاستيلاء على الخط التجاري وعلى العاصمة الروحية للجزيرة العربية مكة، وقد أثارتني الفكرة وأحسست بدلالاتها التاريخية الهامة وبعدها المعاصر اليوم للتعبير عن مرحلة لم تتناولها السينما العربية من قبل، وهذا الانطباع الذي خرجت به قادني إلى الاتفاق مع الشركة.

هذه التجربة بالنسبة للإمارات هي السينمائية الروائية الأولى، وقد بدا لي أن الطموح لدى الشركة، ولدى الشيخ طحنون مهم وجاد لإنتاج فيلم سينمائي ينتمي لدولة الإمارات، وعلى الرغم من صعوبة التجربة الأولى لكن الرغبة بتحقيق الفيلم جعلتنا نتلاقى أكثر مما نختلف في القراءة الأساسية للنص الذي تبين لي أنه يحتاج إلى إعادة معالجة درامية وإلى إغناء للشخصيات والأحداث، فالنص الأول كان أشبه بفيلم قصير بالمعنى الدرامي،

وفي الحقيقة لعبت العلاقة الطيبة الثلاثية بيني وبين الدكتور رياض وشركة الريف دورا ايجابيا كبيرا في إعادة بناء النص من قبل الدكتور رياض الذي أنجز كتابة الفيلم خلال فترة وجوده هنا، وأرغب حقا هنا أن أشير إلى أن الدكتور رياض يتمتع بوعي إبداعي وبثقة بالنفس تجعل منه مدركا إلى أن السينما

لا تنتمي إلى كاتب النص بل إلى ما هو موجود على الشريط السينمائي، وبثقافته الموسوعية أمدني بزخم كبير من المعلومات التي ساعدتني في انجاز هذا العمل، تاركا الحرية لي في التعامل مع النص، وأظن أن دلالات النص قد حرضتني على تقديم عمل سينمائي كهذا ».

أما عن مرجعية الشخصيات والأزياء والديكورات والاكسسورات التاريخية في الفيلم قال ملص: «كانت العودة إلى العديد من الوثائق المتوفرة مرجعا هاما لنا في بناء عالم متخيل لما كان عليه في الماضي لكل ما يحتاجه الفيلم، كنت حريصا على الالتزام بالوثيقة ولكن كان لدي هاجس بعدم تحويل الفيلم إلى حكاية تنتمي للماضي،

إذ أن همي انصب بأن تنتمي القراءة والسرد إلى اليوم برؤية للماضي، أي ألا يكون هناك تماه مع الماضي بل الوقوف إلى جواره وسرده بلغة اليوم، وأنا لا أميل للحديث عن رسالة موجهة للآخر عبر الفيلم لأنه ما زال في بداياته ولكن المحرضات التي تشغل وجداني خلال تحقيق الفيلم متعددة منها أن الفيلم يتناول صراعا بين القبيلة العربية والمطامع الخارجية ممثلة بالإمبراطورية الحبشية،

وقد شكل لي هذا واحدا من الأهداف التي يسعى الفيلم إلى تحقيقها بالإضافة إلى إدراكي أن البنية القصصية في السيناريو تضمر في داخلها بنى تراجيدية أساسية، وكثيرا ما أحسست بأن مسارا من مسارات الحكاية كان يذكرني دائما بالبعد التراجيدي لمسرحية هاملت، بطبيعة الحال لن أسقط في فخ هاملت ولكن نداءاته تتناهى إلى مسامعي ».

من يعرف سينما محمد ملص يدرك جيدا أنه في هذا الفيلم غريب عن أفلامه السابقة «الليل، باب المقام، وأحلام المدينة».. فكيف تأقلم ملص مع هذه الحالة الفنية الإنسانية الجديدة، يقول عن ذلك: «لقد عانيت لفترات طويلة كي أنتقل بالفيلم من الوعي العقلي والعاطفي إلى وجداني،

وربما احتاج هذا إلى كثير من الوقت، ونادرا ما ألفت التعامل مع فيلم لا ينتمي إلى وعيي الشخصي وذاكرتي، ولا أخفي أنني عانيت بداية الأمر ولكني كنت أمام تحد جميل فسواء في تجربة باب المقام أو في هذا الفيلم فأنا أتجرع هذه الحكايات المؤثرة في داخلي وأضع نفسي في تحد لتحقيقها ».

وعن دور الممثل الإماراتي الذي يدخل السينما للمرة الأولى قال: «لقد سعيت أن يبقى الفيلم في إطار الإمارات في كل تفاصيله، وقطعت المسافات الطويلة وأنا أبحث عن الأمكنة هنا لتحقيق الفيلم داخل هذا البلد، وخلال ثلاثة أشهر التقيت مع أكثر من خمسة وثمانين ممثلا إماراتيا

وقد تبين لي أن هناك الكثير من الإمكانيات الطموحة والكامنة التي لا يتاح لها التعبير عن نفسها إلا بالوسائط المتاحة مثل التلفزيون، الذي لا يعلّم الممثل وإنما يفسده (!) وقد قررت أن يكون المشاركون في العمل من الممثلين الإماراتيين الذين تركوا انطباعا طيبا عن مقدراتهم، والحقيقة أن الفيلم لا يحمل أي نزوع قومي مصطنع وقد استطاع استقطاب ممثلين ونجوم من سبع بلدان عربية تم اختيارهم لأنهم محترفون وليس بناء على انتماءاتهم ».

وعلى حد تعبير المخرج المنفذ شامل أميرالاي فإن العمل يحتاج إلى تصويره داخل الإمارات بنسبة عشرين في المئة، على أن ينتقل طاقم التصوير بالكامل إلى مدينة تدمر الصحراوية السورية لمتابعة التصوير هناك، وهو قد يحتاج إلى أسبوعين قبل الانتهاء منه داخل الإمارات ومدة التصوير بالكامل ستحتاج إلى ثلاثة أشهر ويتوقع أن يكون الفيلم جاهزا للعرض خلال شهر يناير من العام المقبل.

الفجيرة ـ جمال آدم