اتّجهت معظم أعمال مزوّدي خدمات الاتصالات الجدد في الشرق الأوسط نحو ميدان الاتصالات المتنقلة، ممّا انعكس على مناخ السوق واشتعال حدة التنافس فيه.
ومن جانبها، تبنّت شركات الاتصالات القائمة استراتيجيات مضادّة ودفاعية للحد من احتمالية فقدان عملائها. ووفقاً لشركة بوز الن هاملتون للاستشارات عالمياً، فمع اقتراب تشبع الأسواق المحلية وتطور المنافسة، بادر مزوّدو خدمات الاتصالات باقتحام أسواق جديدة بحثاً عن فرصٍ للنمو.
وستضع التطوّرات التقنية بصماتها الواضحة على خدمات الاتصالات المتنقلة، مستحدثة اتجاهاً جديداً من تقارب ودمج تقنيات الوسائط المتعدّدة، وبالتالي خلق بيئة تنافسيّة قويّة بين مزوّدي خدمات الاتصالات المتنقلة، وأيضا مشغلي الوسائط. وستتيح تقنيات الاتصالات السريعة وخدمات البث الإذاعي وصول المحتوى بشتى أنواعه إلى طيف واسع من المستخدمين.
وعندئذ، سيواجه مزوّدو الخدمات تحديات جدية لتحقيق التوازن بين عوامل الجذب والجوانب التطبيقية للأجهزة المحمولة من جهة، وسرعة الاتصال والنفاذ إلى البيانات من جهة أخرى.
آثار تحرّر السوق
ازداد عدد الدول العربية التي نالت عضوية منظمة التجارة العالمية في الآونة الأخيرة. وبعد انضمام المملكة العربية السعودية في العام 2005، ارتفع عدد الدول العربية الأعضاء ليصل إلى 12 دولة. ويعد الالتزام بتحرير سوق الاتصالات من شروط الحصول على عضوية منظمة التجارة العالمية، لذلك شهدت المنطقة ظهور شركات جديدة في قطاع الاتصالات. وفي الواقع، فإن بعض الأسواق توصف بأنها أكثر تحرّراً مثل الأردن والبحرين، مع مبادرات جدّية للإمارات وقطر لتحرير الأسواق.
التوسّع الإقليمي والعالمي
تتأثر الأنشطة التوسّعية للشركات بعاملين رئيسين: يكمن الأول في الاستفادة من فرص النمو الخارجية، أما الثاني فهو احتدام المنافسة أو اقتراب الأسواق المحلية من التشبع.
وبلغت نسبة انتشار خدمات الاتصالات المتنقّلة في الكويت والإمارات أكثر من 85% في العام 2004. وتوسّعت أعمال شركتي »إم تي سي« و»الوطنية« الكويتية بشكل واضح حيث اقتحمت كلتاهما أسواق خمس دول مختلفة، إضافة إلى نجاح شركة »اتصالات« الإماراتية في الحصول على تراخيص لتشغيل خدماتها في أكثر من عشر دول بحلول أبريل 2005. وتجلّت معظم توسّعات شركتي »اتصالات« و»إم تي سي« من خلال عمليات تملّك كبيرة في شهري مارس وأبريل من العام 2005.
وأضافت »اتصالات« سبع دول إلى حقيبتها في وسط أفريقيا بشراء 50% من »أتلانتيك تيليكوم« مزوّد خدمات الاتصالات المتنقّلة في غرب أفريقيا. أما »إم تي سي« فقد أضافت إليها أكثر من 11 مزوّداً للخدمات في المنطقة نفسها بتملّك شركة Celtel.
ووفقاً إلى مستشاري شركة Booz Allen Hamilton، فإن الأمر مختلف تماماً مع شركة »أوراسكوم«. فقد تميّزت سوق الاتصالات المتنقّلة في مصر بحدية التنافس مع انخفاض متوسط إيراد المستخدم ARPU. وبالرغم من عدم وصول السوق إلى حالة التشبع، فقد وضعت »أوراسكوم« خطة توسّعية جريئة مطلع العام 2000. إلا أن أسعار أسهمها تأثر سلباً في العام 2002.
وعلى إثر هذه المتغيّرات، بادرت »أوراسكوم تيليكوم« بتصفية معظم أصولها غير الاستراتيجية (في الأغلب تراخيص الهواتف النقّالة في الدول النائية)، كما أعادت هيكلة موازنتها وطوّرت استراتيجية متكاملة للنمو والتوسّع إقليمياً.
وأبرز النتائج تحققت في استعادة سعر السهم حالته السابقة بشكل ثابت، مع صعود مؤشر نمو شهادات الإيداع العالمية GDR بنسبة 3500% في العام 2005، مقارنة بالهبوط السابق له بقيمة 91% في الفترة التي امتدت من سبتمبر 2000 إلى العام 2002.
وتوسّع نطاق أعمال »أوراسكوم« إلى أفريقيا وباكستان وأوروبا. ومع ذلك، من السابق لأوانه تقييم ما إذا كانت هذه التوسّعات ناجحة أم لا، خاصة وأن عناصر مثل القرب الجغرافي، والنمو المحتمل للسوق المستهدفة والتقارب الثقافي، والعلاقات التجارية بين المصدر والأسواق المستهدفة، وعوامل استقطاب الاستثمارات، إضافة إلى استراتيجية الشركة، ستنعكس إجمالاً على الأداء والعوائد.
ويعلّق السيد غسّان حاصباني، مدير عام في شركة »بوز ألن هاملتون«: »يرى المستثمرون الأجانب الفرص الهائلة في أسواقنا، ويقدّمون الدعم لمشغلي الشبكات ومزوّدي الخدمات الجدد، ممّا ينعكس إيجاباً على المناخ العام للسوق في المنطقة. ولكن هناك درس تعلّمناه من الأوروبيين وهو أن الركض وراء الفرص الجديدة قد يكون مصدر إرهاق تجاه الموارد البشرية والمالية معاً، وأعتقد أن الحل يكمن في التخطيط السليم والإستراتيجية الشاملة«.
حماية السوق المحلية
رغم أن التوسّع خارج الأسواق المحلية أصبح يشكّل شغل الشركات الشاغل، إلا أن الاستثمار محلياً لا يزال العنصر الأبرز في استراتيجيات مزوّدي الخدمات، وخاصةً مع احتمالات النمو العالية.
ويوضّح هلال حلاوي، كبير مستشاري شركة »بوز ألن هاملتون« أن مزوّدي الخدمات الجدد يتطلّعون إلى توسيع قاعدة مشتركيهم في ظل المنافسة المتزايدة، بينما تسعى الشركات القائمة في هذا القطاع إلى الحفاظ على مكانتها والحد من حجم الخسائر المتوقّعة في إيراداتهم المرتفعة بالعادة. ويقول: »تعمل الشركات الحالية دفاعاً عن مكانتها السوقية على تحسين البنية التحتية لشبكاتها وتطوير خدمات جديدة لإرضاء عملائها.
وفي الواقع، أثبتت بعض النماذج نجاحاً باهراً ونالت شعبية واسعة بين المشتركين، وربما تكون هذه الأساليب حلاً مثالياً للحد إن لم يكن القضاء على الضرر الناتج عن المنافسة«.
وأصبحت برامج »ولاء العملاء« شائعة بين مزوّدي الخدمات. فمثلاً، حقّق برنامج »قطاف« الذي طرحته شركة »الاتصالات السعودية« لخدمات الاتصالات الثابتة والمتنقّلة نجاحاً باهراً، بالإضافة إلى برنامج »التميز« من شبكة »الجوّال« في السعودية لخدمة العملاء المتميّزين. وظهرت برامج مشابهة في كل من الأردن والمغرب والبحرين تتيح جمع نقاط مكافأة للمشتركين.
نماذج الأعمال الناشئة
تتيح التقنيات المتطوّرة طرح خدمات جديدة من المتوقع أن تلعب دوراً رئيسياً في تحديد خيارات العملاء. وتماشياً مع تطوّر أجهزة الهواتف النقّالة، أصبح المستخدم بدوره يمتلك نظرة واسعة وشاملة. ونتيجة لذلك، تروّج الشركات خدمات مرتكزة على مزايا للترفيه وإدارة البيانات والمعلومات عبر شاشة الجهاز النقّال.
وخلال السنوات الأربع الأخيرة، شاع استخدام الرسائل النصية القصيرة بشكل ملحوظ على شبكات الاتصالات المتنقّلة في المنطقة. ومع انتشار خدمات الاتصال السريع وإدخال تقنية GPRS اللاسلكية، نالت الرسائل ذات المحتوى المتنوّع دعماً كبيراً، فيما ظهرت خدمة الرسائل متعدّدة الوسائط(MMS) .
وفي الوقت الحاضر، تبنّت معظم الشبكات في المنطقة تقنية الـ GPRS، بالإضافة إلى طرح خدمة الرسائل متعدّدة الوسائط (MMS) من قبل عدد كبير من مزوّدي الخدمات.
ويشارك مزوّدو الخدمات حالياً الإيرادات مع مطوري المحتوى. وأبرز اللاعبين في هذا الميدان هم محطات التلفزيون، وأصحاب الملكية الفكرية للملفات الموسيقية، والشركات التي تجمع المحتوى من المطورين مثل الأخبار العامة والرياضية وغيرها.
ويعتقد كريم صبّاغ، نائب الرئيس في شركة »بوز ألن هاملتون« أن تطوّر المحتوى سيساهم في تعزيز مكانة مزودي الخدمات في الأسواق. ويقول: »بدأ عدد كبير من محطات البث التفاعلية بعرض محتوى موسيقي وخدمة متواصلة لتحميل النغمات وعرض رسائل المشاهدين بالاعتماد على الرسائل النصية القصيرة، والرسائل متعدّدة الوسائط. وعادةً ما يطلب مزوّدو المحتوى حصة كبيرة من الإيرادات والعوائد مقابل ملكيتهم لهذه المعلومات. ومن جهة أخرى، يدرك مزوّدو الخدمة دورهم الحيوي وعلاقتهم المطلقة مع المستخدم النهائي«.
ومع ازدياد شعبية الرسائل والخدمات التفاعلية، فإن عوائد مزوّدي خدمات الاتصالات سترتفع طردياً. واتجهت شركات الاتصالات إلى الحصول على المحتوى بصورة مباشرة من المطورين، بينما تتطلّع شركات أخرى لدخول صناعة تطوير المحتوى والاستثمار فيها لزيادة حصتها من الإيرادات.
وحقّقت محطات البث التفاعلية في المنطقة إنجازات كبيرة، بل إن برامج مثل »ستار أكاديمي« و»سوبر ستار« و »الوادي« قد ساهمت في خلق فرصٍ متميّزة، تزيد من خلالها محطات البث إيراداتها إضافة إلى إيرادات الإعلانات. ويعود الفضل بلا شك إلى شركات الاتصالات والتي قد تقوم في المستقبل القريب بدراسة إمكانية دخولهم إلى الميدان الإعلامي مباشرة، مما سيمثّل حقبة جديدة لعالم الاتصالات في المنطقة.
عصر خدمات الاتصالات السريعة المتنقّلة
من المتوقع أن تهيمن الخدمات الحالية لشبكة GSM على إيرادات شركات الاتصالات في المنطقة ولعدة سنوات مقبلة. كما أن الاستثمارات الإضافية في تقنيات شبكة GSM الحالية ستستمر خلال خمس إلى ثماني سنوات أخرى عن طريق تحديث الشبكات وتبني نظم جديدة. وخلال هذه الفترة، تشير التوقّعات إلى تبني تقنيات الاتصالات السريعة اللاسلكية وانتشارها تدريجياً.
وتبنّت أكثر من أربع دول في المنطقة تقنيات الجيل الثالث 3G وEDGE و»واي فاي«، مع تزايد إقبال الدول على هذه التقنيات في الفترة المقبلة. ورغم أن هذه التقنيات لا زالت محصورة ضمن مناطق محدّدة، إلا أنه من المتوقع أن تنتشر مع دخول لاعبين جدد إلى السوق.
ونجحت بعض المحاولات مثلاً في جلب تقنية »واي ماكس« WiMax إلى المنطقة. وبنظرة تحليلية عميقة، نرى أن المستقبل لا يجيب عن تساؤلاتنا حول أي من هذه التقنيات ستسيطر على السوق! فقد تكون مزيجاً من كل التقنيات الحالية، إلا أنها ستعتمد بلا شك على الجانب التطبيقي والعملي للأجهزة المتوفرة. وسيبقى عامل التنقل الكلي عنصراً رئيسياً في المستقبل. وستواجه التقنيات اللاسلكية التي لا تتوافق مع الأجهزة المحمولة الصغيرة صعوبات في اختراق الأسواق الكبيرة.
وتوفر تقنيات الاتصالات المتنقّلة السريعة حرية الحركة والنفاذ بسهولة إلى محتوى الترفيه والمعلومات. بينما تؤمن التقنيات اللاسلكية البديلة حركة محدودة نسبيا، حيث تتطلب هذه التقنيات في كثير من الأحيان أجهزة كبيرة مثل الكمبيوترات المحمولة.
ومن المتوقع أن تتضمن نماذج الاستخدام مزيجاً من التقنيات اللاسلكية تخدم عدة شرائح في السوق، على غرار ما قدمته شركتاVodafone و T-Mobileمن خدمات موحدة لـ GPRSوWiFi.
نظرة مستقبلية
ستشهد أسواق المنطقة مزيداً من حركات التحرر والخصخصة في السنوات القليلة المقبلة مع اقتطاع مزوّدي الخدمات الجدد لحصص سوقية، تتحدّى من خلالها هيمنة الشركات القائمة. وربما سيؤدي الوضع الراهن إلى اندماجات محتلمة للشركات على المستوى الإقليمي، في ظل الصعوبات التي تواجه اللاعبين الصغار في منافستهم مع كبريات الشركات في المنطقة.
وقد تظهر شركات جديدة كلياً في أشكال ونماذج متنوّعة تتراوح من معيدي البيع إلى شركات الشبكات الافتراضية MVNO والتي لا تملك البنية التحتية للشبكات. وستبيع هذه الشركات السعات الزائدة على الشبكات الحالية نتيجة للتوسّعات الكبيرة خلال الفترات الأولى للمنافسة. وستزداد استخدامات تقنيات الاتصالات السريعة اللاسلكية من خلال خدمات الجيل الثالث للهواتف النقّالة وغيرها من التقنيات اللاسلكية المتنوّعة.
ورغم أن الحد الفاصل بين خدمات الاتصالات الثابتة والمتنقّلة سيتلاشى مع الوقت، إلا أن مفهوم "الاتصالات المتنقلة" سيبقى الأبرز كونه يخدم شريحة واسعة من الأفراد، مع تركيز الاتصالات الثابتة على خدمة المنازل والشركات.
ويتوقع أن يواصل مزوّدو خدمات الاتصالات في المنطقة تقييم نماذجهم التشغيلية وهياكلهم التنظيمية، وبالتالي توسيع عملياتهم للتكيّف مع تغيّرات سلوك العملاء وديناميكية السوق.
وقد نرى في القريب العاجل حركات اندماج بين صناعتي الإعلام والاتصالات، تنتج عنها اتفاقيات تعاون وتمّلك بين الصناعتين.
وستعاني شركات الاتصالات القائمة من طبيعة التنافس، وستلجأ إلى التركيز على حقل واحد بتقديم خدمات للاتصالات المتنقلة أو الثابتة على حدة، أو توفير حزمة متكاملة تضم النوعين. وستؤثر المنافسة في هيكلة الشركات وأسلوب خدمة العملاء.
ومع ذلك، سيظهر نموذج عام يعمل على تعزيز قدرات مزوّدي الخدمات وتلبية احتياجات محدّدة. وستختلف الهياكل التنظيمية أيضاً، بالاعتماد على أسلوب الشركات في تصنيف قطاعات السوق. وربما تتضمن هذه القطاعات المنازل، والشركات، والأفراد وغيرها.
ومن الضروري وجود تشريعات تنظّم دخول الشركات الجديدة إلى سوق الاتصالات في العالم العربي. لكن، لا ينبغي لهذه التشريعات أن تعرقل عمل الشركات القائمة بل عليها أن توفّر المناخ الصحي والتنافسي الشريف لتحقيق المصلحة العامة للمساهمين والمستخدمين. وبذلك، يستلزم التفكير في استراتيجية سليمة تركز على رفع مستوى الخدمات وليس مجرد نقلها من مزوّد خدمات موجود إلى آخر جديد.
وحينها، ستنعكس فوائد التشريعات الصحيحة على المستخدمين والشركات والمصنّعين والحكومات، وبالتالي توفير فرص للعمل وتشجيع الاستثمارات الأجنبية والمحلية وانتشار حرية النفاذ إلى خدمات الاتصالات في المنطقة.
