يعود التأثير الاقتصادي لارتفاع أسعار النفط ليحتل مجددا مكان الصدارة، خصوصا بعد أن تجاوزت أسعار النفط عتبة السبعين دولارا بداية الشهر الحالي، وإن القلق يتزايد من استمرار هذه الأسعار، والتي قد تساعد على تأجيج التضخم لاحقا، ويتفق معظم المحللين النفطيين على أن الارتفاع الحالي الحاد في الأسعار هو ظاهرة طلب وظاهرة عرض أيضا،

ويزعم المحللون كذلك أن جلّ هذا الارتفاع مردّه إلى الزيادة غير المتوقعة في الطلب العالمي، وخصوصا من الصين والهند، والمخاوف من حدوث نقص جديد في الإنتاج نتيجة القلاقل الجيوسياسية في إيران والعراق ونيجيريا، وتخوف الأسواق من تأميم صناعة النفط والغاز في بوليفيا،

واحتمال امتداد هذه المواجهة مع شركات النفط العالمية، إلى دول منتجة أخرى، وبالرغم من أن الزيادة في الطلب قد تبدو متواضعة فإنه سوف تتطلب فرض ضغط أكثر على نظام العرض المتاح الذي يقترب وبشكل كبير من الطاقة الإنتاجية الكاملة وبالتالي يكون معرضا للاضطراب،

حيث تنتج منظمة الأوبك النفط الخام من النوع المنخفض التكاليف ما يقترب من الطاقة الإنتاجية المتوفرة، وان الدولة الوحيدة التي تمتلك طاقة إنتاجية احتياطية ذات شأن هي المملكة العربية السعودية، إذ تنتج المملكة حاليا بحدود11 مليون برميل يوميا،

مما يترك لديها من الطاقة الإنتاجية الفائضة بحدود مليوني برميل في اليوم، وتسعير النفط يتم وفق آلية تعتمد على نوعيته، فنوعية النفط العربي الثقيل يحتوي على نسبة عالية من الكبريت، وحاجة السوق إليه ليست بالحاجة والأهمية نفسها التي يتمتع بها النفط الخفيف،

إذ يتم تداوله بخصم كبير مقارنة بالنفط الأخف كثافة الذي ينتج كميات أكبر من البنزين وزيت التدفئة، وقد زاد الفرق السعري ما بين النفط الخفيف والنفوط الثقيلة بما يزيد على 13 دولارا للبرميل مقارنة بالمعدلات السابقة التي كانت في حدود ثلاثة دولارات،

وعندما قامت الولايات المتحدة بعرض النفوط الخفيفة قليلة الكبريت بالمزاد العلني في سبتمبر الماضي لم يكن هنالك إقبال كبير على شراء النفط الثقيل، وإن الصدمة التي سببتها أسعار النفط مع تزايد التوترات والاحتقانات السياسية، جعلت التوقعات المالية أكثر صعوبة،

ويبقى الوضع في السوق غير أكيد بالنسبة إلى ما ستعول عليه نقطة تعادل البيانات الاقتصادية، أو أين تقع نقطة تعادل سعر النفط، ووفقا لما يقوله بول هورسنبل المحلل النفطي في باركليز كابيتال: ان تحرك الأسعار نحو الارتفاع لا يعتبر بمثابة صدمة بل أنه تعديل نحو المعدل السعري الطويل الأجل والمستديم،

وقد كانت هذه العملية تجري منذ أمد بعيد وكانت تدريجية بحيث لا تكاد تعتبر صدمة، وفي الواقع فإن ذلك كان السبب الرئيس الذي جعل تأثيرها الاقتصادي(التضخمي) الكلي ضئيلا نسبيا، وهذا ما أكدته الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد الإماراتي في معرض ردها على أسئلة استفسارية وجهتها(منظمة التجارة العالمية) إلى وزارة الاقتصاد في بيان وزع في أبو ظبي نهاية الشهر الماضي،

بأن الضغوط التضخمية الحاصلة في الإمارات في طريقها إلى الزوال في المستقبل القريب، مشيرة إلى أنها (ناجمة عن أسباب خارجية بسبب الارتفاع العالمي في أسعار مواد البناء (حديد وإسمنت)، إضافة إلى ارتفاع الطلب المحلي على منتجات البناء بسبب مشاريع البنى التحتية الإقليمية والتدفق الكبير في رؤوس الأموال المحلية والإقليمية والعالمية إلى الإمارات لجاذبيتها الاقتصادية، مما أدى إلى حدوث زيادة في أسعار الإيجارات).

وتدرس الحكومة حالياً إجراءات عدة للحد من التضخم المالي، تشمل التطبيق التدريجي لأي ارتفاع مستقبلي في أسعار الوقود وإيجاد القوانين التي تضمن عدم المبالغة في زيادة قيمة الإيجارات، والمراقب لأسعار صرف الدولار يلاحظ أنه بدأ بالاتجاه نحو الهبوط منذ دعوة مجموعة السبع لاعتماد مرونة في أسعار الصرف ـ في وقت يظهر فيه ارتباط ثابت بين سعر صرف عملات العديد من الدول الآسيوية ـ أكثر فاعلية للعملات في الاقتصادات الناشئة في آسيا.

أما على صعيد ارتفاع أسعار النفط وتأثيره على صرف العملات فإن بعض المحللين يميل إلى الاعتقاد بأن الأسعار المرتفعة للنفط قد لا تكون تضخمية فحسب، بل قد تؤدي إلى انكماش، وهو أمر يختلف عليه المحللون. لأن الترابط بين أسعار النفط والتضخم هو ترابط ديناميكي،

إذن فالتضخم المستورد ليس بالمشكلة الاقتصادية السهلة فبقدر ما تتعدد تداعياته بقدر ما تتعدد وسائل وطرق معالجته، ولذلك باتت مسائل التضخم تعتبر من المشاكل الأساسية جنباً إلى جنب مع مشاكل التنمية والبطالة وتلوث البيئة.

باحث اقتصادي

Kutaiba@emirates.net.ae