هناك استراتيجية دولية يطبقها العالم منذ أوائل القرن الماضي، استراتيجية أدت منذ البداية إلى تقسيم العالم الى قسمين، دول متقدمة ودول متخلفة، والدول المتقدمة هي التي فكرت في هذه الاستراتيجية حيث تضع قواعدها وتخطط أهدافها بشكل يؤدي إلى استمرار تقدمها الاقتصادى وعدم تقويض بعض جوانب التقدم فيها، مع ترك الفتات للدول المتخلفة ( كما يسمونها) حتى لا يكون لها كيان تستطيع منه النفاذ إلى مواقع الدول المتقدمة.
وكان الاستعمار العسكري في القرن التاسع عشر هو الأداة التنفيذية لهذه الاستراتيجية، يحفظها ويحافظ عليها، يعطيها ولا يسمح بالأخذ منها وقد اشتركت بعض الدول المتقدمة فى تفعيل هذه الأداة والسيطرة على الدول المتخلفة - حسب تعريفهم - فى مقدمتها انجلترا التى تزعمتها وفرنسا وبلجيكا وهولندا،
بينما لم تكن الولايات المتحدة الأميركية قد ظهرت بعد على الساحة العالمية، وبالتالي رأينا الاستعمار الانجليزي يبسط نفوذه فى دول عديدة بإفريقيا وآسيا، ورأينا الاستعمار الفرنسى يبسط نفوذه على كثير من الدول الإفريقية (وهي التي تعرف حالياً بدول الفرانكوفون ).
ولقد تحددت مهام القوات الاستعمارية - بعد قيامها بالاستعمار العسكري - في تنصيب شركات كبيرة تابعة لجنسياتها وعهدت إليها بالعمل داخل الدول المستعمرة، بدعوى توعيتها وتبصيرها في كيفية إقامة دولة وكيان دولي،
والحقيقة كانت على عكس ذلك، حيث كان التخطيط الاستعماري يهدف إلى إستغلال ثروات هذه الدول وإبقاء شعوبها تحت حد الفقر مثلما كانوا قبل دخول الاستعمار،
وذلك بوسائل عديدة منها التعليم الموجه لتحسين التعامل معهم واعتناق مبادئهم وإبعادهم عن الحس الوطني والقومي وعدم المطالبة بالحقوق المشروعة لهم إلا في حدود ضيقة وبنسب تقل أضعافا عن فحواها وعن قيمتها الحقيقية، ولعل هذه المباديء مازالت سارية
حيث تقوم الدول المتقدمة بتطبيقها على الدول النامية في أشكال أخرى، وهو ما نشاهده حاليا في مفاوضات منظمة التجارة العالمية ومفاوضات البيئة ومفاوضات الأرض والعلاقات الدولية النقدية والاقتصادية بين الدول المتقدمة والنامية.
وعندما انتهى عهد الاستعمال العسكري حيث قامت القوى الوطنية الواعية لدى شعوب الدول النامية بمقاومته، وبعد أن شعر هذا الاستعمار أن تكاليف بقائه في هذه الدول واستغلال ثرواتها أصبح باهظاً ويأخذ منه كثيراً في الأرواح والأموال، تمت اجتماعات ومؤتمرات بين الدول المستعمِرَة والدول المستَعمَرَة انتهت إلى خروج الدول المستعمِرة،
ثم ظهرت تنظيمات دولية داخل الدول المتقدمة تطالب بتغيير الاستراتيجية الدولية التي سبق وضعها في الماضي وبشرط ألا تنتقص من مستوى شعوب الدول المتقدمة بينما تؤدي إلى رفع شأن الدول النامية في حدود ضيقة وبشكل يجعلها تستمر كأسواق لمنتجات الدول المتقدمة دون أن تأخذ حقها في التبادل التجاري والخدمي والإنساني.
ومن هنا كان من الضروري البحث عن آليات مختلفة لتنفيذ مخططات الاسترايتجية الدولية الجديدة التي ترسمها الدول المتقدمة، آليات تبتعد عن أي خسائر بشرية أو مادية لها وتعمل على تحقيق نفس الأهداف المرسومة منذ أوائل القرن الماضي، فلا تنتقص من ثرائها ولا من ثرواتها ولا حتى من نفوذها، استراتيجية جديدة تقودها الحكومات المعنية
وتشرف عليها المنظمات الدولية الاقتصادية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التمويل الدولية ومنظمة التنمية الدولية ومنظمة التجارة العالمية الحرة، كما يتابع تنفيذها شعوب الدول المتقدمة بعد أن وصلت هذه الشعوب إلى درجة فائقة من العلم
ومن الكفاءة التي وفرتها لهم حكوماتهم منذ نهاية القرن الثامن عشر وقيام عصر التصنيع، وقد تمثلت هذه الآليات في الشركات المتعددة الجنسية التي تنتشر في جميع أنحاء العالم مركزة على الدول النامية في قارات آسيا وافريقيا وأميركا الجنوبية.
وتحاول الشركات المتعددة الجنسية حاليا وعلى نطاق واسع تحقيق نفس الأهداف التي كان يحاولها الاستعمار العسكري قبل خروجه، وقد وصل الحال إلى اعتبار هذه الشركات أدوات اقتصادية ضرورية للإبقاء على الأوضاع الاقتصادية السائدة في بعض الدول، لأن خروجها يؤدي إلى إنهيار إقتصادي وبطالة واسعة بل وافقار لجزء كبير من أبناء شعوب الدول النامية،
وبالتالي أصبحت هذه الشركات مطلوبة جداً في هذه الدول، بل ان بعضها أصبح يتحكم في السياسات الاقتصادية وربما الأنظمة السياسية وإصدار القوانين والقرارات الإقتصادية الصادرة في هذه الدول، كما أصبح من الصعب على بعض هذه الدول الوقوف على آليات هذه الشركات والأغراض الحقيقية التي تهدف إليها.
وأتصور أن هذه الشركات المتعددة الجنسية التي تزيد على سبعين ألف شركة في الدول العربية وحدها والتي تنفق مبالغ طائلة على أعمال البحث والتطوير العلمي للمنتجات التي تقوم بإنتاجها بالإضافة إلى الأبحاث الضخمة التي تقوم بها في مجالات التمويل والتصنيع والتجارة، أتصور أن مهامها الرئيسية تتمثل فيما يلي :
1- القيام بأعمال بديلة الشركات الكبيرة العاملة في الدول الرأسمالية بالنسبة للتجارة والتصنيع والتسويق والتمويل، مستهدفة من ذلك أعلى معدلات ربحية ممكنة تقوم بتحويلها إلى مراكزها الرئيسية في الخارج وبعيداً عن أهداف التنمية الاقتصادية في الدول النامية، وهو ما ينافس الشركات الوطنية ويقضي على بعضها.
2- محاولة منع مواطني الدول التي تعمل بها من الوقوف فنياً على أسرار البضاعة التي تقوم هذه الشركات بإنتاجها في مراحلها المختلفة، حتى لا تقوم فئات وطنية فتنشئ النشاط نفسه الذي تقوم به الشركات المتعددة الجنسية وبالتالي يمكن التفكير في الاستغناء عنها على مراحل أو التخلص منها تدريجياً.
3- إقامة علاقات كبيرة ومصلحية مع القيادات السياسية والاقتصادية في الدول التى تعمل بها حتى لا يصدر قانون أو قرار في غير صالحها، دون الإفصاح عن ذلك، خاصة وأن أغلب شعوب هذه الدول مازالت دون الحد في الوعي الفني والإداري في صياغة القوانين والقرارات ووضع السياسات لصالحها.
4- إدخال التكنولوجيا الفنية التي تؤدي إلى الاستغناء التدريجي عن العمالة وبالتالي زيادة عدد العاطلين الذين يهددون الأوضاع الاقتصادية في الدول النامية كما يسببون اضطرابات الأنظمة السياسية، خاصة التي تكون في علاقات غير سوية مع سلطات الدول المتقدمة.
5- المساهمة في الإصلاح الاقتصادي والتعليمي طالما لايؤدي إلى بث الوعي القومي ويخلق مشاكل عنصرية ودينية وفئوية بين العمال وأصحاب الأعمال، وبين الفقراء والأغنياء، وبين الحكومات والشعوب خاصة في مجال الإصلاح الديموقراطي والسياسي التي تطالب به بعض الدول المتقدمة !
6- الإبقاء على الفجوة الكبيرة في دخول المواطنين وعدم تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تطالب بها الشعوب النامية والعمل على انتاج واستيراد السلع الاستفزازية التي يشعر أمامها أغلب السكان بعدم مقدرتهم وعجزهم عن شرائها مما يخلق مشاكل اجتماعية متعددة.
7- تدعيم سياسة الدول المتقدمة التي تقضي بعدم تحسين اقتصاديات الدول النامية على حساب الدول المتقدمة بمعنى أن يظل التبادل التجاري والخدمي والعمالي في غير صالح الدول النامية وأن تكون المساهمة في التنمية الاقتصادية في الدول النامية بقدر ما يتطلبه فقط استفادة الدول المتقدمة.
8- تطبيق الوسائل الضرورية لاستمرار بعض الأنظمة الحاكمة في الدول النامية على تطبيق الديموقراطية المزيفة التي تعمل على إعطاء الشعوب حرية الكلام والمعارضة السياسية والاقتصادية من واقع مجالس نيابية شكلية لا تقوى على فرض قوانين أو قرارات اقتصادية لصالح الشعوب والعاملين المدنيين بها، وهو ما يعطي الفرص المريحة لأعمال الشركات الكبيرة المتعددة الجنسية.
9- كانت أغلب الشعوب الافريقية والآسيوية دائما تعيش على فطرتها وتطبيق القوانين الطبيعية في بداية القرن التاسع عشر، فإن خروجها إلى الحياة المادية على أيدي المستعمرين في ذلك الوقت خلق الأمراض الاجتماعية التي مازالت تعيش حتى الآن ومنها النفاق والشقاق والصدام والعنصرية السياسية والدينية والقبلية والبيروقراطية والصراع الطبقي وغيرها من تلك التي قدمها الاستعمال للشركات المتعددة الجنسية لتعمل على استمرارها.
10- وفي مجال لوائح العمل فإن الشركات المتعددة الجنسية تعمل على التفرقة الواضحة بين العاملين لديها والعاملين في القطاع الخاص خارجها بما يؤدي إليه ذلك من خلافات جوهرية في الأجور والمرتبات والمزايا الأخرى وليس ذلك لغرض اصلاح الانتاجية والأداء ولكن لغرض خلق قلاقل واضطرابات وصلت في بعض الدول إلى مظاهرات واضطرابات سياسية.
أقول إن الأساليب الملتوية التي تطبقها الشركات المتعددة الجنسية للإضرار باقتصاديات الدول النامية تنفيذا لسياسة الدول المتقدمة، هذه الأساليب تشمل الاعتماد على التكنولوجيا التي تؤدي إلى زيادة البطالة وفقد فرص العمل، حيث تقوم هذه الشركات بإدخال أساليب تكنولوجية مصممة أصلا للسوق الرأسمالية
وهو ما يحرم الدول المضيفة من اختيار التكنولوجيا الملائمة لها بسبب افتقارها لتصنيع أدوات الإنتاج. كما ان سياسات الخصخصة وإعادة الهيكلة التي عادة تتزامن مع دخول هذه الشركات للدولة المضيفة مما يؤدى إلى تحطيم صناعات قائمة وضياع فرص عمل وتهديد القطاع العام ومنافسة الشركات المحلية عن طريق منح العاملين مستوى كبير من الأجور على الرغم من أن ذلك يتعدى إمكانياتها
مما يؤدى إلى رفع أسعار منتجاتها وإضعاف قدرتها على المنافسة فى الأسواق الخارجية مع تغيير التركيبة الاجتماعية للمواطنين، وبالتالي فإن سياسات الأجور التى تطبقها الشركات المتعددة الجنسية تؤدى إلى تحطيم اقتصادي - إن كان لا يصيب هذه الشركات فهو يصيب القطاعين العام والخاص وشريحة واسعة من المواطنين.
لذلك فمن المناسب لمجلس التعاون الخليجي أن يبادر بدراسة هذه الظاهرة التي ستظهر آثارها السلبية على السكان في كل دول الخليج وذلك في المستقبل القريب، كما ستضر القطاع الخاص الذي تحاول الحكومات الخليجية تشجيعه على القيام بدور بناء في تنويع الاقتصاديات الخليجية
وبناء وحدة اقتصادية خليجية أدواتها ستكون إن شاء الله السوق الخليجية المشتركة المقترح قيامها عام 2007 وإنجاح العملة الخليجية الموحدة المقترح انشائها عام 2010 مع بناء قوى للاقتصاديات الخليجية يقود شعوبها إلى مستويات التقدم الاقتصادي المنشود.
واقترح في هذا الشأن أن يتم تشكيل مجموعة عمل وباحثين من خبراء خليجيين في الاقتصاد والتجارة والنقد، يقومون بدراسة إنشاء شركات خليجية متعددة الجنسية وفي كل الفروع والأنشطة التي تقوم بها الشركات الأجنبية المتعددة الجنسية التي يتعين تحجيم نشاطها على خطوات هادئة وبوعي،
مع الاستعانة ببعض الخبراء الذين يعملون بها، وهو ما يمكن أن يعمل على تقويض الأهداف التي تسعى إليها هذه الشركات ومحاربة الاستراتيجية الدولية التي تعمل على وقف التنمية والتقدم لشعوب الدول النامية وتطبيق شعار «السادة والعبيد».
مستشار وكاتب اقتصادي مصري