تعطينا الجهود التي تبذلها دول مجلس التعاون الخليجي من أجل توحيد عملتها فرصة جديدة لإعادة التأكيد على أهمية التنظيم والتنسيق المشتركين لأسواق العمل الخليجية، كون هذا العمل من شأنه أن يسهم في عملية توحيد العملة.

لقد دخلت دول المجلس منذ أوائل عقد السبعينيات في مرحلة التطور الاقتصادي والتنموي، وانجاز تجهيزات البنية الأساسية، مما استدعى جلب عدد كبير من العمالة الوافدة لسد النقص في العمالة الوطنية، حيث ساعدت هذه العمالة في تلك الفترة على انجاز ما هدفت إليه التنمية الشاملة دون أن تشكل عبئا اقتصاديا أو اجتماعيا، إلا أن اختلاف هذه المرحلة عن الماضي،

وانطلاقا من النمو السكاني الطبيعي المتزايد، ودخول المزيد من المواطنين المؤهلين لسوق العمل، لما تمثله من أعباء مالية، وأمنية، واجتماعية، دفعت دول المجلس لايلاء هذا الموضوع الأهمية، من اجل تحقيق التوازن السكاني، والحد من العمالة الوافدة تدريجيا بروح واقعية متأنية.

وكانت آخر الإحصائيات الخليجية الصادرة قد قدرت إجمالي عدد الوافدين في دول المجلس بما يربو على 11 مليون وافد تشكل اعداد القوى العاملة فيها ما يزيد عن 8 ملايين وافد، فيما بلغ اجمالي تحويلات هذه العمالة حوالي 30 مليار دولار.

في الوقت نفسه تشير بعص الاحصائيات إلى أنه من المتوقع بحلول عام 2010 أن يكون هناك في دول مجلس التعاون خمسة ملايين وثلاثمئة ألف مواطن ومواطنة تتراوح أعمارهم ما بين السادسة عشرة والخامسة والثلاثين قادرين على مزاولة العمل. ولمواجهة هذه المشكلة، فأنه لا بد من التوصل إلى إطار موحد للتعامل مع هذه الإشكالية.

لذلك لا بد أن يتزامن مع جهود توظيف العمالة الوطنية بدول المجلس فتح الحدود امام تنقلها بين هذه الدول وتحيد أسواق العمل الخليجية. فلا شك ان هذا الموضوع يعتبر كما قلنا في بداية الموضوع من العوامل الحيوية لتعزيز التكامل الاقتصادي الخليجي بما في ذلك توحيد العملة الخليجية.

ان دول المجلس يجب ان توسع جهودها لتوظيف الأيدي العاملة الوطنية وذلك من خلال تحسين ورفع كفاءة ظروف وآليات العمل بكافة القطاعات الاقتصادية وخاصة الإنتاجية والحرفية التي تستوعب أيدي عاملة اكبر.

وفي هذا الإطار تبرز أهمية توفير حوافز مادية ومعنوية لتشجيع المواطنين على شغل وظائف القطاع الخاص كذلك ضرورة العمل على توطين الوظائف والمهن بصورة تدريجية مع التأكد من أهمية هذا الأمر إضافة إلى تطوير مناهج التعليم والتدريب لتتوافق مع متطلبات سوق العمل واشتراك أصحاب العمل في عملية التطوير.

أما فيما يخص تشجيع تنقل الأيدي العاملة الوطنية بين أسواق العمل الخليجية، فأننا نود التأكيد هنا على عامل محوري اخر وهو ما يكشف عمق العلاقة ما بين إيجاد فرص عمل للمواطنين في دول المجلس وضرورة فتح أسواق عمل هذه الدول أمام مواطني الدولة العضو.

وهذا العامل يتمثل في الإشارة المتكررة من قبل أصحاب الأعمال في القطاع الخاص إلى نقص وجود الأيدي العاملة الوطنية التي تمتلك المؤهلات المطلوبة، سواء الفنية أو الأكاديمية، لتحل محل الأيدي العاملة الأجنبية.

وللموضوعية فان هذه الإشارة تملك أساس من الصحة في أحيانا عديدة، وليس جميع الأحيان إلا أن الحكم فيما إذا كانت هذه الأحيان تمثل أقلية الحالات أو أغلبيتها سوف يعتمد بصورة كبيرة على ما إذا كانت نظرتنا إلى أسواق العمل الخليجية هي نظرة مجزأة، أي تنظر الى هذه الأسواق لكونها منفصلة وقائمة بذاتها او متكاملة وواحدة.

وغنى عن التنويه أخيرا إلى ما سوف يحققه توحيد أسواق العمل بدول المجلس من مزايا اجتماعية واقتصادية استراتيجيه وحاسمة بالنسبة لمستقبل التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، خصوصا على صعيد إنجاح برامج تنويع القاعدة الاقتصادية.

فهذه البرامج تتعرض لفقدان الكثير من فاعليتها كون جزء مهم من القيمة المضافة المتولدة عن الأجور الإضافية التي تنفق على فرص العمل التي توفرها الأنشطة الاقتصادية الجديدة تتسرب خارج بلدان دول المجلس عن طريق الأيدي العاملة الأجنبية،

وبالتالي وجود تسرب مهم في دورة التشغيل والاستثمار على مستوى الاقتصادات الكلية بدول المجلس. وبالتالي فان اتساع رقعة تشغيل الأيدي العاملة الوطنية يعنى اتساع رقعة الاستفادة من القيمة المضافة المتولدة من الأجور والنفقات على الأيدي العاملة بدول المجلس ككل.

كما أن تحركات القوى العاملة الوطنية خليجيا يمكن النظر إليها من بعد اقتصادي كلي أكثر منه بعدا متعلقا بالتشغيل في أسواق العمل الخليجية حيث إنها آلية لامتصاص الصدمات وتحسين مرونة أسواق العمل كمتطلبات للاتحاد النقدي أيضا

وذلك نظرا لأنه من غير المنظور أن تشكل حالة التشغيل الخليجي - الخليجي الحل الرئيسي الكلي لمسألة التوطين ولكن فتح أسواق العمل الخليجية مع بعضها للقوى العاملة الوطنية يمكن اعتباره احد اهم متطلبات مرونة اسواق العمل والتي بدورها تشكل اهم متطلبات نجاح العملة الموحدة.

ونظرا للصعوبة الراهنة في حرية حركة عوامل الانتاج بين دول التعاون كآلية بديلة لسعر الصرف بعد قيام الاتحاد النقدي لاسباب متعلقة بالتنظيم والعوامل المؤسسية غير المتشابهة والتي من بينها نظم الضمان التي تعقد إلى حد كبير تحركات القوى العاملة الوطنية خليجيا،

فانه بات من الضروري الأسراع في مراجعة تنظيمات أسواق العمل الخليجية. كما أنه بالنظر لغياب المرونة في الأسعار والأجور بدول التعاون في حالة الصدمات النفطية التي يمكن أن تحدث من وقت لآخر،

حيث أن الإنفاق الحكومي هو الذي يشكل عامل الاستقرار الرئيسي للنشاط الاقتصادي والواقي الأساسي للصدمات وليس الأسعار أو الأجور، فان ذلك يعني أن الأسعار والأجور والإنفاق الحكومي بعد قيام الاتحاد لا يمكن ان تصنف كآليات بديلة لسعر الصرف.

ومن هنا تبرز مجددا أهمية اللجوء إلى بدائل عملية لجعل هذه الآليات آليات بديلة لسعر الصرف بدلا عن تجاهلها وهي تعزيز حرية حركة عوامل الإنتاج عن طريق الإجراءات الخاصة بالتعديلات في القوانين والمؤسسات التي من شأنها التأكيد على مرونة الأسواق وزيادة أعداد القوى العاملة الوطنية التي تنتقل للعمل فيما بين دول مجلس التعاون.

ونخلص من هذا إلى إعادة المطالبة بضرورة الإسراع في تنفيذ قرارات المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون والعمل على اتخاذ الإجراءات التنفيذية لهذه القرارات ومن بينها إزالة المعوقات أمام حرية التنقل والعمل

ومن ضمنها استثناء مواطني دول المجلس من كافة القيود والإجراءات المقررة على استخدام غير المواطنين وبصفة خاصة استثنائهم من نظام تصاريح العمل واتخاذ كافة الإجراءات لتسهيل توظيفهم وفقا للحاجة المتوافرة والعمل على استفادتهم من نظم التأمينات الاجتماعية عن تنقلهم للعمل في دولة أخرى من دول المجلس.

كما يتطلب الأمر توحيد وتقريب نظم وتشريعات العمل والتأمينات الاجتماعية في دول مجلس التعاون، كذلك توحدي عقود العمل والإسراع بتفعيل مركز المعلومات الخليجي وتبادل معلومات سوق العمل ورصد متغيراته.