استهلكت أفلام الأكشن على كثرتها ووفرتها نفسها ومشاهديها على حد سواء، ويكاد التشابه فيما بينها يصل حد التطابق، في تصاميم لقطات الحركة، والسرعة، والانفجارات، إضافة إلى تركيب السيناريوهات والشخصيات الشريرة والخيرة، فالشرير يريد ان يحكم العالم ويخضعه لإرادته، والخير بالطبع يريد إنقاذ العالم تاركاً الحكم للسلطات «الديمقراطية».
هذا يعاكس ما نراه في العالم الواقعي، إذ إن سلطات ديمقراطية كثيرة لا تلعب دوراً خيراً كما هو مفترض. بل تدعم دولاً تمارس الشر تارة، كما يحدث على أرض فلسطين مثلا، أو تمارسه بنفسها تارة أخرى.
والسينما بهذا المعنى وتحديداً انتاجات الأكشن الهوليودية تقوم بدور تضليلي، ومعاكس للحقيقة، متحولة إلى أداة بيد «الأشرار» لتجميل وجوههم وتوجيه الأنظار إلى المكان الخاطئ والجهة الخاطئة على أقل تقدير.
«ميشن امباسبول» في جزئه الثالث لا يبتعد عن هذه النمطية في كل مستوياته المعنوية والتقنية والفنية. حكاية مكررة؛ العصابة تخطف زوجة البطل في سبيل ابتزازه وإخضاعه لمتطلباتهم. لكنه بالطبع يخدعهم وينتصر عليهم، ويمهد في النهاية لإنتاج الجزء الرابع من الشريط، وسيكون على الأرجح ذات صلة مباشرة بدائرة صنع القرار الأميركي في البيت الأبيض.
أخرج هذا الجزء من «ميشن امباسبول» ج.ج ابرامز المخرج التلفزيوني الذي بدا عديم الخبرة في التصوير السينمائي، من حيث صناعة الكادرات واللقطات، التي بدت جميعها عادية ومشغولة في أفلام كثيرة سابقاً، ولم يساعده السيناريو الضعيف في استنباط فنيات ترفع من مستوى الشريط عامة.
فالطيران بالمروحيات بين طواحين الهواء في العاصمة الألمانية برلين جاء مرتبكا، فبدل التصوير في الفضاء الدقيق في هكذا موقع، فضل المخرج التصوير داخل المروحية التي تقل الأبطال، بعد عملية ناجحة نفذوها لإنقاذ زميلة لهم في العمل، التي تموت جراء وضع عبوة ناسفة لها في رأسها.
ولا تلبث الأحداث أن تتطور عبر تلقي رسالة قديمة للمقتولة إلى رئيس فريق مهمة مستحيلة «توم كروز» تفيده بأن أحد ضباط المخابرات الأميركية يزود العصابة بمعلومات قيمة ويتعاون معهم. لكن الشكوك تتجه نحو أحد الضباط السود إلى أن نكتشف أنه ضابط أبيض برتبة مسؤول أعلى عن الفريق.
موسيقى فيلم «ميشن امباسبول» أفضل ما فيه، قدمها لالو ثيفرين وما يكل غاثينو، وهي إلى حد ما أيضا تتشابه مع مسلسل بوليسي أميركي عرض على الشاشة الصغيرة في منتصف سبعينات القرن الماضي.
ولاقى نجاحاً كبيراً، تحت عنوان «هواي فايف أوي» وعلى هذا النحو جاءت مواقع التصوير المختلفة بين مدن عالمية من برلين إلى مقر دولة «الفاتيكان» في روما، إلى شنغهاي في الصين، تساعد على تخفيف حدة الرتابة والتكرار.
والعمل إذا ما قيس بالجزءين الأوليين يعتبر الأضعف. فالجزء الأول أخرجه بريان دي بالما صاحب الخبرة الكبيرة في صناعة كوادر ممتلئة وناضجة.
مسيرة توم كروز
منذ بداية ثمانينات القرن الماضي برز توم كروز كممثل شاب يعد بالكثير. فتدرج مع مخرجين كبار أمثال: أوليفر ستون في «بورن أون ذا فيرث أوف جولاي» في شخصية رون كوفيك المجند الأميركي الذي يصاب بالشلل خلال حرب فيتنام.
ويقود حملة واسعة في بلاده لإيقافها. وأبهر الجمهور بمواجهة الممثل داستن هوفمان في شريط «رين مان» من إخراج باري ليفنستون، ولم يكن أقل في عمله مع كبير سينمائيي العالم ستانلي كوبريك في «ايز وايد شات» بجانب نيكول كيدمان زوجته السابقة، الذي قدم معها أيضا الفيلم الجيد «فار آند أو أي» من إخراج رون هوارد.
لكن كل هذه النجاحات لم تثنه عن تجربة سلسلة «ميشن امباسبول» لأسباب ربحية سر نجاحها على شباك التذاكر بنجوميته فقط. فأن يكون الممثل شريكا أساسياً في الإنتاج وعائداته، يعني أن عشرات الملايين ستتكدس في حسابه المصرفي الخاص، الذي يخلفه من اثريا العالم لكنه لا يزيد من قيمته كفنان، إذا لم ينقص منها شيئا.
وقد يكون كروز قد شعر بضعف الجزء الثالث من السلسلة المذكورة، فقام خلال الأسبوعين الماضيين بحملة ترويجية إعلانية في مدن أميركية كثيرة بدأها من مدينة نيويورك، وتلاها بعرض لقاءات ومقابلات صحافية في كل وسائل الأعلام المرئية، والمكتوبة. لكنها لم تنفع ولم ترفع من حجم مداخيل الفيلم، الذي توقع له بعض النقاد أرقاماً خيالية في الأسبوعين الأولين لعرضه.
«ميشن امباسبول» لا يتجاوز بمستوياته جميعها مرتبة متوسطة برأي محبي أفلام الاكشن، واكثر أراء النقاد فيه جاءت مخيبة لامنيات كروز.
تبقى الإشارة إلى اداء الممثل فيليب سيمور هوفمان الحائز على أوسكار أفضل ممثل للعام الحالي عن دوره في فيلم «كابوت» الذي ساهم بتأدية الشخصية الشريرة بإتقان بارز، لم يفلح في إنقاذ العمل من مطباته الكثيرة.
يعرض الفيلم في الصالات المحلية منذ مطلع الأسبوع .
حسين قطايا
