«بنات وسط البلد»، حكاية اجتماعية عن فتاتين شابتين تعملان في ظروف قاسية في مدينة القاهرة، المكتظة بالسكان وبأحلام الفقراء وجشع التجار والخ.. من تفاصيل تنسج علاقة صداقة بين هاتين الفتاتين ضمن ايقاع الحياة اليومية في مدينة كبيرة مثل مدينة القاهرة.
كتبت قصة الفيلم المخرجة السينمائية وسام سليمان صاحبة فيلم «أحلى الأوقات»، وأعد له السيناريو وقام بالاخراج العتيق اللامع محمد خان، صاحب التجربة المضيئة في تاريخ السينما المصرية والعربية، خصوصاً في مرحلة الثمانينات من القرن المنصرم.
فقدم على التوالي: «موعد على العشاء»، «أحلام هند وكاميليا»، «سوبر ماركت»، «طائر على الطريق»، «الحريف»، «زوجة رجل مهم»، وغيرها من الأعمال التي أعد لها السيناريو، أو شارك في صنعها، حتى غدا من الأسماء المؤكدة في صناعة السينما العربية، من عدة نواح، فهو يهتم بمستويات كثيرة في اعماله.
بأسلوب يعتمد على التوازي في سرد الحكاية المركزية للشريط إلى جانب عدة حكايا صغيرة متفرقة ترتبط مع السرد الأساسي بخيط خفي ولا يلبث، أن ينضم مشدودا إليه بقوة، اللغة البصرية التي تشترك مع لغة الكلام في تنامي عناصر الدراما، التي تندمج في ما بينها دفعة واحدة .
حين يصل العمل إلى ذروة مخطط لها بدقة، عبر الإشارات والرموز الكثيرة، المحتشدة بكثرة في كل اللقطات التي يركز عليها محمد خان، ويصر على صناعتها أمام المشاهد.
وهذه ميزة أساسية في سينما خان الذي يؤلف كادراته أمام الرائي بالكامل. يؤلف المكان واشاراته ثم يضع شخوصه داخل الزمان والحركة، محافظاً على توازن لوني للصورة وتوازن بين الجامد والمتحرك في علاقة جدلية مركبة بين الظاهر والجواني، وبين القول والصمت.
بهذا المعنى نجح محمد خان في مجمل أعماله السابقة بتقديم سينما واقعية فجة،وتحمل أبعاداً تعبيرية هائلة. إضافة إلى حركة الكاميرا المرنة التي تتسلق الجدران وتدخل إلى الحواري الضيقة بانسيابية لا نشاهدها كثيراً في أعمال السينما العربية.
كل هذه التجربة لم تدفع محمد خان إلى التريث في اخراج عمله الجديد «بنات وسط البلد». فخضع إلى الحاح مطالب السوق التجاري، الذي يضع شروطاً انتاجية عنوانها الأول أن يكون الفيلم ذات طابع «شبابي» واستخدام اسم «شبابي» هنا يخفي خلفه معنى آخر، أي انه مصطلح يشي بضدية لمعنى الاسم.
فإذا كان من المفترض ان تكون كلمة «شابي» تشير إلى معنى راق يتألف من خلاله النشاط العقلي للشباب، فهو هنا يعني «التسطيح» و«الخواء» ليس أكثر.
فقصة «بنات وسط البلد» غير انها عادية، تتسم بالسطحية. وكذلك الشخصيات، خفيفة، برانية، لا تحمل معاني، لا ترتكز إلى سياق درامي، تتمركز حولها سردية الفيلم مع انها هامشية وليست محورية على الاطلاق، تتحرك بايقاع بطيء في ظل حركة قطارات الانفاق السريعة.
وكذلك الاحداث ايضا تتنامى ببطئ شديد ثم تتطور في آخر ثلاث دقائق من الفيلم عنوة ودفعة واحدة فتتزوج احدى الفتاتين وتتحول الأخرى إلى مضيفة طيران بقدرة المخرج الذي استسهل جدا في كل مستويات عمله.
ما عدا لقطات قليلة لم تكف لأن تنقذ محمد خان من ورطة عمل فاشل إلى حد أنه لن يعجب المشاهد «الشبابي» أو المشاهد المتابع والمهتم بالسينما كفن ابداعي كان ومازال محمد خان من رواده الكبار، بغض النظر عن سقطة «بنات وسط البلد»، الذي أكدت فيه منة شلبي وهند صبري قدراتهما على الأداء المميز. يعرض الفيلم في الصالات المحلية منذ مطلع الأسبوع.
حسين قطايا