لم يمنع دفء الطقس في دبي هذه الأيام من توافد نخبة الأعمال الفنية إلى ربوعها، للقاء هذا التنوُّع الكوني الذي تضمّه هذه الإمارة المثيرة للجدل، بمداها المتسع على الدوام أفكاراً ومشاريع، والمنفتح على حضارات الشعوب الأخرى وفنونها وثقافاتها.

من العاصمة الروسية الباردة التي تفصلها عن حرارة دبي آلاف الأميال، طارت فرقة «شركة موسكو للباليه» ومعها أوركسترا موسكو السيمفونية، لتحط و«بحيرة البجع» على ضفاف بحيرة مدينة دبي للإعلام الليلتين الماضيتين، وتنتقل بعدها إلى «قصر الإمارات» في أبوظبي، وتقدم هناك عرضين في العاشر والحادي عشر من الشهر الجاري.

جلس الناس الليلة الماضية والتي سبقتها، في الهواء الطلق، على مدرج مدينة دبي للإعلام الذي اتسع لنحو ألفي شخص. وخلافاً للمعتاد في مثل هذه الأيام من كل سنة، فإن الحرارة والرطوبة كانتا على قدر الاحتمال، بينما تكفَّلت بعض النسمات من حين إلى آخر بتلطيف الأجواء،.

وساعدها في ذلك طبعاً العرض البديع لباليه «بحيرة البجع» الشهير الذي طاف أرجاء المعمورة، ناقلاً الإبداع الموسيقي لبيتر تشايكوفسكي والأداء التمثيلي الراقي لفناني البولشوي وغيرهم من الفرق المسرحية في روسيا إلى العالم.

أمام المسرح، اتخذ عازفو فرقة أوركسترا موسكو السيمفونية بقيادة إدوارد جولبيس أماكنهم، فتوسطوا المشهد بين الجمهور المنتشر على المدرج وخشبة المسرح، حيث دارت أحداث العرض الكلاسيكي الفريد من نوعه.

وعلى مدى ساعتين تخللتهما استراحة، قدّم أربعون راقصاً وراقصة اختارتهم «شركة موسكو للباليه» من فرقة ستانيسلافسكي، هذا العرض بلغة الجسد، حيث رسموا لوحات حقيقية رائعة على أنغام موسيقى تشايكوفسكي.

وتناغمت حركات الراقصات مع الموسيقى بشكل جعلهن جسداً واحداً، بينما ارتسمت خطوات اقدامهن بخفة على خشبة المسرح حتى كدنا نحسبها ظلالاً.

وتألق المؤدون المنفردون ناتاليا لازيبينيكوفا التي لعبت دوري (أوديت وأوديليا) وأندريه غورا (الأمير) وفياتيسلاف بيسمان (جيستر)، وفاسيلي كولبوكوف (مدرِّس الأمير)، ومعهم كوكبة من الراقصات المحترفات (اللواتي فزن بمسابقات عالمية في بلغاريا وموسكو وفرنسا واليابان وسويسرا)، وقدّم هؤلاء عرضاً ممتعاً على خشبة مسرح اتخذ شكلاً تراثياً، ظهرت فيه الزخرفة والرسومات التاريخية، فضلاً عن الهيكل الرئيسي الذي أنشئ على شكل قلعة أو حصن.

وتناول باليه «بحيرة البجع» في لوحاته التمثيلية الراقصة قصة حب بين «ملكة البجع» (أوديت) التي تلعب دورها ناتاليا لازيبينيكوفا، والأمير الشاب (سيغفريد) الذي يجسِّد دوره أندريه غورا. تبدأ الحكاية عندما يقوم الساحر فون روذبارت بتحويل «أوديت» إلى بجعة، وتنتظر «أوديت» حباً حقيقياً لإبطال مفعول هذه التعويذة.

بينما كان الأمير سيغفريد يعيش في أسر جمالها وفتنتها، ويزداد حبه لها يوماً بعد يوم لكن الساحر فون روذبارت يواصل شروره فيخدع الأمير سيغفريد خلال حفل عيد ميلاده الحادي والعشرين.

ويدفعه لإعلان حبه لـ «أوديليا» الشبيهة الشريرة لـ «أوديت» وعندما يدرك الأمير سيغفريد الخدعة التي وقع ضحيتها، يهرع إلى البحيرة بحثاً عن ملكة البجع «أوديت» ويحرِّرها من عذاباتها، ويكشف لها حبّه الحقيقي.

خلال هذا العرض البديع لباليه «بحيرة البجع»، شاهدنا أداءً ساحراً لكل من ناتاليا لازيبينوكوفا في دوريها «أوديت وأوديليا» وأندريه غورا (الأمير سيغفريد) ويمتلك هذان الفنانان سجلاً حافلاً من الإنجازات وهما من أبرز المؤدين المنفردين في مسرح ستانيسلافسكي، كما تميَّزا مع فرقة كييف الوطنية للباليه.

خلال الليلتين الماضيتين، شاهدنا تحليقاً لطيور بيضاء وملوَّنة، مرة كانت من البجع، وأخرى كانت مثل فراشات تتهادى بخفَّة ورشاقة لترسم حكاية حبٍّ خالدة.

دبي ـ اسماعيل حيدر