إلى حدّ علمي، نادراً ما تحدّث المعالجون بالألوان أنفسهم عن المشاكل الفلسفيّة المتواجدة بطبيعتها في نوعيّة اللون المتعالية. غير أنّ التلميح القويّ عن صلة متعالية بالأرض، ناهيك عن صلة محتملة بمسألة اللون، فُصِّلَ في فصلين من الكتيّب «الذهن والمادّة» (MIND AND MATTER) ل«أرفين شرودينغر» (ERWIN SHRODINGER).

فعالم الفيزياء هذا الذي اكتشف المعادلة الموجيّة الماديّة للميكانيك الكميّة، لديه الكثير الكثير ليعلّمنا إيّاه عن اللون ووجوده الحقيقيّ. وهو يشدّد على الحجّة التالية.

كلانا، أنا وأنت [كما يقول]، يرى اللون الأصفر. ولكن، بحسب وجهة النظر العلميّة السائدة، لا مجال لمعرفة ما إذا كانت التجربة الداخليّة التي تختبرها عندما ترى اللون الأصفر هي نفسها التجربة الداخليّة التي أختبرها عندما أرى الأصفر.

نعرف علة وجه التأكيد أنّ كلينا سيقول الكلمة «أصفر» عندما ننظر إلى عشبة الحوذان أو إلى نور من 900,5 آنغستروم. ولكنّ ذلك لا يطلعنا على شيء من التجربة الداخليّة التي نختبرها.

ويستمرّ «شرودينغر» ليقول إنّه على الرغم من أنّ وجهة النظر هذه متماسكة بحسب المنطق، غير أنّها تبدو تافهة بحسب البديهة. فبحسب البديهة، يرى أنّ التجربة الداخليّة للّون الأصفر، صفرته، شيء حقيقيّ. واستناداً إلى هذه البديهة لا إلى واقع مثبت، ووفق ما يقول،

فإنّه لم يتمكّن حتّى اليوم من إيجاد أيّ سبيل آخر ممكن لشرح ذلك إلاّ بأنّنا كلّنا نختبر الصفرة بالطريقة نفسها، وأنّ في العالم ذهناً واحداً ووحيداً يحدث فيه اللون الأصفر وأنّ ذهن كلّ فرد منّا يشكّل جزءاً من ذلك الذهن الواحد والوحيد، ولنا كلّنا، بطريقة ما، سبيل إلى الدخول إليه.

لطالما تركت مقالة «شرودينغر» أثراً عميقاً في نفسي. ولكن بدلاً من القول إنّنا كلّنا نتشارك الصفرة لأنّنا كلّنا جزء من ذهن واحد (كما يقترح)، أودّ أن أقوم باستنتاج أقلّ حكمةً بقليل إنّما هو «بديهيّ»،

أقترح بأن تقدّم لنا أفكاره تلميحاً واقعيّاً لوجود مملكة وحيدة للذهن تكمن في ما يتخطّى التجربة الطبيعيّة وما يتخطّى مفهومنا الميكانيكيّ الحاليّ للعالم: النور الباطنيّ.

فاللون ـ من بين غيره من الأشياء ـ يمكن أن يكون قادراً على التغلغل مباشرة إلى تلك المملكة ومن الأرجح أن يساعد اللون في إنشاء رابط مباشر بأرض تكون ـ مبدئيّا ـ نافذة إلى الإدراك العاديّ.

فاللون ملموس، يتمتّع بإغراء مباشر وهو مبنيّ على التجربة بشكل مرئيّ: فإن صنعت في مبنى نافذة بها عيب ولو بقليل، أكبر بكثير، أوسع بكثير وهلمّ جرًّا... فإنّك لا ترى العيب فيها كواقع لا يمكن نكرانه ـ لأنّك تحتاج إلى أن تكون إدراكاتك حادّة دقيقة قبل أن تشعر بالعيب فيها ـ فحساسيّة المكان من التغييرات الرقيقة في الحجم والتفصيل، وإن صحّت، لا يسهل استيعابها.

في مملكة اللون، ترسم خطًّا فيه عيب صغير: أكان في اللون أم في الموقع، فإنّه يسيء إلى الصورة كليّا. وإن غيّرت لون الخطّ تغييراً بسيطاً، فعدّلت بدرجة الظلّ أكثر من هنا وأقلّ من هناك، إذا بالكلّ يصبح متناسقاً منسجماً ـ بل يتغيّر التناسق تغييراً كبيراً،

وبالتالي فإنّ العلاقة بين تحقيق الكلّيّة والنور الباطنيّ والتفاصيل المختلفة، تلك العلاقة البالغة الرقّة والكثيرة الحساسيّة، تصبح واضحة من خلال التجربة.

فالمهمّة الأساسيّة إذاً ـ مهمّة خلق اتّصال مع الأنا ـ مهمّة خلق نور باطنيّ ـ حتّى يُدعى في مملكة البناء أيضاً نوراً، حياةً أو روحاً ـ تصبح عندئذ مرئيّة وعمليّة إنّما أيضاً صعبة جدًّا ولكن يمكن أحياناً تحقيقها.

ظنّي أنّ خبرتنا في اللون، إن أوليناها انتباهنا، تطلعنا بقوّة على أنّ شيئاً غير اعتياديّ يحصل عندما نرى ونختبر الحياة.أعتبر هذا الشعور بالوحدة غير المجزّأة، ذلك الذي نختبره أشدّ اختبار في اللون، كالتجربة الأولى المباشرة للأنا. أو لعلّه يجدر بي القول إنّ كون ذلك الشعور العميق والغامض لتجربتك للأصفر مختلفاً عن تجربتي هو ما يُقال عنه ويُشار إليه ب: الأنا.