كل شيء أُعدّ كما ينبغي، ليخرج الناس الليلة الماضية من قاعة «أرينا» في مدينة جميرا، والدهشة مرتسمة على وجوههم، تأثّراً وإعجاباً بالإبهار الذي قدّمه العرض الافتتاحي للمسرحية الغنائية العالمية «شيكاغو»، وهي أمسية ستتجدد يومياً وطبق الأصل على مدى الأيام العشرة المقبلة، في ثلاثة عشر عرضاً ستكون بمتناول عشاق هذا الفن الراقي.
حضور من نخبة الذوّاقة تجاوز عدده الألفي شخص وتقدمه عدد من كبار الشخصيات، توزّع على ثلاثة مطارح، وهي: المدرج الكبير الذي جرى إنشاؤه قبل أيام، وفقاً للمقاييس العالمية، و«البلكون» في جهتيه المتقابلتين المشرفتين على المسرح، والمساحة القريبة من خشبة العرض التي خصصت لحاملي بطاقات «VIP».
وقد ظهرت جليّاً الترتيبات الجيّدة التي صيغت على أساسها قاعة «أرينا»، بحيث شاهدناها في حلّة لم نعهدها من قبل، بديكوراتها وأكسسواراتها والإضاءة التي جرى تصميمها بشكل بارع، هذا طبعاً بالإضافة إلى تقنيات الصوت التي تم تنفيذها عبر اختصاصيين رافقوا فريق «شيكاغو» في رحلته من مسارح «برودواي» في نيويورك إلى دبي على شاطيء الخليج العربي.
عند الساعة التاسعة والنصف تماماً، انفتحت الستارة عن مسرح جرى تصميمه على شكل لوحة تشكيلية بإطار ذهبي، وأقيم في وسطه مربّع اتخذ إطاراً ذهبياً أيضاً، بينما توزّعت على جنباته «فوانيس» الإضاءة المنسّقة جيداً.
في المربّع وسط الخشبة، انتشر الموسيقيون ومعهم قائدهم فانسانت فانيويل، بينما بدأت الأحداث التي كانت محورها «روكسي هارت» التي تلعب شخصيتها ميشيل ديجان وهي تعمل راقصة في نادٍ ليلي.
وتسعى لتوسيع نشاطه، ومن أجل ذلك تقتل عشيقها، ثم تقنع زوجها بدفع مبلغ 5 آلاف دولار أميركي لتعيين أكثر محامي مدينة شيكاغو ذكاءً، وهذا المحامي ينجح في تحويل الجريمة إلى قضية رأي عام، ويحصل لاحقاً على حكم ببراءة موكلته «روكسي هارت».
ووسط إطار بديع من الاستعراض، حاولت المسرحية أن تجسّد مناخ المجتمع السائد في شيكاغو في العام 1920، حيث القتل والطمع والفساد والعنف والاستغلال والخيانة.
ومن خلال القصائد الغنائية والسيناريو والموسيقى وهي العناصر الرئيسية لأي مسرحية غنائية، اعتمدت شيكاغو على التقنيات الهزلية لتعرض على المشاهدين قصة عن القتل وما يدور خلف الكواليس في وسائل الإعلام.
ومثلما هو حال المسرحيات الغنائية على مدى السنوات الماضية، التي بدأت بأعمال تشبه كثيراً الأعمال الأوبرالية، فإن «شيكاغو» لم تهتم كثيراً بالحبكة الفنية، وركّزت في المقام الأول على نجومية الأبطال واستعراضات الرقص المبهرة والأغنيات الشعبية.
وقد أمتعت «روكسي هارت» مع زملائها الأبطال الرئيسيين في المسرحية تيرا ماكلود التي تجسّد شخصية (فيلما كيلي)، وغريغوري هاريسون (بيلي فلين)، وكارول وودز (ماترون «ماما» مورتون)، وكيفن كارولان (آموس هارت).
وعلى مدى فصلي المسرحية التي استمرت حوالي الساعتين ونصف الساعة، قدّم اللاعبون على الخشبة الذين بلغ عددهم 22 فناناً بين مغنّ وراقص وممثل، والموسيقيون إلى جوارهم، 21 مشهداً امتزجت فيها الأغنية بالرقص التعبيري والحوارات المكثفة والسريعة.
وتوزّعت هذه المشاهد على أبطال المسرحية جميعهم، إذ أدّى كل منهم أغنية مرة منفرداً، ومرة أخرى مع زملائه، ومن أبرز الأغنيات «أول ذات جاز»، التي أدتها «فيلما» والمجموعة، و«رازل دازل» التي قدمها بيلي مع ثلة من زملائه على المسرح.
وكان نصيب «روكسي هارت» وفيلما كيلي من الأغنيات المشتركة ثلاثاً، أمتعا خلالها الجمهور برشاقة الحركة وجمال الصوت والطلّة المحببة. مرّ الوقت سريعاً، رغم رحابة مدة العرض، فالجلوس قبالة المشهد الموسيقي والغنائي، يجعل الزمن أقل وطأة..
ومن غناء أوبرالي مبدع للفنانة ري بين التي جسدت شخصية ماري سانشاين، إلى الأداء الفردي الرائع للفاتنة «روكسي هارت»، حين راحت تغني وتحكي سيرتها وأحلامها، وفرحتها بنشر أخبارها في صدر صفحات صحف «التابلويد»، مروراً بجميع الراقصين والراقصات الذين أدّوا أدوارهم.
واستعراضاتهم الراقصة بإبهار مؤثّر، وصولاً إلى الموسيقيين الذين شاركوا كلاعبين أساسيين وسط الميدان، فعزفوا لحظة يتطلب المشهد ذلك، بينما صمتهم كان بليغاً وأضفى على المسرح ألواناً جديدة، جعلت منه لوحة تشكيلية قمة في الإبداع.
مرة واحدة من «شيكاغو» لا تكفي، وربّما يكتشف المرء الكثير من إضاءات العرض وتفاصيله وهوامشه في مشاهدات أخرى، وهذا العمل القادم من وراء البحار والمحيطات يستحق حتماً رؤيته مجدداً فهي فرصة نادرة وقد لا تتكرر في كل حين.
دبي ـ إسماعيل حيدر:
