الإنسان كائن اجتماعي بفطرته وطبيعته لا يستطيع أن يعيش منعزلاً عن الناس لأنه عاجز بمفرده عن الوفاء بحاجياته وذلك يستتبع وجود علاقات عديدة بين أفراد المجتمع وهي علاقات لا يمكن أن تترك فوضى ينظمها كل فرد وفق رغبته ومشيئته،

لذلك لا بدّ من وجود قواعد موضوعة تهدف إلى إقامة التوازن بين الحريات المتعارضة والمصالح المتضاربة محققة بذلك العدل والاستقرار. تلك العلاقات المتداخلة بحاجة إلى نوع من الضبط حتى لا تطغى على بعضها البعض حتى تستوعب التناقضات المتداخلة.

النظام في المجتمع ليس سلوكاً غريزياً ولا تلقائياً ولكنه ينجم عن الضبط الاجتماعي ويتوقّف عليه، والقانون من أهم وسائل الضبط الاجتماعي بل هو الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها المجتمع المنظّم في ضبط سلوك أفراده.

إن الحياة التي نعيشها عبارة عن متغيرات ومستجدات تؤثر علينا في مختلف النواحي ولعل التعديلات التي تطرأ على القوانين جزء من تلك المنظومة التي نعيشها وهي تخضع للتعديل بين الفينة والأخرى. انه لأمر طبيعي أن يتم تعديل اي قانون، فالقوانين عندما تم سنها فهي كانت صالحة لظروف معيشية معينة ما أن تتغير تلك الظروف فإنه من المحتم علينا ان نغيرها.

وعندما نعدّل قانون الشركات- بما فيها التشريعات الأخرى - فإن هناك مجموعة من التساؤلات التي يجب ان يجيب عنها هذا التعديل وهي: لماذا التعديل وكيف يكون؟ ما هي تجربة البلدان الأخرى في تعديل المسار التشريعي لقانون الشركات؟

كيف يتم التعرف على الفاعلين المعنيين بأحكام القانون وعلى الإشكاليات السلوكية التي تجعل هذا التعديل ضروريا؟ كيف يتم التحقق من أن تعديل القانون يكون مطابقا للدستور؟ كيف يتم تقييم شكل التعديل ومحتواه؟

كيف ينظم نص التعديل القانوني وكيف يكون تصوره؟ كيف يتم التحقق، بصفة عامة، من وضوح التعديل واجتناب الغموض الذي يعتبر أحيانا مصدر صعوبة التفسير؟ التساؤلات كثيرة ولن تنتهي ، ولكن الأجوبة على تلك التساؤلات يجب ان تكون واقعية وعملية في ذات الوقت حتى لا نرجع الى نقطة الصفر وبالتالي نقوم بإجراء تعديل آخر على التعديل بعد فترة وجيزة.

لقد نشأت فكرة الشركة بسبب ان الإنسان لا يستطيع ان يسد كل حاجاته بنفسه ، ولعل جزءا من تلك الحاجات تجميع الأموال واستثمارها وتحقيق الكسب، والإنسان في أحيان كثيرة لا يستطيع ان يحقق تلك المعادلة إلا عندما يتشارك مع أكثر من شخص.

وفي بداية القرن السادس عشر حيث كانت السياسة الاستعمارية الأوروبية قد سيطرت على الكثير من بقع العالم ظهرت الحاجة إلى تأسيس شركات ضخمة تهدف إلى نقل المواد الأساسية من الدول الخاضعة للاستعمار وتصريف المنتجات الأوروبية فيها. ولعل أشهر تلك الشركات العامة شركة الهند الشرقية التي أسست في انجلترا سنة 1600 لاحتكار تجارة الهند. وانطلقت ثورة الشركات واتسع نطاقها وبدأت الشركات بالظهور باختلاف أشكالها.

الخصائص العامة للتعديلات التي ستطرأ على قانون الشركات على النحو الآتي: قانون عصري ومتطور يعزز الشفافية ويقضي على ظاهرة التستر التجاري ويساهم في جذب الاستثمارات والتكنولوجيا ويشجع الشركات العائلية على التحول إلى شركات مساهمة. لماذا التعديل؟

هل تمت لاعتبارات موضوعية بحتة؟ أم بسبب التغيير فقط دون الاهتمام بجوهر التغيير؟ هل تمت مراعاة حاجات المجتمع والمواطن؟ أم تم إهمال الشق الآخر ولم يدخل المواطن في تلك التركيبة؟

صحيح انه هناك من النسب المطلوبة في بعض الشركات وضرورة تواجد المواطن فيها، وقد تكون تلك النسب مجرد أرقام ظاهرية بينما في الواقع نجد ان المواطن يقتصر دوره على قبض مبلغ مقطوع وينتهي دوره وقد يكون القبض على مراحل او في نهاية كل عام.

ولكن بالرغم من كل ذلك يجب ان تكون هناك من القوانين ما تكفل حماية الاستثمارات الوطنية حتى لا تصبح جل الاستثمارات في الدولة مسيطرا عليها من قبل الأجانب. فعلى سبيل المثال، عندما عرض نادي باريس سان جيرمان الفرنسي للبيع تقدمت قطر لشرائه ولكن الفرنسيين رفضوا عرضهم بداعي ان قوانين الاستثمارات في فرنسا ترفض امتلاك الأجانب لغالبية رأسمال الشركات والمؤسسات. يا ترى هل سيكون لنا مثل تلك القوانين؟

لقد باتت الشفافية هي العنصر المشترك والفاعل في أي منظومة اجتماعية، سواء في الإدارة أو في الأشخاص أو على المستوى الدولي وحتى على مستوى القوانين. فالشفافية يترتب عليها عنصران مهمان هما الإفصاح والرقابة،

وتأكيدا على ذلك فإن قانون الشركات الجديد المزمع إصداره قريبا يعكس تلك الرؤية بحيث تصبح الشفافية من اهم خصائصه، ونحن نتأمل منه ذلك. نحن ضد التستر، على اعتبار انه لا يعكس وضع الشركة الحقيقي ولكننا في نفس الوقت مع تعزيز الاستثمارات التي من شأنها ان ترفع وتدفع وتيرة التقدم الاقتصادي والتجاري بشرط المحافظة على هوية وشخصية الدولة العام،

وأن يكون لهذا التقدم الاقتصادي مردوده الايجابي على كافة أطياف المجتمع وقطاعاته الوطنية العامة والخاصة.عناصر جذب الاستثمارات الأجنبية كلها موجودة في بلادنا الحبيبة ولا يستطيع القاصي والداني ان ينكرها، والوضع في ظل القوانين الحالية كفلت لها ذلك فما بالك من الوضع الجديد في ظل بزوغ قانون الشركات الجديدة ..!

طالما الوضع كذلك، فإنه من الضروري ان يكون لتشريعاتنا الخصائص التي من شأنها ان تعزز دور المواطن في المؤسسة والشركة التجارية ، ويجب ان تساهم تلك الاستثمارات ان ترتقي في أدائها بما يساعد دعم وتعزيز ورفع كفاءة المواطنين باعتبار ان تلك الاستثمارات يجب ان يكون من ضمن أهداف جذبها إلى هنا هو الاستفادة منها في شتى المجالات،

ولعل الجانب المتعلق من الاستفادة من تلك الخبرات بما يكفل رفع كفاءة المواطن وتعزيز مهاراته الاستثمارية يجب ألا يهمل بل يجب ان يراقب في ظل تطبيق معايير الشفافية وحتى نستفيد من تلك الاستثمارات الاستفادة القصوى.

أما فيما يتعلق بتحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة فهذا أمر مفروغ منه خاصة إذا أدركنا ان توجه الدولة كان ومازال يعزز دور تلك النوعية من الشركات لأهميتها على الاقتصاد الوطني على اعتبار ان تلك الشركات تمثل أكثر من ثلاثة أرباع عدد الشركات القائمة في الدولة،

لذلك فإننا نتأمل من القانون الجديد أن يعزز هذا الدور من خلال النصوص التي تدور حول سياسة الشفافية وفصل الملكية عن الإدارة من خلال مجالس الإدارة المنتخبة، فهناك علاقة ايجابية وقوية بين تطبيق معايير الشفافية وما يترتب عليه من حوكمة الشركات وبين ارتفاع أداء وقيمة أسهم تلك الشركات.

نقطة وأول السطر..

المدير الناجح ليس الذي يعطي الأوامر ويحرك عضلات العاملين فقط بل الذي يحاكي العقول ويعمل على زرع القناعات والإيمان بالفكرة أو الخطّة أو الأهداف المدروسة فإذا اقتنع العامل بذلك وآمن بالعمل وبمنهجه فإنّه سيضمن اندفاعه وتحمّسه كما يضمن تفانيه وإخلاصه وفي نفس الوقت يضمن نجاحه بلا مشاكل ولا أزمات.

باحث قانوني واكاديمي

vipjh710@hotmail.com