أعاد فيلم «خشخاش» ثقة الجمهور التونسي بسينما بلاده، بعد انقطاعه عن متابعتها لسنوات طويلة، ويقوم هذا الشريط على قصة واقعية مميزة، وتم تصويره بتقنيات عالية. المخرجة سلمى بكار أعلنت قبل أسابيع قليلة عن مشاركة فيلمها في مهرجان «كان» السينمائي الدولي. «البيان» التقت بكار في تونس العاصمة، وأجرت معها الحوار التالي:
ـ خرجت من قاعة السينما في العرض الأول للفيلم، فهل ذلك عدم ثقة بالنفس؟
ـ العرض الأول كان مخصصاً للإعلاميين ذلك لأنني أحترم رأيهم وأعرف أن نجاح الفيلم أو فشله يعتمد على أقلامهم . وبصراحة لم أستطع البقاء في صالة العرض لخوفي الشديد من ردة الفعل، وكنت يومها متوترة جدا لأنني سأعرف نتيجة تعب وعمل سنوات طويلة.
والموضوع لم يكن عدم ثقة بالنفس بقدر ما كان توتراً وانتظاراً، هو الإحساس ذاته لشخص ينتظر نتيجة امتحانات آخر السنة، فمهما كانت ثقته بنفسه كبيرة، إلا أن ذلك اليوم يوتره ويفقده اتزانه المعهود.
ـ ومع ذلك لم تنصفك كل الأقلام التي كتبت عن الفيلم؟
ـ صحيح، الأمر يعود إلى ذوق كل شخص وأنا أرفض النقد الذي لا يُبنى على أسس صحيحة، وقد قرأت كل ماكتب عن الفيلم واحترمت كل الآراء التي نقدت من باب معرفة وعلم بالسينما، وفي المقابل لم أعر أي اهتمام للأقلام التي كتبت من دون وعي ومعرفة، واعتبرت أن نقدهم كان بدوافع شخصية وليس موضوعياً.
ـ ولكن نُشر لك أخيراً في جريدة Rla press التونسية رداً على مقال انتقد الفيلم؟
ـ صحيح، لأن النقد الذي قَرأتهُ عني كان غير منطقي، وشعرت أن كاتبة النص لا تملك أية خبرة لا في الكتابة الصحفية ولا في النقد السينمائي، فهل يستطيع أي شخص أن يقوم بمهنة الطبيب لمجرد أنه يمسك بمشرط في يديه، هذا الشيء جعلني أشعر بالغضب مما كُتب عن الفيلم فهي انتقدت اختياري الفنانين وتقنيات وزوايا التصوير من دون أدنى معرفة بالسينما.
ـ على ذكر أبطال الفيلم لماذا لم تعتمدي على نجوم معروفين؟
ـ كل ممثل وُضع في مكانه في الفيلم، وعندما كتبت القصة كنت أتخيل الشخصيات في عقلي، اما عن البطلة الرئيسية ربيعة بن عبد الله، فلقد رأيتها قبل سنوات عندما شاركت في لجنة التحكيم بمهرجان «فالنسيا»، ويومها كنت مصرة على أن تأخذ تلك الممثلة جائزة تقديرية لأنها أبهرتني، وبعد سنوات كتبت «خشخاش» وتذكرتها وسألت عنها، فقيل لي إنها مقيمة في فرنسا.
ـ وكيف تم الاتصال بينكما؟
ـ كل ماكنت أعرفه عنها هو أنها مقيمة في «ليون» الفرنسية مع زوجها فاتصلت بسفارة تونس هناك وعرفت عنوانها وراسلتها ثم قصدتها وأقمت في بيتها لخمسة أيام وكنت أراقب تصرفاتها، وأدركت أنها الوحيدة التي تصلح لدور البطولة.
ـ عرفت أنك في بداية اختياراتك للفنانين، أقمت «كاستينغ» واسعااشترك فيه العديد من النجوم التونسيين المعروفين، فكيف كانت ردة فعلهم عندما عرفوا انك اخترت غيرهم؟
ـ ما أحمد الله عليه هو أن الفنانين الذين تعاملت معهم كانوا يمتلكون روحا رياضية وقناعة كاملة برأيي، ومازالت تجمعني بهم علاقة طيبة مبنية على الاحترام والحب والثقة.
ـ لاحظنا أنك نصيرة للمرأة فكل أفلامك تتمحور حولها؟
ـ ربما لأننا نعيش في مجتمع شرقي تظلم فيه المرأة بشكل كبير فهي تتعرض للعنف والقهر والحيرة، ودائماً مايكون السبب في عذاب المرأة هو الرجل والمجتمع يغفر للرجل خطيئته، ولا يغفر خطيئة المرأة بل يحملها الذنب وتكون هي السبب في خطيئته.
ـ قلت سابقا إنك تستلهمين من الواقع لإنجاز أفلامك فهل كل شخصيات أفلامك واقعية؟
ـ نعم معظمها، فمثلاً شخصية «زكية» في فيلم «خشخاش» سمعت عنها الكثير في صغري، ونقلت الصورة كما عرفتها من أقربائي فهي إمراة أدمنت على شرب «الخشخاش» حتى تنسى معاناتها من زوجها الشاذ جنسياً ومن نظرة الناس إليها.
ـ لماذا تتعرض معظم الأفلام التونسية لقضايا الشذوذ الجنسي؟
ـ بالنسبة لي فأنا أحب طرح المواضيع بواقعية ومن دون زيف، ونحن من خلال عملنا في السينما لا نحاول أن نجمل الواقع ونكذب على المشاهد، وأعتقد أن تعرضنا للمواضيع الشائكة ربما يحل بعضاً من مشاكلنا والأفلام تحمل رسائل توعية للمجتمع كله ونحن في الفيلم، تحدثنا عن السبب الرئيسي الذي أدى إلى إدمان بطلة الفيلم «زكية».
فالإدمان بحد ذاته يكون نتاجاً لأسباب وجيهة، فمنهم من يدمن لأنه فقد عزيزا عليه ومنهم من يدمن لأنه اختلط برفاق السوء وهكذا.. وأريد أن أذكر أن شخصيات فيلم «خشخاش» واقعية، إذ إن «زكية» تعرضت بالفعل لكل ذلك في حياتها.
ـ وماذا بعد «خشخاش»؟
ـ وضعت الخطوط العريضة لفيلمي الجديد، وسأحكي فيه عن حقبة الستينات ،وكالعادة ستكون بطلة الفيلم امرأة وأعتقد أنه سيرى النور قريباً لأنني متحمسة للفكرة جداً وأحب أن أستثمر نجاح «خشخاش» لإنتاج فيلم جديد.
ـ ولماذا تصرين على التصوير في حقب زمنية قديمة ولا تتعرضين للحاضر؟
ـ ربما لأنني أحب تلك الفترة القديمة وأحب أن أحكي عن المرأة في ذلك الوقت بالذات، لأن المرأة التونسية لم تنًل حقوقها كاملة إلا أخيراً في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، وقديماً كانت تتعرض للقهر والظلم كأي إمرأة شرقية.
ـ كيف تلقيت خبر مشاركة «خشخاش» في مهرجان «كان» السينمائي؟
ـ المشاركة في هذه التظاهرة السنوية بحد ذاتها تعتبر حلماً لكل سينمائي عربي أو أجنبي، كما أنها تفتح لي سوقا للتوزيع خارج تونس بعد ذلك، وأتمنى أن اشارك به أيضاً في مهرجان القاهرة الدولي.
تونس ـ ضحى السعفي: