قالت صحيفة «الجارديان» البريطانية، إن أسعار النفط، سجلت مؤخراً أرقاماً قياسية جديدة في كل من بريطانيا والولايات المتحدة مخلفة وراءها ظلالاً سياسية قاتمة عكرّت صفو الرئيس بوش، وصعدت بأسعار الوقود إلى جنيه استرليني للتر الواحد. وتساءلت الصحيفة عن الرابح الأكبر من وراء ذلك كله.
تحقق الشركات البترولية الكبرى أرباحها من التجارة المزدهرة، المتمثلة في التنقيب عن النفط واستخراجه. فقد أعلنت Bb في وقت سابق أنها حققت أرباحاً بلغت 8,6 مليارات دولار نتيجة عوائد إجمالية بلغت 5,8 مليارات دولار خلال الشهور الثلاثة المنتهية في 31 مارس.
كما سجل مبلغ 5.9 مليارات دولار قيمة النفط المستخرج عالمياً في اليوم الواحد. وتعد السعودية أكبر الدول المصدرة للبترول في العالم، كما زادت أسعار النفط المتصاعدة من تخمة خزائنها الحكومية. وتعتبر كلفة استخراج النفط منخفضة نسبياً هناك، حيث تقل عن ثلاثة دولارات مقابل 70 دولاراً لسعر البرميل، وجميعها تخضع لسيطرة الدولة.
ولقد بلغ دخل البلاد من النفط العام الماضي 5,133 مليار دولار أنفقت منها 8,77 مليار دولار على أنشطته مثل التعليم (7,18 مليار دولار، والصحة 21,7 مليارات دولار) وفقاً لأرقام مركز دراسات الطاقة العالمية.
كما أنفقت على الدفاع 5,38 مليار دولار، ذهب قسط منه إلى بريطانيا لسداد ثمن طائرات BAE سيستمز النفاثة. كما خصص قسط من فائض 1,57 مليار دولار عام 2005، لسداد الديون المترتبة على السعودية نتيجة لحرب الخليج الأولى.
فيما استثمرت المبالغ المتبقية في سندات الحكومة الأميركية وغيرها من الأسواق الرأسمالية بما في ذلك أسهمها في شركات مدرجة في البورصة البريطانية.
وقالت الصحيفة ان دبي، على غرار شريكاتها من الإمارات الأخرى، استثمرت ثروتها في ترسيخ مكانتها كمركز مالي، وتجاري وسياحي، فلقد اشترت موانئ دبي العالمية مؤخراً، واحدة من أفضل الشركات البريطانية وهي «بي آند أو».
وأصبحت نيجيريا من أولى الدول الإفريقية التي تقوم بسداد ديونها القائمة، مستخدمة عوائدها النفطية، فقد دفعت 5,4 مليارات دولار إلى دائني نادي باريس الأسبوع الفائت.
وتدفع شركات النفط الخاصة مثل شل مصاريف استخراج النفط، ثم تسدد ضريبة حقوق الامتياز إلى الحكومة. وتستخدم فنزويلا، ثروتها الجديدة في طرق شتى، فالرئيس هوغو شافيز، روج لبرنامجه الإصلاحي الاشتراكي الجديد، كما يبيع النفط بأسعار مخفضة إلى جيرانه في أميركا اللاتينية في مسعى منه لفك ارتباطهم بالفلك السياسي الأميركي.
النقل
ساهم الطلب العالمي على النفط، في ايقاد شعلة أكبر طفرة في تاريخ الشحن. ولم يحظ أحد باعتراف أقطاب الشحن البحري السابقين مثل أوناسيس ونياركوس، غير اليونانيين والنرويجيين الذين مافتئوا يسيطرون على الجزء الأكبر من الناقلات العالمية.
وغدا أقطاب الشحن اليوناني الجدد أمثال «لوكاس حاجي إيانو» (والد مؤسس إيزي جت ستيليوس)الاقوى، إضافة إلى عائلتي انجليكوسيسوس وليفانوس. ويعتبر مالك السفن النرويجي «جون فريدريكن» أقرب المعاصرين إلى ارستوطل أوناسيس، بيد انه أكثر ميلاً إلى العزلة، ولا يحبذ الظهور في المجتمعات المخملية. وهو ينفق ملايينه في بريطانيا، حيث كان يوماً يمتلك أغلى القطارات في «تشلسي».
وأصحاب السفن، كحال كثير من أصحاب الملايين، مهووسون باقتناء نفائس مثل سيارات السباق واليخوت، واللوحات الانطباعية.
غير ان السواد الأعظم منهم أكثر ولعاً بالشحن، ولا يتورعون عن اقتناء المزيد من السفن، دافعين بأعدادها إلى أرقام تفوق الاحتمال، لتنقلب الطفرة إلى فقاعة وهو قدرها المحتوم.
وقد بدأت الحجوزات بالفعل تطغى على ما عداها. وبات في وسع أصحاب الناقلات الآن، وفي جملتهم، pb، وغيرها من شركات النفط، توفير 6 ملايين دولار، في شحنة واحدة محمولة في ناقلة طويلة نمطية طويلة البدن من السعودية إلى سواحل الولايات المتحدة، وكانت أسعار الناقلات ارتفعت نتيجة للطلب المتزايد، بحيث وصلت كلفة بناء السفينة الجديدة إلى 140 مليون دولار.
ويمكن لناقلة النفط العملاقة أن تحمل 2 مليون برميل من النفط، وفي ضوء سعر البرميل الذي وصل إلى 70 دولاراً، فإن هذا معناه أن السفينة تتنقل بشحنة ثمنها 140 مليون دولار. ولابد من دفع أقساط تأمينية كبيرة لتغطية الناقلات والشحنات الأمر الذي يعني عوائد ضخمة لشركة لويدز اللندنية. وتبلغ كلفة نقل النفط اليومية 89 مليون دولار.
الاتجار في النفط
تتركز مراكز تجارة النفط العالمية في نيويورك ولندن. وتقوم شركات النفط، وشركات التجارة المتخصصة ببيع وشراء النفط الخام في بورصة «ميركانتايل» في نيويورك، وبورصة البترول العالمية في بريطانيا.
ويتم تداول نحو مليار برميل من النفط يومياً في بورصة ميركانتايل في نيويورك وهو ما يساوي 70 مليار دولار أو يزيد، غير أن شريحة من اللاعبين دخلت السوقين، الأمر الذي اوصل حجم التداول إلى مستويات قياسية، وتضم هذه الشريحة الصناديق التحوطية ومجموعات مالية أخرى.
وقد لجأ هؤلاء إلى استخدام النفط للمضاربة، مراهنين على احتمالات ارتفاع النفط وانخفاضه، على غرار النمط الذي يستخدمونه في أسواق الأسهم التقليدية. وقد تعرض هؤلاء لانتقاد اللاعبين التقليديين الذين يعتقدون أنه يضاعف من تذبذب أسواق النفط، التي تتحرك بصورة مطردة نحو الأعلى، بفعل «مشاعر» كالتخوف من قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة لإيران، الدولة المنتجة للبترول.
ولقد أفادت صناديق التقاعد البريطانية من ذلك وتقدر ذ ان إعادة شراء أسهمها تسهم في تسرب جنيه من كل ستة جنيهات تتدفق إلى تلك الصناديق. ويذكر أن 70 مليون دولار، قيمة النفط المتداول في بورصة ميركانتايل في نيويورك يومياً.
تكرير النفط
ماانفكت شركات نفطية عملاقة مثل اكسون موبيل، وشل و BP, تسيطر على تجارة التكرير العالمية، التي تتركز في روتردام، وهيوستون وسنغافورة. ويتم شراء النفط الخام بواسطة الناقلات من دول منتجة مثل نيجيريا أو إيران، حيث يحول إلى «مشتقات» مثل وقود الطائرات أو البنزين.
وتوجد بعض مصافي التكرير في بريطانيا، حيث يوزع إنتاجها بواسطة خطوط أنابيب إلى مراكز توزيع كبيرة كذلك المركز الموجود في «بونسفيلد» في «هامبشير» الذي تعرض لانفجار وحريق ثم تتولى ناقلات نفط برية نقل البترول من تلك المراكز إلى محطات خدمة السيارات، وتتحرك تجارة التكرير غالباً في دورات، تحقق الشركات من خلالها أرباحاً مجزية، وتخسر أحياناً على هامش هذه التجارة.
ويوجد حالياً نقص في مصافي التكرير، وهو أحد الأسباب التي يعزى إليها ارتفاع أسعار النفط.
حيث ان شركات النفط أوقفت استثمارها في المصافي كونها لم تحقق في السابق أي مرابح. ويشار إلى ان الحكومات المضيفة لا تفرض ضرائب معينة على الأرباح المحققة هنا، وفي غير مكان، وتزعم ِ أنها حققت أرباحاً بلغت 6,1 مليار دولار من «تجارة التكرير والتسويق» خلال الشهور الثلاثة الأولى من هذا العام، رغم ان هذا الرقم يشمل أرباحاً تحققت نتيجة لعوائد بيع النفط، وهو مبلغ أغفلت الشركة ذكره. ويشار إلى أن كلفة التكرير تبلغ 210 ملايين دولار يومياً.
النفط
أسعار النفط العالمية، ألقت بظلال سياسية قاتمة على شركات النفط، والحكومات غير أن ذلك، لا يعدو كونه جزءاً هامشياً من التجارة، حيث تتجسد أقل الأرباح.
كما ساهمت محلات السوبر ماركت في الإبقاء على انخفاض الأسعار بدخولها تجارة بيع المشتقات البترولية بالتجزئة، التي تعتبرها وسيلة ناجحة لجذب المستهلكين إلى شراء المواد الغذائية والألبسة من متاجرها.
غير أن أعداد محطات الوقود في بريطانيا في طريقها إلى الانخفاض السريع، حيث تغلق إحدى عشرة محطة أبوابها أسبوعياً وتظهر الأرقام المستقاة من معهد الطاقة، أن المملكة المتحدة تمتلك من منافذ الوقود أقل مما كانت تمتلكه عام 1914، بالرغم من أن مبيعات الديزل والبنزين سجلت أرقاماً قياسية العام الماضي.
وتقوم الحكومة البريطانية، باستقطاع ضريبة مقدارها 75 بنساً من كل جنيه استرليني عن اللتر الواحد، بالإضافة إلى ضريبة قيمة مضافة، غير أن ذلك لم يثن السائقين عن صب جام غضبهم على شركات النفط، بالإضافة إلى توني بلير.
وقد قوبل الإعلان عن أرباح تجارية قياسية، في السنوات الأخيرة، من قبل شل وذوغيرهما من الشركات بعاصفة من الاحتجاجات.
إلا أن النتيجة كانت فرض الحكومات لمزيد من الضرائب على إنتاج بحر الشمال. ولقد توخت الحكومة جانب الحذر، في فرض زيادات ضريبية على الوقود منذ إضراب سائقي اللوريات عام 1999.
ولطالما أعلنت شركات مثل BP أنها تكاد لا تحقق أرباحاً تُذكر، نتيجة مبيعات التجزئة في نفوطها، إلا أن أرقاماً محددة لم تخرج إلى العلن.
وفي الولايات المتحدة، كانت معدلات الضريبة شديدة الانخفاض، على وجه الإجمال، بحيث تكاد لا تتجاوز 25 في المئة من سعر الضخ الإجمالي. وكان الرئيس بوش تعرّض لموجة حادة من الانتقادات من جانب الديمقراطيين المعارضين، وسط مخاوف جماهيرية متصاعدة من ارتفاع أسعار الوقود إلى 3 دولارات للغالون الواحد، وهو ثمن باهظ في المفهوم المحلي.
وقد دعا بوش في وقت سابق إلى وقف بناء مخزون في احتياطي البترول الاستراتيجي، لضخ مزيد من النفط في الأسواق للاستخدامات الأخرى. كما أوعز الرئيس إلى لجنة التجارة الفيدرالية ووزارتي العدل والطاقة بالتحقيق في احتمال وجود عمليات تلاعب في أسعار الضخ من قِبل شركات النفط. وفي خطاب «حالة الاتحاد» الذي ألقاه في شهر يناير قال الرئيس بوش إن «أميركا مدمنة على البترول».
ويُشار إلى أن ضريبة الوقود الحكومية في المملكة المتحدة تبلغ 24 مليار جنيه سنوياً. أما عائدات صناعة النفط في عام واحد فتبلغ 4,2 تريليون دولار.
ترجمة: وائل الخطيب