من يدخل سوق السفر العربي الذي تستضيفه دبي هذه الأيام لابد أن يسترعي انتباهه ذلك العدد الكبير من الفتيات اللواتي جمعتهن شركات السياحة والسفر أمام أجنحة الوفود وأمامهن تلك الأكوام من الحلوى بمختلف أنواعها بهدف جذب انتباه الزائر والفوز بسائح جديد.
لكن التساؤل يبرز هنا هل تكفي الوجوه الحسان والنيات الطيبة في خلق سياحة عربية قادرة على المنافسة في السوق العالمي وتحويل أنظار الزوار والسياح عن وجهاتهم التقليدية.
الإجابة قد تتضح إذا عرفنا أن فرنسا وهي دولة واحدة تستقطب سياحاً أكثر من الدول العربية بأكملها ، يصل عدد السياح في فرنسا سنويا إلى كثر من 70 مليون سائح في الوقت الذي يتوقع فيه أن تصل المنطقة العربية إلى هذا الرقم ربما بعد عشرين عاماً،
علماً أن عدد السياح الذي يفد المنطقة حاليا يصل إلى 25 مليون مسافر رغم أنها مهد الحضارات القديمة وتمتلك أرثاً تاريخياً فريداً لا تمتلكه منطقة أخرى في العالم.
ويؤكد جوزيف سركيس وزير السياحة اللبناني ان هناك صحوة عربية وان كانت متأخرة بأهمية السياحة كصناعة تمثل عصب الاقتصاد في الكثير من دول العالم علما انها اكبر القطاعات الاقتصادية في العالم من حيث عدد العاملين وحجم الاستثمار والدخل المتأتي منها.
ويقول سركيس إن المنطقة العربية تشهد حاليا » ورشة عمل« لتنشيط الدورة الدموية لهذه الصناعة التي غفت كثيرا من الوقت وهناك استثمارات هائلة تضخها الكثير من الدول العربية لتعظيم المنافع
والاستفادة من هذا القطاع خصوصا عندما نتحدث عن فرص العمل الكبيرة التي يمكن ان توفرها صناعة السياحة في المنطقة العربية التي تعاني أصلاً من بطالة تصل في بعض الدول إلى 15 بالمائة وهي نسبة كارثية.
الوزير سركيس الذي كان متفائلا بالوصول إلى المطلوب سياحيا خلال الأعوام المقبلة رغم التحفظات والمحاذير التي أشار وأهمها على الإطلاق الهاجس الأمني الذي تتهم فيه المنطقة العربية في اغلب الأحيان والذي ما زال يتسبب بصداع مزعج لكثير من الاقتصاديات العربية التي تعتمد على المنتج السياحي.
الوزير اللبناني أكد ان هناك مفهوما آخر للسياحة بدأ يتشكل ويتمثل في التغير من السياحة البيئية والجبلية الى سياحة الاستجمام والفنادق الفاخرة والمطاعم ذات الجودة العالية وهو تغير على المنطقة العربية مواجهته والتكيف معه وهي ذات التجربة التي مكنت دبي من استقطاب سياح أكثر من ثلاث دول مجتمعة وهي سوريا ولبنان والأردن خلال العام 2003.
وقال إن المنطقة العربية تمتلك مقومات سياحية هائلة تحتاج الى التخطيط والترويج وفق اسس دقيقة خصوصا الترويج الخارجي الذي نجحت فيه دبي مثلا بامتياز في الوقت الذي يتعين فيه على الكثير من دول المنطقة ضخ المزيد من الاستثمار السياحي والترويج الصحيح للمنتج السياحي العربي مع الوجوه الحسان والنيات الطيبة التي لن تكفي وحدها.
ونوه سركيس بالتعاون البيني الإقليمي لدول المنطقة اذا ما أرادت انتشال قطاع السياحة من غفوته وتحويله الى اقتصاد منتج ورافد حيوي للدخل القومي من خلال سياسات وخطط عملية مدروسة بدلا من الارتجال والعواطف موضحا ان جذب السائح من مناطق بعيدة كالصين مثلا يستلزم التعاون الإقليمي لإقناع الزائر بالقدوم من هذه المناطق البعيدة.
ويبدو ان دبي امتلكت »الخلطة السرية« لصناعة قطاع سياحي منتج حتى ان الزائر يحتاج الى جهد إضافي ليجد غرفة شاغرة سواء كان ذلك في الصيف او الشتاء فالأمر سيان. هذه المعضلة أوجدت لدبي تحدياً آخر يتمثل في النقص الكبير في الغرف الفندقية التي يعترف بها الجميع خصوصا الفنادق من تصنيف اربع او ثلاث نجوم الأمر الذي دفع حكومة دبي الى هبة مضرية للتغلب على المعضلة الجديدة.
ويقول غسان العريضي رئيس شركة ألفا تورز للسياحة والسفر ومقرها الإمارات ان دبي أدركت مبكرا التغير في المفهوم السياحي وبأن المفهوم التقليدي القديم يمثل اليوم 5 الى 10 بالمائة فقط من توجه السائح الذي بدأ يتطلع الى الفنادق الفاخرة
والمطاعم ذات الجودة العالية والشواطئ النظيفة ومراكز التسوق وهو الأمر الذي جسدته دبي كحقيقة واقعة قبل ان تصحو المنطقة على هدير الرافعات والمشاريع العملاقة التي نصبتها دبي برا وبحرا في عرض الإمارة وطولها وضخت فيها استثمارات بأرقام مليارية.
وأضاف العريضي ان المنطقة العربية بدأت تغير من نمط العمل لدفع قطاع السياحة بعد ان أدركت »متأخرة«أهمية السياحة التي تعد بمفهوم الأرقام أضخم قطاع اقتصادي في العالم فهي تشغل اكبر عدد من الموظفين وفي دول كثيرة تعد السياحة عصب الاقتصاد
وتصل مساهمتها الى 17 بالمائة في دول كبرى مثل فرنسا والولايات المتحدة وفي دول قد تتجاوز النسبة 30 بالمائة في حين لا تتجاوز في المنطقة العربية عموما 8 بالمائة مع تفاوت بين منطقة وأخرى.
وأكد العريضي أهمية الإصلاحات والمتمثلة في التشريعات التي توفر البيئة المرنة والانفتاح لهذه الصناعة وتعزيز شراكة القطاع العام والخاص إذا ما أرادت المنطقة التحدث عن السياحة كعلم اقتصادي مربح وليس مجرد فتاة حسناء او صندوق حلوى في احد المعارض.
وما تحدث عنه الوزير اللبناني او العريضي يلخص واقع السياحة العربية التي رغم »الإفاقة المتأخرة« لكثير من الدول العربية لبعث الروح في السياحة العربية خصوصا اننا نتحدث هنا عن منطقة تعد الآن أسرع مناطق العالم من حيث النمو في حركة السفر الجوي باعتراف الاياتا.
ومع التغير الذي طرأ على المفهوم التقليدي للسياحة فإن تغيرا آخر يجري بتسارع وهو السياحة الاقتصادية والطيران الاقتصادي اي توفير مرافق سياحية بأسعار اقتصادية ذات كلفة معقولة بالنسبة لشريحة كبيرة من السياح الذين قد لا تلائم ميزانياتهم الفنادق الفاخرة والسفر على الدرجة الأولى.
ومن هنا فإن مفهوم الفنادق الاقتصادية آخذ في النمو في المنطقة حيث أعلنت طيران الامارات مؤخرا عن شراكتها مع احدى المجموعات العالمية لإنشاء سلسلة فنادق اقتصادية في الامارات في حين اعلنت شركة عالمية اخرى عن اولى فنادقها في دبي والمتخصصة في الفنادق الاقتصادية.
هذه التطورات في واقع السياحة العبية رافقها منذ سنوات ظهور الطيران الاقتصادي او المنخفض التكاليف ونجد اليوم اكثر من اربع او خمس شركات في سوق المنطقة تشغل رحلات اقتصادية تلائم شريحة كبيرة من المسافرين خصوصا بعد النجاح الكبير الذي حققته التجربة في اوروبا حتى باتت شركات الطيران الاقتصادي الصغيرة تشكل تهديدا للشركات العملاقة في القارة العجوز خصوصا لعمالقة الطيران مثل لوفتهانزا والخطوط البريطانية وغيرها.
ويمضي الوزير اللبناني في التأكيد ان بعض المغالطات ما زالت موجودة عند عدد كبير من السياح تجاه كثير من دول المنطقة ذلك ان حادثاً ما قد يكون فرديا يعطي صورة خاطئة قد تنغرس في ذهنية الكثيرين بأن هذه المنطقة خطرة وعلينا في المنطقة ان نعمل بجهد لانتزاع هذه الصورة من خيال السياح حتى مع وجود ظاهرة الارهاب التي لم تنحصر بالطبع في المنطقة العربية.
واذا كانت دبي قد انتبهت الى التغيرات الجارية في عالم السياحة فإنها ايضا لم تترك شاردة ولا واردة في قطاع السياحة الا وتنبهت له حتى في سياحة ذوي الاحتياجات الخاصة حيث استضافت مؤتمرا خاصا حول هذه القضية باعتبار ان السياحة العربية ما زالت تخسر اكثر من 5 مليارات دولار لعدم تبنيها لاحتياجات هذه الفئة من السياح.
وبالاضافة الى جهود الترويج وما يلحق بها من الانفاق الاعلاني فإن المنطقة العربية مطالبة بعصف فكري وانقلاب في مفهومها للقطاع السياحي ، فالإصلاح التشريعي والمرونة في تطبيق القوانين لن يكون كافيا مالم تتوفر الرغبة الاكيدة في تحويل القطاع الى رافد حيوي للدخل القومي في كل دولة دون ان ننسى ما يعرف بالتنسيق والتعاون المشترك بين دول المنطقة
وهو غير موجود اصلا حتى على مستوى الدول المتقاربة فكيف بالبعيدة رغم ان السائح يحتاج ان نقدم له الاقليم ككل خصوصا اذا كنا نريد ان نستقدمه من بلاد بعيدة وهو امر يحرص عليه كثير من السياح ويرغبون دوما في وجود برامج او ترويج على مستوى اعلى ليتمكن من الاستمتاع في عطلته.
أوروبا مثلا في تجربتها الوحدوية التي استمرت عقوداً عدة حققت من خلال اتحادها الكثير من الانجازات على صعيد صناعة السياحة ومع التسهيلات في التأشيرات وتوحيدها أصبح بإمكان السائح مثلا التنقل بحرية وهي تجربة ما زالت مستحيلة في المنطقة العربية حتى بالنسبة للعربي نفسه فكيف بالسائح الغربي.
ويؤكد اسامة بشرى المدير الإقليمي لشركة ترافكو للسياحة والسفر ان غياب التعاون بين دول المنطقة وصعوبة الحصول على تأشيرة قد يكون ابرز العوائق من الجانب العربي الرسمي ، والسياحة العربية ما زالت تصطدم بالحواجز الحدودية والسائح قد لا يطيق كثيراً من الإجراءات المتعلقة بقضايا الحدود والتأشيرات وغيرها.
وفي دول أخرى تقف العادات والتقاليد عقبة أخرى أمام تطوير صناعة سياحية قوية رغم امتلاكها كل مقومات النجاح وما تحتاجه فقط التسويق الناجح. ويضيف بشرى ان دبي ومن خلال ترويجها وتسويقها لمنتجها السياحي نجحت بشكل كبير في تسويق الإمارة خارجيا كوجهة مفضلة لشريحة كبيرة من السياح
خصوصا من أوروبا وهي مؤهلة بفضل بنيتها التحتية المتطورة والخدمات والمرافق العالمية التي تمتلكها. وفي الحديث عن دبي مثلا فإن سياحة الخدمة تأتي في صلب قطاع السياحة فيها وهو نوع من السياحة معروف لكنه يتعزز بفضل الترويج والتسويق الناجح والحضور القوي في مختلف المحافل الدولية خصوصا السياحية منها.
ولا ينسى أسامة بشرى الإشارة الى عامل الاستقرار الأمني وليس السياسي باعتبار ان الاستقرار السياسي قد لا يؤثر على السائح بقدر شعوره بالأمان وهي نقطة غاية في الأهمية عند التخطيط لقطاع سياحي مستقر.
ويقول ان السياحة الاقتصادية بالمفهوم الحالي غير واضحة المعالم حتى اليوم على الأقل في المنطقة العربية ذلك ان تكلفة الاستثمار ما زالت عالية فيها والأسعار تشهد ارتفاعات متواصلة في مختلف القطاعات الحيوية.
ويؤكد ان الوضع المستقبلي يبشر بقيام سياحة عربية جيدة الى حد ما خصوصا مع انتشار عدوى صحية بدأت تسري منذ فترة في أوصال كثير من الدول التي أدركت أهمية السياحة خصوصا في منطقة الخليج التي نراها اليوم تشارك بقوة في كثير من المعارض والمؤتمرات السياحية فضلا عن الأرقام المليارية التي ضختها دول المنطقة لتنشيط صناعة السياحة وتعزيز البنى التحتية وقيام المشاريع العملاقة التي بدأت تشد انتباه السياح والمستثمرين على حد سواء.
ويؤكد بشرى الحاجة الماسة الى الترويج الإقليمي أي الترويج للمنطقة ككل وعلى سبيل المثال »منطقة الخليج« بحيث تقدم للسائح كوجهة واحدة خصوصا ان شريحة كبيرة منهم ترغب في زيارة أكثر من دولة وهنا تبرز الحاجة للترويج والتسويق الإقليمي الذي يحتاج الى القرار السياسي
الذي يعمل على إزالة كل العوائق أمام انسياب تجارة السياحة بين دول الإقليم وبذلك تقدم للسائح خدمة متكاملة. وقد تكون تجربة دول الخليج في التأشيرة السياحية »اذا تم تطبيقها فعليا« مبادرة تستحق التقدير وخطوة في الاتجاه الصحيح.
5% من حجم السياحة العالمية
في دراسة عرضت خلال المنتدى السياحي العربي الذي انعقد في سوريا مؤخرا بلغت حصة العالم العربي من مجمل حركة السياحة العالمية نحو 5 بالمئة فقط في عام 2004.
وتشير الدراسة ان السبب في ذلك يعود إلى مشكلات تعاني منها هذه الدول وعلى رأسها غياب التخطيط الذي يحدد حجم صناعة السياحة ضمن اقتصادات الدول العربية، وكذلك الافتقار إلى استراتيجيات تسويق مناسبة.
وأكد مدير مركز التدريب السياحي والفندقي في سوريا عبد الكريم الجوهري أن الدول العربية لا تزال بحاجة إلى العمل على تحسين صورتها في الأسواق السياحية الدولية والارتقاء بمستوى الخدمات السياحية. وأشار في نشرة اقتصادية للجزيرة إلى تحقيق بعض الدول العربية زيادة كبيرة في نسب ومعدلات السياحة خلال العام الماضي مقارنة مع عام 2003.
باختصار
»هناك صحوة عربية وان كانت متأخرة بأهمية السياحة كصناعة تمثل عصب الاقتصاد في الكثير من دول العالم علما أنها أكبر القطاعات الاقتصادية في العالم من حيث عدد العاملين وحجم الاستثمار والدخل المتأتي منها«.
»هناك حاجة ماسة الى الترويج الإقليمي أي الترويج للمنطقة ككل وعلى سبيل المثال »منطقة الخليج« بحيث تقدم للسائح كوجهة واحدة خصوصا ان شريحة كبيرة منهم ترغب في زيارة اكثر من دولة وهنا تبرز الحاجة للترويج والتسويق الإقليمي الذي يحتاج الى القرار السياسي الذي يعمل على ازالة كل العوائق امام انسياب تجارة السياحة«.
»الاهتمام بصناعة السياحة عدوى صحية بدأت تسري منذ فترة في أوصال المنطقة العربية خصوصا في منطقة الخليج التي ضخت استثمارات بأرقام مليارية لتنشيط صناعة السياحة وتعزيز البنى التحتية وقيام المشاريع العملاقة التي بدأت تشد انتباه السياح والمستثمرين على حد سواء«.
»المفهوم التقليدي للسياحة يمثل اليوم 5 الى 10 بالمئة فقط من توجه السائح الذي بدأ يتطلع إلى الفنادق الفاخرة والمطاعم ذات الجودة العالية والشواطئ النظيفة ومراكز التسوق الأمر الذي جسدته دبي حقيقة واقعة ونجحت فيه بامتياز«.
دبي ـــ علي الصمادي
