أثناء تجواله في أحياء مدينة تريم التاريخية بمحافظة حضرموت، عبر الفنان اللبناني مارسيل خليفة عن مشاعر لم يطلقها من قبل طيلة سنوات عمره، حيث قال:
إذا كان العرب هم من ينتمون في أصولهم إلى اليمن من أغابر الزمن، فإني .وبعد هذا التاريخ الطويل من الهجرة أعود في رحلة معاكسة إلى اليمن للبحث عن جذوري، ويمكن أن تطلقوا على هذا المشروع الذي قد ينتج عنه أغنية أو موسيقى تصور هذه الرحلة، جاءت هذه المشاعر .
وهو يتأمل بعمق المكان التاريخي والإنساني لليمن من خلال المعالم المدنية والاجتماعية التي تركت آثارها في كل منطقة من اليمن، وحضرموت التي زارها خليفة أخيراً (صادفت وجودي في اليمن)، حيث قرأت عباراته وهو ينظر بفخر واعتزاز للعمران الذي شيدته أيدي العمال الحضرمية منذ أكثر من 500 عام.
وأطلق عليها ناطحات السحاب قبل أن يعرف العالم ناطحات السحاب الحجرية، وبسؤاله عن الدوافع لزيارة هذه المنطقة وهو الذي اعتاد زيارة اليمن وإحياء الكثير من حفلاته على مسارح عدن، قال: لقد أتيت إلى اليمن منذ زمن بعيد .
وأحببت هذا البلد بعد ما تعرفت على كنوزه الثقافية والحضارية، والآن أعود إليه لأنني أحسست في داخلي أن هناك شيئا يجب أن أقدمه لليمن، وآمل أن يكون ذلك من خلال مشروع فني أصور فيه واقع الحياة في هذا البلد.
وعن طبيعة رحلته إلى اليمن قال مارسيل خليفة: هي زيارة كنت أعد لها من زمان، خاصة وأنني على علاقة متواصلة باليمن، فلي فيها ذكريات لا تنسى، أما زيارتي لمحافظة حضرموت ومشاهدة آثارها أقول الحق ،إنني اندهشت بهذا التراث الإنساني المتمثل بالعمران والأشكال الهندسية لبناء البيوت الشاهقة .
وليس بغريب ان نرى مثل هذه المعالم في ارض هي جزء من اليمن الكبير، ارض الحضارات والممالك والجذور العربية، لنقل في الأخير ان اليمن بالنسبة لي في غاية الإدهاش لم افقد في زياراتي المتعددة لها تلك الدهشة تماماً، مثل القبلة الأولى أو الحب الأول.
لقد تجولت ومشيت من أقصى البلاد إلى أقصاها وتحسست الثقافة الإنسانية التي تمتد جذورها عميقاً وتشمل العالم اجمع، الواقع لقد جئت إليكم لأتعلم من حضارتكم ومن تراثكم وثقافتكم، واليمن هي مهد الحضارات في وقت كان العالم يعيش في عصر من الظلمات.
وحول زياراته المتعددة لليمن، وكيف رآها آخر مرة، لخص مارسيل خليفة هذا الانطباع بهذه العبارات: عرفت اليمن كثيرا وأبحرت مع ثقافة أهله وسافرت كثيرا في تاريخه العميق، لكن زيارتي الأخيرة كشفت لي عن مواطن الجمال التي كنت اجهلها من قبل، هذا الجمال الصارخ في هذه الأرض الشاسعة أبهرني كثيراً.
وكنت لا أفرّق بين ما صنعه الإنسان من شواهد تاريخية وبين ما صنعته الطبيعة من وديان وجبال وسهول غناء، زرت حضرموت الوادي من شبام والحوطة وتريم ووادي دوعن والهجرين وخلية بقشان إلى المكلا وضواحيها الجميلة ومبانيها التاريخية، عشت في عشرة أيام دافئة بين أنقاضها، عدت إلى الماضي إلى ثلاثة آلاف سنة او أكثر، وقفت وقفة خشوع .
وتأمل وتوغلت في أعماق الروح أمام جلال التاريخ حد التلاشي، بكل بساطة اريد ان اصف حالة العشق هذه بواسطة الموسيقى التي سأكتبها وسيجسدها بالصورة صديقي المخرج الفرنسي بيير دوبوني وبمساهمة المؤسسات اليمنية المعنية والتي يهمها ان ترى مثل هذا العمل يخرج إلى النور، أيضاً بمساهمة إنتاجية من صديقي دينيس موريرس.
وعن فكرة هذا الموضوع وكيف خطرت على باله قال: في كل زيارة إلى اليمن اكتشف فيها الجديد، وفي كل زيارة تخطر على بالي أفكار عديدة، ويمكن القول إنني منذ أحببت اليمن.
وانا اسأل نفسي باستمرار ما الذي يمكن ان أقدمه لهذا البلد الأصيل، لكن زيارتي الأخيرة لحضرموت أشعلت في هذا الحماس وأيقظت مشروعا له أكثر من عام وأنا في تفكير حقيقي لكتابة موسيقية، لشيء يخص اليمن ، ولي في اليمن أصدقاء مهتمون بمثل هذا المشروع وهذا الاهتمام دفعني أكثر وأكثر لكي أنقذه، لذلك قمت بهذه الزيارة هذه المرة لكي أرى الواقع بأم عيني.
كما قمت بالتصوير لتسجيل بعض الملاحظات وبعض الصور، بالإضافة إلى اللقاءات مع الفنانين والشعراء والأدباء والناس في أماكنهم وقراهم ومدنهم، وأسعى من هذا المشروع الى تقديم قصيدة حب لليمن من خلال الموسيقى والصورة المعبرة والتي تنقل الحقيقة إلى الناس.
أخيراً حدثنا مارسيل خليفة عن موقعه الجديد كسفير للمحبة والسلام لدى اليونيسكو: هذه مسؤولية جديدة أضيفت لي، بمعنى الالتزام بقضايا الأطفال الموهوبين، وفي الحقيقة هناك جائزة في معهد ادوارد سعيد الموسيقي في رام الله وهي جائزة باسمي .
وهذه الجائزة تعطى للمتفوقين في الموسيقى، وأنا أتصور أن هذا مجال للجد والكد أكثر كي نبحث عن مواهب موجودة في كل الجغرافيا العربية، وعموماً أتمنى من الله أن يساعدني على تحمل هذه المسؤولية بالشكل الذي أراه مناسبا وان أكون فعلا قادراً على تجسيد قيم المحبة والسلام بمعانيها الصادقة.
عدن ـ جميل محسن:
