يستمر الآباء في دعم الأبناء مالياً واقتصادياً، حتى بعد بلوغهم الثلاثينات من العمر أحياناً. وليس هذا في منطقتنا العربية فقط، بل في أميركا أيضاً. والفرض الذي يقول إن الالتزامات المالية تجاه الأبناء تنتهي عقب تخرجهم، وانتهاء دراستهم ما هو إلا خدعة كبرى. الآن يجد الآباء أنفسهم ملتزمين مالياً بشكل أكبر

بل وتزداد أعباؤهم المالية تجاه الأبناء من ذكور وإناث حتى يستطيعوا الوقوف اقتصادياً على أقدامهم، وبتكاليف قد تكون أكبر مقارنة بما كانت عليه عندما كان الأبناء أطفالاً.

ونقلت صحيفة »نيويورك تايمز« عن أم جيسون مكجينس (23 سنة) التي تعمل نائب رئيس شركة زلوكور للعلاقات العامة في مانهاتن إن كل من تعرفهم يدعمون أبناءهم بطريقة ما. غير أن هؤلاء الأبناء يعيشون منفصلين عن آبائهم

لكنهم يحتاجون الى دعم مالي ليعيشوا مستوى الحياة الذي عاشوه في كنف الآباء ويعمل مكجينس محللاً إعلامياً ويحصل على 30 ألف دولار سنوياً، ويدفع إيجاراً شهرياً في غرفة يتقاسمها مع شريك في مانهاتن 1100 دولار.

وهو كأقرانه الذين أنهوا تعليمهم ووجدوا وظائف ويسكنون المدينة، يحصل على دعم مالي شهري وتدفع أمه نظير مكالماته التليفونية (300 دولار شهرياً). وقد تحدث كتابان أميركيان عن المعضلة الاقتصادية التي يعيشها الشباب: الأول بعنوان »دين الجيل« للكاتبة آنيا كامنتز،

والثاني »لماذا لا يستطيع شباب أميركا التقدم« للكاتبة ثمارا دروث عن ارتفاع تكاليف السكن والتعليم, حيث قالت دروث ان الطلاب يتخرجون من الكليات ويدين كل منهم بمتوسط 20 ألف دولار من القروض لسداد تكاليف التعليم،

أ ضف على ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن وغيرها, ورغم أن الضغوط الاقتصادية قد تكون شديدة في المدن الكبيرة مثل نيويورك، إلا أن الشباب في مناطق أخرى أيضا يشعرون بهذه الضغوط. وتقول الاحصاءات ان 34% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 سنة يتلقون مساعدات مالية من الآباء،

وفق دراسة أجراها معهد البحث الاجتماعي بجامعة ميشيجان، والمساعدة المالية هي جزء صغير من الصورة الأكبر، فالآباء يقدمون أيضا مساعدات في شكل ملابس وسيارات لمساعدة الأبناء على خفض الإنفاق من دخولهم.

ويقول بوب شويني أستاذ الاقتصاد بجامعة ميشيجان صاحب الدراسة المذكورة انه ليس هناك أي اشارات على تراجع هذه المساعدات، ومن المؤكد انها في ارتفاع خلال العقدين الماضيين.

والاباء أصحاب الدخل المتوسط أقل من 72600 دولار سنوياً يمكنهم انفاق 190980 دولارا على الطفل حتى سن 17 سنة، وفق الاحصاءات الحكومية لعام 2005. لكن الدكتور شويني يقول إن الآباء يمكنهم انفاق نحو 25% من هذا المبلغ خلال الـ 17 سنة التالية أو 42280 دولاراً حسب القيمة في عام 2005. وتشمل هذه المصروفات تكاليف التعليم وغيرها.

ويدفع الآباء 2323 دولاراً سنوياً لدعم الأبناء وهم في سن 25 ـــ 26 سنة كما يقول الدكتور شويني ونحو 1556 دولاراً سنوياً وهم في سن 33 ـــ 34 سنة. ونصف الأبناء بين 18 و34 سنة يحصلون على دعم مالي من الآباء في وقت ما من حياتهم وبشكل ما أيضا،

مثل توصيلهم للمنازل عقب الزيارة وتحمل تكاليف غسيل وكي الملابس والعناية بالأحفاد ولهذا كله قيمة مالية. وتتراوح ساعات الدعم بالجهد من الاباء للأبناء حول 367 ساعة سنوياً أو عمل متواصل لمدة 9 أسابيع.

ورغم ان البعض يقول ان مساعدات الآباء للأبناء تؤخر نضوج الابناء واعتمادهم على أنفسهم الا ان دراسة الدكتور شويني تقول ان طول مدة التعليم والبحث عن خيارات عملية أفضل وتأخير الزواج هي العوامل التي تؤخر الاعتماد على الذات. ويقول شويني ان الدعم من الآباء ليس سبب تأخر الاعتماد على الذات بل هو رد فعل له.

ويقول خبراء آخرون إن الشباب الذين يحصلون على دعم مادي من الآباء ينتقلون الى مرحلة النضج بسلاسة أكثر من الذين يعتمدون على أنفسهم. ويقول جيفري جنسن أرنت أخصائي علم النفس إن هذا قد يعني ان الأبناء ليسوا مضطرين لقبول أول وظيفة تصادفهم، فالدعم المالي يمكن الأبناء من اختيار العمل أو تغيير عمل براتب أقل للحصول على فرصة عمل أخرى أفضل والحفاظ على جودة الحياة.

وقالت ديزي برس المطربة إن كثيراً من الأشياء التي تركز عليها ذات قيمة كبيرة لمستقبلها لكنها لا تدر الربح. وقد انهت ديزي منذ 8 سنوات دراسة في سن 27 سنة، لأنها درست الموسيقى 4 سنوات في أحد المعاهد ثم تخصصت بشكل أعمق من خلال دراسة لأربع سنوات في كلية أخرى. وقالت: لولا الدعم المالي من أبويها ما استطاعت إكمال هذه الدراسات.

وقال رينولد والد ديزي وليندا والدتها، وهما يعملان في مجال الموسيقى أيضاً، إن أهم شيء بالنسبة لابنتهما أن تركز الآن على الدراسة، حيث يريدان لها أن تحصل على أفضل الفرص في حياتها العملية. ويقولان إنها ليست كسولة تريد الاعتماد على أبويها، لكنها دؤوبة وسجلت تقدماً جيداً في الدراسة وسيؤمن ذلك لها مستقبلاً عملياً جيداً.

وأخيراً، فإن غالبية الأبناء يأتي عليهم وقت يستغنون فيه عن دعم الآباء، لكن غريزة الآباء في العطاء والأبناء في الأخذ من الآباء يمكن أن تستمر لفترات أطول، ولذلك قررت إحدى الأمهات الأميركيات أن تدفع 16 دولاراً يومياً لوضع كلب ابنها في دار لرعاية الحيوانات عند سفر ابنها خارج المدينة، لأنه لا يستطيع أن يتحمّل هذا المبلغ وقد عهد إليها برعاية الكلب في غيابه.

ترجمة: أشرف رفيق