هل قد يصحّ أن يعتمد شيء صعب الإدراك كالحريّة ــ وربّما حتّى القدرة الأعمق للتحلّي بالإنسانيّة ــ على البيئة بطريقة ما؟ هل يُعقَل أن يؤثّر الشكل الفظّ للجدران، النوافذ، والطرقات بشيء قيّم سريع التأثّر كالحريّة، أو الكليّة، أو الإنسان؟ الأثر الذي أعنيه واسع إنّما حادّ ويشبه أثر بقايا العناصر في جسم الإنسان.

من المعروف أنّ لعدّة موادّ ــ نوع من الفيتامينات مثلاً، وحتّى، إلى درجة ما، نوع معيّن من المعادن ــ تأثيراً غير متجانس على صحّة جسم الإنسان، غير أنّها ضروريّة بكميّات قليلة بما أنّها تمكّن من بناء الأنزيمات المهمّة الضروريّة والسبب الذي يجعل هذه الموادّ المتبقيّة ضروريّة يعود إلى أنّ لها دوراً حفّازاً في عمليّات مختلفة.

ولتأثير هندسة بيئتنا ــ تأثير هيكليّتها الحيّة على هيكليّتها غير الحيّة ــ ما يشبه ذلك الأثر المتبقّي على انفعالاتنا، وتصرّفنا الاجتماعيّ، الروحيّ، والجسديّ. أليس ونستون تشرتشل (Winston Churchill) من قال: »إنّنا نكوّن لمبانينا شكلاً وهي تكوّن لنا شكلاً؟ ولكن كيف تُراها تؤثّر بنا؟ يغذّي النوع الصحيح من البيئة الفيزيائيّة، متى كانت لها هيكليّة حيّة، حريّة الروح عند الإنسان.

أمّا في النوع الخطأ منها، ذلك الذي يفتقر إلى هيكليّة حيّة، فيمكن أن تتدمّر حريّة الروح أو تُضعَف، قد لا يشكّ المرء إذاً في أنّ لهيكليّة العالم الفيزيائيّة، ولا سيّما عالم المباني حيثما نقضي معظم أوقاتنا، أثراً عظيماً فينا؛ قد لا يشكّ في أنّ ثروتنا، مستقبلنا وحتّى قدرتنا على العيش مرتبطة بعمق بوجود الهيكليّة الحيّة في العالم حولنا أو بغيابها عنه.

فالمبنى الذي يسبّب كلّ مشاعر الإرهاق الصغيرة بشأن شؤون عاديّة حتّى إنّ الناس لا يعود باستطاعتهم التركيز على ما يجدر القيام به؛ فإنّما هذا المبنى يقلّص الحريّة. والبيئة التي تدفع بشخص ما إلى التفكير بهوس في صورة البيئة فيما يتجاهل المشاعر اليوميّة والوقائع العمليّة؛ فإنّما هذه البيئة تقلّص الحريّة.

إذا ما نظرنا في أيّ مشروع سكنيّ تمّ بناؤه في مدننا العربيّة؛ لأيقنّا أنّ العائلات فيه لا تستطيع التعبير عن فرديّتها، فكلّ عائلة مختلفة، ولكن عندما يُقفَل على فرصة الفرد للنموّ في صندوق لا يسمح له إلاّ بتأدية الوظائف الطبيعيّة الأكثر بداهة (الطبخ، النوم، استعمال الحمّام)، فإنّ هذه الفرصة تتقلّص، بل تُحجَبُ.

منذ ثلاثين سنة مضت، صوّر المخرج »جان لوك غودار« (Jean-Luc Godard) فيلم رعب علميّاً، عنوانه (ALPHAVILLE)، حاول فيه أن يصوّر البرودة القاتلة والسكون المرعب لعالم مقبل خياليّ يتصرّف فيه الناس مثل إنسان آليّ. وفي فيلم واقعيّ صدر مؤخّراً لـ«إتوري سكولا« (Ettore Scola) بعنوان مذكّرات شاب فقير (Diary of a Poor Young Man)، يُسحق شاب ببطء بسبب سيطرة مشروع سكنيّ عامّ هائل متكرّر.

في كلتا الحالتين، تنطوي ردّة فعل كلّ منّا على بعض الرعب. ولكنّ البيئة العربيّة الخالية من الإنسانيّة وما تسبّبه فينا من شعور خال من الإنسانيّة ليسا من نسج الخيال، ليسا رواية خياليّة.

يمكننا بسهولة أن نعيد خلق ذلك الحسّ باليأس وفقدان الرجاء في قلوبنا، تلك الحقيقة المثبتة لعالم عقيم؛ كما لخَّصَه الفيلمان المذكوران. يمكننا الشعور بذلك في أنفسنا. فكلّما عبرنا مباني المكاتب الفارغة، كلّما عبرنا ذلك السكون الذي يلفّ الدور العلويّة الباعثة إلى اليأس في محلاّت التسوّق، أو غرفة فندق فارغة، خلا منها كلّ شيء إلاّ السرير والحمّام، والنوافذ التافهة والمطلّة على الطريق العام، أدركنا، عن خبرة، كم أنّ هذا اليأس حقيقيّ وكم أنّ هذا الجوّ لا يقوم إلاّ بالقليل القليل ليدعمنا ــ بل كيف أنّه يكاد يودي بنا إلى حافة اليأس.

فما نحتاج إليه هو بيئة تشجّعنا، بيئة تسمح لكلّ ميول الإنسان وقواه الداخليّة أن تنطلق بحريّة فيتمكّن من الاعتناء بذاته وبتطوّره. ما نحتاج إليه هو بيئة، بطابعها وهيكليّتها، شيء أقلّ تنظيماً بكثير بالمعنى السطحيّ ممّا نستطيع، نحن المهندسين، أن نتخيّله. ما نحتاج إليه هو بيئة تحرّرنا، وتوفّر لنا ذلك الجزء من الوجود الاجتماعيّ الذي يحمي أيضاً الذات ويشفيها.

ما نحتاج إليه هو بيئة عربيّة تميل فيها الهيكليّة الحيّة بسهولة أكبر إلى أن تصبح نابضة بالحياة.