قبل انقضاء عام على تسلمه المنصب، أعلن رئيس البنك الدولي بول وولفوتز، قبل أيام، الحرب على الفساد في الدول النامية التي تتلقى قروضاً من البنك الدولي، وتحدث عن استراتيجية «الحرب على الفساد» في أكثر من مناسبة، كان أولها في خطاب له في اندونيسيا في الحادي عشر من هذا الشهر.
حيث أعلن الحرب، وآخرها في مؤتمر صحافي مشترك الأحد الماضي مع رئيس صندوق النقد الدولي رودريغو دي ريتو ورئيس لجنة التنمية في البنك الدولي البرتو كراسكويلا، عقب انتهاء اجتماعات اللجنة.
وأكد وولفوتز ان مشكلة الفساد في الدول المتلقية للقروض وأغلبها فقيرة، مشكلة معقدة، والحرب عليها تحتاج إلى وسائل وأدوات عديدة، ولن تنتهي بسرعة، وستكون الحرب طويلة.
وأهم عنصر في استراتيجية هذه الحرب هو مساعدة البلدان المتلقية للقروض على بناء مؤسسات تمنع وقوع الفساد.
وولفوتز الذي كان قبل تسلمه رئاسة البنك الدولي، نائباً لوزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، يعد من أبرز مهندسي استراتيجية الحرب على العراق واحتلاله.
والتي يثبت الواقع، وهي تدخل عامها الرابع، وباعتراف جنرالات وقادة عسكريين مشهود لهم بالكفاءة انها كانت استراتيجية فاشلة، تصارع الإدارة الأميركية للخروج منها بأقل قدر من الخسائر، وتترك للعراقيين مسؤولية التعامل مع نتائجها الكارثية.
قبل ان تبدأ الحرب على الفساد، أثارت الدول الأوروبية الكثير من الشكوك والتساؤلات حول استراتيجية وولفوتز وحربه، ولاقت معارضة وتحفظات عدد من كبار مسؤولي البنك الدولي وخبراء الاقتصاد خارجه الذين اعترضوا على نهج إدارته منذ تسلمه المنصب.
وإحاطة نفسه بدائرة من المستشارين المقربين منه منذ زمن. ووصفوه بالغطرسة والتعالي، وعدم الأخذ برأي ومشورة الآخرين، مثل رئيسه السابق وزير الدفاع رامسفيلد.
وللرد على استياء دوائر البنك وكبار موظفيه من هذا الأسلوب، أعلن الأسبوع الماضي تعيين اثنين في منصبين إداريين كبيرين، أحدهما من نيوزيلندا والآخر من السلفادور.
لكن هذا لم يخفف من الشكوك والتحفظات والاعتراضات على حربه الجديدة. من الاعتراضات والتحفظات ان استراتيجيته ستصطدم مع سياسة البنك الدولي المتعلقة بإعطاء المزيد من سيطرة الدول المتلقية على التنمية فيها، ومن جانب آخر ستؤدي إلى مقاومة بعض الدول للاستراتيجية لأنها ستعتبرها تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية.
ومن التحفظات، التي تعترف بأن 20% من القروض للدول الفقيرة تذهب في قنوات الفساد، ان على البنك الدولي في استراتيجيته ان يسمى ويحدد الشركات التي تدفع الرشاوى الكبيرة حتى تفوز بعقود تنفيذ مشاريع التنمية في الدول المتلقية للقروض.
حيث تعتقد المنظمات غير الحكومية التي تراقب أنشطة البنك، أن الكثير من الشركات تمارس أسلوب الفساد والرشاوى. وتطلب هذه المنظمات بأن يكون لمنظمات المجتمع المدني دور أكبر وأوسع مراقبة لعملية الاقراض وتنفيذ المشاريع لتحقيق أكبر قدر من الشفافية والنزاهة.
ويقول المنتقدون والمتحفظون على حرب وولفوتز على الفساد، التي باشرها بتجميد عدد كبير من قروض البنك لدول متلقية، وهو إجراء غير عادي، ان وولفوتز لم يكتشف جديدا، فالبنك الدولي مدرك لهذه المشكلة، ويحاربها.
وقد شن الرئيس السابق للبنك جيمس ولفنسون حملة ضدها في العام 1996 ولا تزال مستمرة، ووضع قواعد لدور البنك في محاربة الفساد والتأكد من أن أموال القروض تصرف في الاتجاه الصحيح.
لكن وولفوتز باستراتيجيته يتجاوز دور البنك الدولي وصلاحياته، وان استراتيجيته تدفع البنك للتدخل في الشؤون الداخلية للدول المتلقية للقروض، مما يثير الكثير من المشاكل وقد يعرقل عملية التنمية برمتها.