يثير الحوار مع مدير عام «قناة الجزيرة للأطفال» محمود بوناب إشكالية قلما تتطرق إليها المؤتمرات والمنتديات الإعلامية العربية التي يتم تنظيمها على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والدولية، فهذه المنتديات غالباً ما تعقد تحت عناوين مثل الديمقراطية وحرية الإعلام أو دور الإعلام في الحوار الحضاري أو دور الإعلام في السلام العالمي، أو دوره في الارتقاء العربي.

أما النقطة المركزية التي يثيرها محمود بوناب فهي تعيد الأمور إلى جذورها وتطرح أهمية الاهتمام ببناء الإنسان العربي ودور الإعلام في بناء الكيان النفسي والاجتماعي للطفل العربي، بمعنى الالتفات الى المستقبل وعدم النظر الى الماضي القريب لأنه ليس ناصعاً، فقبل ان يتسلم بوناب الإدارة العامة لـ «قناة الجزيرة للأطفال» كان انساناً محبطاً، يفكر بالتقاعد المبكر.

حيث كان يعيش ويعمل في المؤسسة العامة السويسرية للإذاعة والتلفزيون في جنيف بلد التقاعد، إلا انه، وفق ما يعترف، جاءت فكرة العمل في إنشاء «قناة الجزيرة للأطفال» في قطر لتعيد إليه الأمل بالانسان العربي، ولتبث فيه مجدداً روح التحدي في سبيل العمل من أجل مستقبل عربي مشرق.

في الحوار الذي أجرته «البيان» معه، يوضح محمود بوناب ان «قناة الجزيرة للأطفال» كانت قبل ثلاث سنوات ونصف فكرة انبثقت عن الشيخة موزة المسند حرم أمير قطر ورئيسة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، تقضي بملء الفراغ الكبير في العالم العربي.

وفي الفضاء التلفزيوني العربي ببرامج مصورة ومصممة خصيصاً للطفل العربي بمفهوم مقتبس عن الكلمة الانجليزية baby entertainment أي التربية الترفيهية أو الترفيه التربوي».

يقول بوناب: الفكرة شكلت بالنسبة لي تحدياً كبيراً، أولاً لأنه لا توجد تجربة سابقة في هذا الجانب في العالم العربي ـ إلى جانب انه بين 160 الى 170 قناة عربية وغير عربية تغطي المنطقة العربية ليس هناك سوى 6 قنوات فقط موجهة الى الأطفال بمضمون نعرفه جميعاً، معرب ومدبلج بشكل سمج ولا يراعي اية خصوصية لا ثقافية ولا تربوية ولا نفسية ولا دينية بالنسبة للأطفال العرب.

* كيف انطلقتم في التحضيرات ومن أين؟

ـ بحكم الافتقار الى هذه التجربة كان من الضروري الاستفادة من تجارب الآخرين ولجأنا إلى شركة فرنسية مختصة تقوم بالانتاج أو التوزيع على العديد من القنوات، من بينها قنوات للأطفال، وأجرينا دراسة جدوي تواصلت سنتين تقريباً، وكان التنسيق والتشاور متواصلين مع مكتب الشيخة موزة المسند.

ومعها شخصياً لمعرفة التوجه الذي تأخذه الدراسة الى ان تم اعتمادها والمصادقة عليها، ثم دخلنا قبل سنة ونصف السنة في تنفيذ المشروع على المستوى اللوجستي وعلى مستوى الموارد البشرية وعلى مستوى شراء البرامج، إلى ان وفقنا الله واطلقنا القناة في يوم 9 سبتمبر 2005 باسلوب جديد ومبتكر.

ولكنه يظل ايضاً اختباراً بالنسبة لنا أمام المشاهدين، فهل هم سيكونون راضين عن هذا النمط من التلفزيون، ام ان الطفل سيحتاج الى فترة زمنية حتى يتخلص من ثقافته الحالية في مشاهدة التلفزيون والرسوم المتحركة العالمية ليتوجه نحو البرامج التي قد تفيده والتي قد تكون بمثابة إضافة الى المناهج المدرسية.

* مضى على انطلاق البث في «قناة الجزيرة للأطفال» ثمانية أشهر تقريباً، هل حددتم الى أي من الفئات العمرية تتوجهون في البرامج التي تبثونها اليوم؟

ـ القناة موجهة مبدئياً إلى الشرائح العمرية من سنتين أو ثلاث إلى سن الخامسة عشرة، لأنه بعد هذه السن نجد انفسنا أمام تلفزيون مراهقين، واحتياجات المراهق في المجال التلفزيوني تختلف عن احتياجات الطفل، أما شريحة الاطفال من سنتين إلى خمس عشرة، فتضم ثلاث فئات هي:

فئة ما قبل المدرسة (سنتان إلى خمس سنوات)، الفئة المدرسية (من ست إلى عشر سنوات)، وفئة ما قبل المراهقة (من عمر الحادية عشرة إلى الخامسة عشرة عاماً)، وهذه الفئة ربما ترفض أن نطلق عليها مصطلح الأطفال.

لقد توجهنا إلى هذه الشرائح العمرية ولكن من دون فصل الطفل عن محيطه الأسري والثقافي والاجتماعي، وفتحنا المجال أمامه للتعبير عن رأيه في برنامج حوار، والأمر غير المسبوق في ذلك، أننا نشرك أطفالاً في هذا الحوار من مختلف الجنسيات العربية ليطرحوا مواضيع مختلف تثير تساؤلات لديهم.

وهذه المواضيع قد تكون خفيفة أو دسمة تتراوح بين كيفية تقبل الطفل للتعليم الديني في المدارس وبين الحقيقة المدرسية، وما تشكله من عبء على صحة الطفل، وهو أمر مطروح على المستويين العربي والعالمي.

وهنا ينوه بوناب بالتعاون الذي تلقاه القناة من قبل وزارة التربية في قطر، لجهة تحفيز المدارس الوطنية ومدارس الجاليات العربية على المشاركة في برامجها الحيوية.

يقول بوناب: «القناة تبث 18 ساعة يومياً، من بينها 6 ساعات تتضمن برامج حصرية لم يسبق بثها باللغة العربية في المنطقة العربية، و3 ساعات منها تتضمن برامج من إنتاج «قناة الجزيرة للأطفال»، وهذه تعتبر نسبة عالية جداً وهي تشكل محور اختيارنا لجهة سرعة التنفيذ ولجهة صوابية خياراتنا».

* انطلاقاً من الخطة الإنتاجية للقناة، هل بالإمكان أن تحدد لنا أهداف «قناة الجزيرة للأطفال»؟

ـ كشعار، أستطيع أن أقول إن الهدف العام هو «تصميم برامج مدروسة بعناية لتقديمها إلى الطفل العربي لبناء مواطن عربي»، في التفاصيل يهمني أن أوضح أن الطفل هو جزء لا يتجزأ من المنظومة الاجتماعية .

وهو ليس بالضرورة ودائماً قاصر، فهو يفكر ويشعر ويحب ويكره وقد استنتجنا من المتابعة أن ما تقدمه الشاشات اليوم لا يتضمن المادة التي تساعد الطفل في الحصول على مفاتيح المعرفة بأسلوب تلفزيوني.

ونحن في الواقع لا نطمح لأن نكون مدرسة ولا مؤسسة، بقدر ما نطمح إلى أن نكمل على الأقل في مجال الثقافة العامة، النواقص التي ربما نجدها في المنظومة التعليمية، وهي نواقص كثيرة ولا داعي لطرحها لأنها تأخذ مجالاً أوسع مما تتيحه مقابلة إعلامية.

من أبرز أهدافنا التفصيلية أيضاً إيجاد مظلة تجمع الأطفال العرب تحت منظومة تلفزيونية، لأننا لا نتوقف عند القناة الحالية وعند الفئات العمرية المستهدفة بالبث اليوم، لأن التلفزيون الاجتماعي الهادف والمدروس، حتى لا نستعمل مصطلح الموجه وفق الخصوصيات الثقافية العربية، يجب أن يتطور في العالم العربي، ليقرب بين الأطفال العرب أولاً، وليقرب بينهم وبين الأطفال على الصعيد الدولي.

* المرحوم الدكتور هشام شرابي كتب في أحد مؤلفاته الاجتماعية أن التكوين النفسي والاجتماعي للطفل يتم في المرحلة الأولى من ولادته وحتى سن خمس سنوات، ماذا يمكن للقناة ان تقدم للطفل حتى هذه السن بما يخدم تكوينه النفسي والاجتماعي؟

ـ الحقيقة أنه مازالت لدينا نقطة ضعف نسبية في هذا الإطار لسبب واضح وبسيط أنه في الثقافة التلفزيونية العربية عندما نفكر بالأطفال في لحظة الولادة إلى عمر خمس سنوات، وهو عمر دخول المدرسة، فإننا نفكر دائماً بـ «الكرتون» أي الرسوم المتحركة.

وفي أن الطفل يجلس ويتسلى ويتفاعل مع التلفزيون فتستريح والدته لفترة من عبئه، وحين انطلقنا كان تركيزنا على الشرائح التلفزيونية الأكبر ليس تجاهلاً للأصغر،بل ان الشريحة الاكبر أسهل تعبيراً عن عمر التلفزيون.

وهناك طبعاً برنامج موجه لأطفال ما قبل المدرسة هو عبارة عن كتلة تلفزيونية تقدمها باكراً سلحفاة لطيفة ومؤدبة، وهي فقرات سليمة ولكنها غير كافية.

ما توقف عنده الراحل شرابي دقيق جداً ولكننا بحاجة إلى نفس طويل وإلى بعد نظر حتى نتوصل إلى الصيغ التلفزيونية التي تساهم في التعامل مع هذا الطفل على المستويات النفسية والاجتماعية، وعلى مستوى العلاقة مع والديه ومع محيطه ومازلنا في العالم العربي نفتقر إلى التجربة التلفزيونية في التعامل مع هذه الشريحة من الأطفال.

* بالنسبة للبرامج الموجهة إلى الشرائح ما بعد الدخول إلى الانتاج لعالم المدرسة، أي بين سن السادسة والخامسة عشرة، هل أوحت إليكم التجربة ببرامج غير تقليدية، وأية صعوبات تعترضكم في التنفيذ؟

* هناك نية في إنتاج «مجلة إخبارية»، ولا أخفيكم إننا نجد صعوبة كبيرة في الوصول إلى الصيغة التلفزيونية المقبولة لها، وكان يفترض إطلاقها مع بداية البث ولكنني لست راضياً حتى الآن عن كل التجارب الخاصة بها.

وهدفنا منها ليس تقديم الأخبار للطفل بقدر ما تهدف إلى توضح الأخبار له وتحفيزه أيضاً ليهتم بما يحصل عند أشقائه الأطفال العرب، أي تحفيزه على التواصل وعلى متابعة الخبر بأسلوبه وليس بأسلوب الكبار.

ما يهمني توضيحه ان الإنتاج لعالم الطفل عملية شائكة ولدينا أكثر من عشرة مشاريع إنتاجية عربية من بينها رسوم متحركة باسم «كليلة ودمنة» ومسلسل كبير باسم «بيتي العربي» يجسد العالم العربي من منظور طفولي اجتماعي، إضافة إلى ما يقارب 1600 تقرير تلفزيوني قصير سنوياً لدعم البرامج المحلية المختلفة.

وخارج الإنتاج الخاص فإن البرامج التي ننتقيها أو نشتريها من الخارج، أي البرامج الأجنبية التي نضطر إلى دبلجتها، تشكل عبئاً على القناة لأنه من الصعوبة جداً أن نجد برامج مناسبة ومصممة ومدروسة للطفل العربي في السوق التلفزيونية العالمية تتطابق مع احتياجات الشرائح العمرية التي نهتم بها.

وأحياناً قد لا نكون موفقين كثيراً في اختياراتنا، فنعمل دائماً على التنويع ونحاول الذهاب إلى اليابان وأوروبا الشرقية وروسيا وحتى إلى أميركا اللاتينية وإفريقيا إلى جانب الدول العربية طبعاً للحصول على البرامج المناسبة والأفضل.

* تهتمون بالجانب التربوي أو ما يشكل إضافة معرفية في الإنتاج الخاص، والإنتاج الأجنبي لا يتطابق بنسبة كبيرة، ألا يشكل الغياب عن تعزيز انتماء الطفل العربي الوطني والقومي، ثغرة؟

ـ الثغرة موجودة، وان كنا نتعامل معها كباراً فيجب أن نتعامل معها على مستوى الصغار، وان كنا نشكو اليوم من عقدة التعامل مع الآخر وتقدير الذات فان ما ينطبق على الكبار يجسده الصغار في سلوكياتهم وفي علاقاتهم، ولذلك فعلينا ان نبدأ بتربية الطفل على احترام الذات وتقدير النفس والإيمان بقدراته والتواصل مع الآخر العربي القريب.

وفتح نافذة على الآخر البعيد، حتى يدرك ان ما يقال عنا ليس بالضرورة صورتنا الحقيقية وان الطفل العربي لا يختلف عن الطفل السويدي أو الطفل الأميركي وانه قادر على الإنجاز لو توفرت له الظروف التي يتمتع بها الطفل في البلدان التي تعتني بشؤونه.

ان مسألة تقدير الذات جوهرية ومن هذا المنطلق اخترنا الطريق الأصعب المتمثلة في اعتماد اللغة العربية لغة تواصل في القناة وكان هذا الاختيار هو التحدي الأكبر في إيجاد صحافيين ومحررين وكتاب ومنتجين مع القناة بمضمون مدروس ومصمم بلغة الأطفال العربية.

وليس بالكتابة الصحافية التقليدية التي تعتمدها شركات الدبلجة، اللغة السليمة هي سبيلنا لأن يفهم الطفل نفسه ليحترمها وليحترم ثقافته وحضارته كمدخل ليفهم الآخر، والتعامل مع الطفل هو سبيلنا لتخفيف الإحباط الذي نعانيه نحن الكبار.

ولذلك فإنني أرى من منطلق تجربتي ان على العالم العربي ان ينظر إلى الغد وليس كثيراً إلى الأمس لأنه ليس ناصعاً وانا متأكدان الغد سوف يكون مشرقاً.

حوار: غسان الحبال