تعرض صالة كريستي للمزادات في نيويورك لوحة فنسنت فان جوخ التي تسمى »لارلزيين مدام جينو« التي قدرت سعرها بنحو 40 مليون دولار، لكنها تتوقع ان يكون سعر البيع النهائي أكبر من ذلك كثيراً. وتطرح كريستي هذه اللوحة في مزاد تنظمه في الثاني من مايو.

وقد احتفظت لوحة »وجه دكتور جاشيه« لفترة طويلة بالرقم القياسي حيث بيعت عام 1995 لرجل الأعمال الياباني روي ساتيو مقابل 86.5 مليون دولار. ولوحة »لارلزيين مدام جينو« لها علاقة وثيقة بحياة فان جوخ خلال الفترة التي اشترك فيها في السكن مع بول جوجان ومأساة مرضه العقلي. وشارك في رسم اللوحة بول جوجان، بل يكاد يكون رسمها كلها. وتوضح الصورة ماري جينو زوجة جوزيف مايكل جينو الذي كان يملك مقهى دي لاجاز في ميدان لامارتان، وفتح جينو هذا المقهى في عام 1888 قبل وصول فان جوخ بقليل الى بلدة آرل، وكان يقدم المشروبات والمأكولات لرواد محطة القطار القريبة منه. وكان فان جوخ يجلس في هذا المقهى من مايو حتى سبتمبر عام 1888 حيث كان قريباً من مرسمه في البيت الأصفر في البناية رقم 2 في لامارتان و رسم جوخ لوحة »مقهى الليل« في الأسبوع الثاني من سبتمبر، وقال عنه انه المكان الذي يمكن ان يدمر فيه الإنسان نفسه ويفقد عقله ويرتكب جرائم.

واستأجر فان جوخ البيت الأصفر في مايو لكنه لم يستطع فرش غرف النوم وكاد ينام بدون أثاث حتى بداية الخريف. وخلال تلك الفترة شاهد ماري جينو يومياً. وكانت اسرة جينو من الأصدقاء القلائل لفان جوخ وكان عندما يذهب لزيارتهم يلقي عليه الأطفال الخضروات الفاسدة. وتذكر قول ماري جينو اليهم عندما يكونوا أصدقاء لابد ان تدوم الصداقة فترة طويلة.

وعندما سكن جوخ في البيت الأبيض وبعد وصول جوجان، جلست ماري جينو لكي ترسم صورتها، وكان ذلك في نوفمبر 1888، وفي تلك الفترة رسم فان جوخ رائعته لارلزيين »محفوظة في متحف دورسيه« خلال ساعة واحدة، كما قال في أحد خطاباته وكان هذا انجازاً رائعاً، غير انه استغرق بالطبع ساعات يحدق في الموديل التي يرسمها قبل انجاز اللوحة.

وخلال تلك الساعة أو ما يقرب منها، رسم جوجان لوحة لنفسه وهو يجلس في مقهى كافيه الى لاجار بإسم »نايت كافيه«. ثم رسم فان جوخ بعد ذلك نخسة أخرى من لوحته لارلزيين كهدية، للموديل التي كان يرسمها، ثم ترك الموضوع لمدة نحو عام. وفي مطلع 1895 رسم خمس لوحات سريعة للسيدة جينو من لوحة جوجان، وتركها في البيت الأصفر عندما غادر المنزل على عجل، واستخدم فان جوخ لوحة جوجان ليبني عليها لعدة أسباب.

أولاً انه كان لا يستطيع ان يرسم بدون »موديل« والصور التي رسمها لماري جينو لم تعد بحوزته. كما ان استخدام لوحة جوجان كان نوعاً من التعاون بين الرجلين، وذكرى للفترة التي كان يقيما فيها معاً. وقال في رسالة الى جوجان ان هذه اللوحة »تنتمي اليك والي كرمز للأشهر التي عشناها سوياً«.

ومن ناحية أخرى مرضت ماري جينو بمرض غير معلوم في الوقت الذي أصيب فيه فان جوخ بالمرض النفسي وبلغ ذروته عندما قطع أذنه في أعياد الميلاد. وظلت جينو طريحة الفراش لفترات متقطعة بعد ذلك، وأصبحت جينو في وجدان فان جوخ توأم روحه.

وفي عام 1895 عندما رسم فان جوخ وجه ماري جينو من لوحات جوجان، كان يقرأ »كريسماس كارول« رواية تشارلز ديكنز ورواية كابينة انكل توم للكاتب هارليت بيتشر ستو خلال اقامته في مستشفى آرلز. وقال فنسنتب للسيدة ماري جينو ان الحظ سيطرق بابها وباب فان جوخ. واستخدم ديكنز ذلك في روايته »قصص أعياد الميلاد« التي تذكر بان ماري جينو وفان جوخ أصيبا بالمرض في أعياد الميلاد.

واللوحة التي ستباع في مزاد كريستي، التي رسم عام 1895 من أكثر اللوحات تفاؤلاً، والنسخ الأخرى المحفوظة في متاحف روما وساوباو وأوترلو بهولندا، تظهر ماري جينو ترتدي رداء أسود، لكن اللوحة التي ستباع في المزاد، هي الوحيدة التي ارتدت فيها جينو رداء أبيض، وطلاء الحائط من خلفها مزين بالازهار. وامتلكت عائلة بوكين في نيويورك هذه اللوحة منذ عام 1929. وكانت تلك اللوحة التي اهداها فان جوخ الى جوجان رمزاً لصداقتهما.

وواصل فنسنت الكتابة الى أصدقائه في أرلز وهم عائلة جينو، حتى انتحاره في يونيو 1895. ولم يكتشف فنسنت أبدا ان جوزيف ميشيل جينو كان من الموقعين على التماس مقدم الى محافظ أرلز في فبراير 1889 يطلب بحجز الفنان في مستشفى للأمراض العقلية لخطره على الناس.

ولم يعرف فنسنت ان جينو كان بين خمسة شهود قدموا الدليل ضده للشرطة، وتسببت تلك الفترة معاناة شديدة وغضب لفان جوخ وكانت سبباً في ان يلجأ الى مستشفى الأمراض العقلية ليتوارى فيها. وخرج جوخ في فبراير 1895 من المستشفى وعاد الى أرلز ومعه إحدى لوحاته الخمس لمدام جينو ليقدمها هدية إليها، لكنه قبل ان يصل الى المقهى هاجمته أزمة المرض وفقد الصورة.

ترجمة: أشرف رفيق