يلاحظ أن هناك إقبالا من المستثمرين الخليجيين بوجه عام على الاستثمار في الهند، وذلك في ضوء التقارير الاقتصادية المتفائلة التي أعدت مؤخرا عن اقتصاديات الهند وزيادة معدلات التنمية الاقتصادية بها، وهو ما تمت بشأنه مناقشات واسعة في المنتدى الاقتصادي الذي تم بدافوس منذ شهور قليلة والذي تزامن مع زيارة الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود وعدد كبير من المستثمرين العرب إلى كل من الصين والهند، بالإضافة إلى الصفقات التجارية والاتفاقيات الاستثمارية التي بدأت بعض الدول الخليجية تستعد لإبرامها مع الهند.

ولاشك ان الهند وهي دولة معتدلة على مدى النصف قرن الماضي، كانت من أوائل الدول التي انضمت إلى صندوق النقد الدولي وامتثلت للعمل بالنظام النقدي العالمي السائد منذ عام 1945 والذي يحدد العلاقات النقدية والاستثمارية بين الدول المختلفة، مركزة على أهمية القواعد النقدية التي توضح كيفية إجراء التحويلات الرأسمالية والمعاملات التجارية مع الدول الأجنبية، بما فيها تحديد سعر صرف الروبية الهندية التي تبذل السلطات النقدية الهندية مجهودات كبيرة في طريقة تحديدها حتى لا تأتي أقل أو أكبر من القيمة الحقيقية لها، وبالتالي تؤدي إلى كسب أو خسارة نقدية سواء بالنسبة للهند أو للمستثمرين الذين يتعاملون مع الهند.

ومن هنا فإن المستثمر الخليجي الذي يرغب في توجيه استثماراته إلى الهند عليه ان يكون على دراية كاملة بكيفية تحديد سعر صرف الروبية الهندية والقيود النقدية التي تنظم التحويلات الرأسمالية من والى الهند والتي تعطيها الهند أهمية كبيرة خاصة بعد أزمات دول جنوب شرق آسيا، وهي الأزمات التي كان السبب الأول في حدوثها عدم تنظيم التحويلات الرأسمالية وتركها تتحرك بحرية كاملة من والى هذه الدول في ضوء تشجيع صندوق النقد الدولي على هذا الوضع بالرغم من خروجه عن اتفاقيته التي تطالب الدول الأعضاء بتنظيم التحركات الرأسمالية منعا لنشوب أزمات اقتصادية إذا لم توضع القيود أو التنظيمات التي تحمي اقتصاديات الدولة.

أقول ان الهند تعتبر من أولى الدول التي تتفهم مسيرة النظام النقدي العالمي وتمتثل إلى قواعد صندوق النقد الدولي، ولذلك فهي لم تعلن حرية تحويل الروبية الهندية بالكامل حتى الآن، بينما تحاول ذلك منذ أوائل العقد الماضي، حيث يحاول وزير ماليتها منذ ذلك الوقت- ضمن سياسته الانفتاحية على العالم ـ جعل الروبية الهندية قابلة للتحويل الكامل، وقد بدأ بتحريرها جزئيا في مجال التجارة والمعاملات غير المنظورة، غير أنه لم يستطع ذلك حتى الآن بالنسبة للمعاملات الرأسمالية.

ومنذ أسابيع قليلة وبالتحديد في 20 مارس الماضي، أعلن بنك الاحتياط الهندي عن تشكيل لجنة لمراجعة تنظيم إلغاء القيود على المعاملات الرأسمالية، وهو الإجراء الذي بدأ العمل به منذ أواخر التسعينات ولكنه تأخر نتيجة قيام الأزمات النقدية في دول جنوب شرق آسيا، حيث كانت حرية التحركات الرأسمالية من والى هذه الدول من أهم أسباب هذه الأزمة لعدم تنظيمها بما يتفق مع الوضع الاقتصادي العام لهذه الدول، وبالتالي تأخرت إجراءات التمهيد بتحرير المعاملات الرأسمالية في الهند حتى شهر مارس الماضي، ثم بدأ تفعيلها من جديد.

ويهمني ان أوضح بهذه المناسبة ان إلغاء القيود على التحويلات الرأسمالية غير ملزم وفقا لاتفاقية الصندوق، ما لم يصل الوضع الاقتصادي العام إلى مستوى من التقدم الذي يعطي القدر المناسب لدخل الفرد الحقيقي في الدولة، وحتى يمكن ان يعيش جميع المواطنين في الدولة دون افتقار لوسائل المعيشة الضرورية و المناسبة لحياة الإنسان، وهي فلسفة النظام النقدي العالمي الذي يتجاهله صندوق النقد الدولي - الآلية التنفيذية له!! خاصة وقد ثبت بالفعل ان خروج رؤوس الأموال دون قيد أو شرط من الدول التي واجهت أزمات نقدية في آسيا وفي أميركا اللاتينية وفي شرق أوروبا، ثبت ان هذه الأزمات كانت نتيجة للهجرة السريعة لرؤوس الأموال ومن أصحابها الذين شعروا بقرب حدوث الأزمة.

ومن هنا فعندما حدثت أزمات دول جنوب شرق آسيا في عام 1997 أعلن (تشيدام بارام) وهو وزير مالية الهند منذ ذلك الوقت ان تحرير المعاملات الرأسمالية وان كانت هدفا يسعى إليه، إلا أن المناخ الاقتصادي العام في شرق وجنوب شرق آسيا يلزم بعدم تنفيذه في الوقت الراهن، وقام بتشكيل لجنة من خبراء البنك المركزي لبحث كيفية تحقيق هذا الهدف على مراحل.

وهذه اللجنة مازالت تعمل حتى الآن في ضوء الوضع الاقتصادي المحلي والإقليمي والدولي وبنفس تشكيلها الذي تم منذ ذلك الوقت، وقد أضيف إليها مهمة بحث إمكانية إعلان حرية تحويل الروبية الهندية طبقا للمادة الثامنة من اتفاقية صندوق النقد الدولي.

ويلاحظ ان أغلب أعضاء هذه اللجنة ومنهم الاقتصادي الهندي المعروف (سور جيت بها للا) يرون ان تحرير المعاملات الرأسمالية وتحرير سعر صرف الروبية الهندية سيؤديان إلى تحويل الهند إلى مركز مالي إقليمي وإلى زيادة معدل النمو الاقتصادي الذي أصبح يزيد على 5,8% وهو ما يمكن ان يتم خلال شهور قليلة بعد تنفيذ عدة إجراءات منها السيطرة على التضخم ، واحتواء عجز الموازنة الحكومية، وتطوير وتقوية النظام المالي الهندي، وذلك مع مراقبة اتجاهات ميزان المدفوعات الهندي وتعزيز احتياطيات الهند من النقد الأجنبي.

وتقوم اللجنة المذكورة بمتابعة تحقيق هذه البنود خلال الشهور الحالية، خاصة بالنسبة لاتجاهات ميزان المدفوعات الذي عاد يظهر عجزا خلال السنة الأخيرة بعد فائض استمر ثلاث سنوات متتالية، وقد وصل العجز إلى 6,4% من إجمالي الناتج المحلي في الربع الثالث من العام الماضي.

وهو ما جعل الهند تعتمد بشكل أكبر على حركة رؤوس الأموال الساخنة، وان كانت قد ساعدت على وقوع الأزمات النقدية في دول جنوب شرق اسيا، فإن ارتفاع الاحتياطي النقدي للهند والذي كان 137 مليار دولار أميركي منذ سنتين وتزايد بمقدار50 مليار دولار أميركي في العام الماضي، وهو ما يجعل احتمال وقوع أزمة نقدية في الهند احتمالا ضئيلا في ضوء ضخامة هذا الاحتياطي النقدي.

وفي مارس الماضي طلب رئيس الوزراء الهندي(ما نموهان سيبج) من بنك الاحتياط الهندي «البنك المركزي الهندي» دراسة قضية التحرير الكامل للروبية الهندية وإلغاء القيود على المعاملات الرأسمالية ووضع ضوابط مناسبة لإجراء هذه المعاملات من والى الهند، وعلى أن تنتهي اللجنة من مهامها في نهاية يوليو القادم، وهو ما يتعين على المستثمرين الخليجيين متابعته قبل تحويل رؤوس أموال كبيرة إلى الهند حتى يكونوا على بينة مما سيتم مستقبلا سواء بالنسبة لسعر صرف الروبية الهندية أو بالنسبة لمدى حرية إجراء التحويلات الرأسمالية.

فبالنسبة لسعر صرف الروبية الهندية، فإن أهميته تظهر في ناحيتين، الأولى عند إجراء تحويلات الارباح الناتجة من المشروعات التي يقوم بها المستثمرون، أما الثانية فتظهر عند تحويل رأس المال، فإذا كان الدولار الأميركي يساوي 40 روبية هندية عند تحويل رأس المال إلى الهند،ثم تغير السعر عند استرداد هذا المال وأصبح يساوي 45 روبية.

وبفرض أن رأس المال المحول يبلغ مئة مليون دولار أميركي، فانه في حالة استرداده تكون هناك خسارة نقدية قدرها (5 روبيات x 100 مليون دولار أميركي) أي حوالي 500 مليون روبية هندية (حوالي عشرة ملايين دولار أميركي) ويحدث ذلك أيضا عند تحويل الأرباح فكلما انخفض سعر صرف الروبية الهندية انخفضت قيمة الأرباح التي يتم تحويلها بنفس النسبة، والعكس صحيح.

أما بالنسبة للتحويلات الرأسمالية فان أهمية التعرف على قواعدها النقدية تظهر عند منع أجراء هذه التحويلات لسبب أو لآخر، وعند تجميدها لسبب أو لآخر، علما بأن هذه الأسباب قد تكون سياسية أو عسكرية أو حتى دينية، وهو ما يحدث حاليا في بعض الدول الغربية بالنسبة لرؤوس الأموال العربية أو الإسلامية التي يتهمونها بتشجيع الإرهاب ومع جنسيات عربية متهمة حاليا بأنها خططت أو اشتركت في أحداث الحادي عشر من سبتمبر!!.

ان دراسة القواعد النقدية في مجال الرقابة على النقد ـ بالنسبة للتحويلات التجارية والمدفوعات غير المنظورة والمعاملات الرأسمالية وتحديد سعر الصرف، هو أمر أصبح على جانب كبير من الأهمية وعلى أن يتم عن طريق خبراء متخصصين قبل أن يفكر المستثمر الخليجي في الاستثمار في الهند أو في الصين أو في أي دولة أسيوية أو أجنبية أخرى، وان كان هذا الأمر لم يكن على نفس الأهمية في الماضي، فقد أصبحنا اليوم في عالم جديد و متغير في أفكاره وفي فلسفته ـ حيث احتدم الخصام وتزايد الصدام وتغيرت الإيديولوجيات.

مستشار وكاتب اقتصادي مصري