يقدر الخبراء المعدل السنوي لنمو أنشطة المصارف الإسلامية في مختلف أنحاء العالم بنحو 15% سنوياً، وهو نمو أعلى من نمو المصارف التجارية الذي يقل عن 10%. وتمتلك المصارف الإسلامية أصولاً وصلت في نهاية العام الماضي إلى نحو 300 مليار دولار، ومن المتوقع وصول حجم أصول المصارف الإسلامية خلال السنوات السبع المقبلة إلى نحو 8. 1 تريليون دولار. وتتواجد نحو 300 مؤسسة مصرفية إسلامية حالياً في أكثر من 48 بلداً.
وتم مؤخراً تشكيل مجلس موحد في ماليزيا لمناقشة ووضع السياسات والأساليب والطرق لتحديد مقياس واحد لتوحيد مرجعية الهيئات التشريعية. ووفقاً لتقارير ودراسات علمية من المتوقع أن تدير المصارف الإسلامية نحو 50% من إجمالي مدخرات العالم الإسلامي خلال السنوات العشر المقبلة.
ووفقاً لبيانات تضمنتها ورقة ألقاها الدكتور عز الدين خوجة الأمين العام للمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، خلال مؤتمر حول المصارف الإسلامية عقد بالعاصمة السورية دمشق مؤخراً، فإن حجم موجودات البنوك الإسلامية ارتفع بنسبة 24%في المتوسط سنويا خلال السنوات العشر الماضية.
وأكد خوجة أن طفرة كبيرة حدثت في نمو أنشطة البنوك الإسلامية بعد هجمات سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة .وأوضح انه بعد أن كانت رؤوس أموال تلك البنوك تتراوح بين 40 مليونا و70 مليون دولار ارتفع بعضها إلى أكثر من مليار دولار.
ورأى خوجة أن نجاح البنوك الإسلامية تحقق عن طريق رفع شعار المشاركة في الربح والخسارة وتعزيز المبادئ الإسلامية، إضافة إلى التطور الذي حدث في مجال التشريعات والمعايير.
وبعد أن كانت المصارف الإسلامية تركز في السابق على إثبات وجودها تحولت مساعيها حالياً إلى تحسين جودة الخدمات والسعي وراء التخصص وابتكار منتجات جديدة بتكلفة أقل وتوفير فرص ومزايا تنافس أقوى.
إقبال متزايد
وتماشياً مع التطور الملحوظ الذي يشهده قطاع الخدمات المالية الإسلامية اتجهت العديد من المصارف التقليدية العريقة مثل «اتش أس بي سي» و«سيتي بنك» وغيرهما لفتح مجالات للتعامل المصرفي والاستثماري وفقاً لأسس وضوابط العمل المصرفي الإسلامي. وطرح بنك «كلينورت بنسون» و«تشيس منهاتن» منتج المرابحة، كما قامت مؤسستا فريدي ماك، وفاني ماي بتسنيد قروض سكنية إسلامية.
وفي ظل الطلب المتزايد على خدماتها تحولت المصارف الإسلامية إلى ركيزة أساسية في القطاع المالي في العالم العربي والإسلامي، حيث بات هنالك تواجد ملحوظ لمصارف ومؤسسات التمويل الإسلامي في الكثير من الدول العربية، كما اتجهت دول عربية أخرى لم تكن تشهد مثل ذلك التواجد من قبل مثل سوريا لفتح المجال أمام المؤسسات المصرفية الإسلامية للاستثمار في قطاعها المصرفي.
ودخلت البنوك الإسلامية بقوة في مجال التمويلات التجارية، وفي هذا الإطار قال تقرير صادر عن البنك الإسلامي للتنمية إن البنك قام خلال السنوات الثلاث الماضية بتمويل صادرات في إطار التجارة البينية بين الدول الإسلامية بمعدل سنوي يقدر بنحو 2. 5 مليارات دولار.
ويطالب الخبراء الهيئات المسؤولة عن المصارف الإسلامية بضرورة الإسراع بابتكار وتطوير منتجات وخدمات إسلامية جديدة ليس فقط لمقابلة احتياجات العملاء، ولكن أيضا لتوسيع وتنويع مجالات أعمالها بما يدعم مراكزها المالية وفرصها في البقاء والنمو والمنافسة.
واستوجب التطور الكمي والنوعي ضرورة تطوير أدوات إسلامية صالحة للتطبيق ليس فقط محليا ولكن على المستوى العالمي. وبدأت المصارف الإسلامية بالفعل خطوات مهمة في هذا الاتجاه من خلال هيئة المحاسبة المالية للمؤسسات الإسلامية ومجلس الخدمات المالية الإسلامية وهو ما يمكن أن يساهم في تطوير أدوات لتطوير أسواق مالية متطورة تفي باحتياجات التنمية الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية وتشجع المؤسسات المالية الإسلامية على زيادة الشفافية والإفصاح عن نتائجها المالية.
عقبات إجرائية وعملية
على الرغم من التطور الملحوظ الذي تشهده الخدمات المالية الإسلامية إلا أن حجمها ما زال محدوداً مقارنة بالصناعة التقليدية، حيث لا تتجاوز حصتها 30% من السوق المحلي الخليجي على سبيل المثال. وتواجه المصارف الإسلامية العديد من العقبات ،إذ أن البنوك المركزية في الكثير من الدول تتبع نظاما واحدا للتعامل مع البنوك العاملة تحت رايتها دون تفريق بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية،
الأمر الذي لا يسمح لها بالتنافس مع البنوك التقليدية، كما أن المصارف الإسلامية تحتاج إلى كوادر بشرية تجمع بين العمل الفني والقناعة بالعمل المصرفي الإسلامي، ويتوقف نجاحها على مدى قدرتها على استقطاب الكوادر البشرية المؤهلة والمدربة. ومن المشكلات الأخرى التي تواجهها المصارف غياب النظم الرقابية المناسبة لطبيعة أنشطتها وضعف وندرة الموارد البشرية ومحدودية المنتجات الإسلامية واختلاف معايير التطبيق بين المصارف الإسلامية، وضعف أو عدم وجود أسواق مال متطورة، والتخوف من توفير الشفافية والإفصاح وعدم توجيه المعايير المحاسبية.
ومن أكبر المشكلات الشائعة في المصارف الإسلامية، مشكلة عدم التوازن بين الموارد واستخدامات السيولة بحيث يتمثل التحدي الحقيقي في ضمان عدم وجود سيولة غير مستثمرة. ويشكل اختلال التوازن ظاهرة ومشكلة كبيرة. وعادة يحدث الاختلال إذا زادت السيولة المتاحة للمصرف عن فرص استخدام هذه السيولة مما يستوجب وجود أدوات وصيغ لاستخدام فائض السيولة.
وتقود هذه المشكلة إلى طرح قضية إعادة هيكلة المصارف الإسلامية وإيجاد خطة استراتيجية لإدارة السيولة ولجنة متخصصة، وضرورة هيكلة المصرف إدارياً وإعادة تنظيم إدارته، واستحداث أوعية مختلفة حسب مدة الودائع من دون استثمار الجميع في وعاء واحد وإعطاء أوزان أكبر حسب مدة الوديعة ومبلغها وطريقة توزيع أرباحها.
وهنا لا بد من التعاون بين المؤسسات المالية الإسلامية عن طريق تبادل الودائع أو القروض بعملة واحدة أو بعملات مختلفة، وإنشاء مصرف مركزي للمصارف الإسلامية.
تنويع قنوات الاستثمار
دعا خبراء شاركوا في مؤتمر حول العمل المصرفي الإسلامي عقد بدمشق مؤخراً الدول العربية والإسلامية إلى إعطاء الاقتصاد المرتكز على الأسس الإسلامية مكانة أكبر في الجامعات ومراكز الدراسات والمؤتمرات والندوات والأنظمة والقوانين والعمل على نشره نظريا وتطبيقيا.
وأكدت توصيات الخبراء على تميز العمل المصرفي الإسلامي واستناده في الأسس وصيغ وأساليب التمويل والاستثمار بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية والتأكيد على أهمية النموذج المصرفي الإسلامي في تنمية مجتمعات الدول الإسلامية. وشددوا على الالتزام بتجنب المكاسب والأموال الناتجة عن أسباب غير مشروعة، كالمخدرات وجرائم التزوير والرشوة وغيرها مع التأكيد على مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
وطالبت التوصيات بتعزيز الرقابة الشرعية وتفعيل دور المدقق الشرعي الداخلي في متابعة الأعمال التنفيذية للبنوك الإسلامية ومراقبة مدى مطابقتها للمعايير المحاسبية والشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بالتعاون مع الجهات الرقابية والإشرافية مثل البنوك المركزية ومؤسسات النقد.
وركزت التوصيات كذلك على ضرورة الاهتمام بصناديق الاستثمار المتوافقة مع الشريعة الإسلامية باعتبارها أداة أساسية في استقطاب الموارد من جمهور المستثمرين وأداة رئيسية في حشد موارد الدولة والمؤسسات العامة وبديل مناسب عن السندات التقليدية، حيث أكدت الصكوك والصناديق الاستثمارية الإسلامية نجاحها من خلال الإصدارات العديدة التي تمت في عدد من الدول مثل :البحرين وقطر وماليزيا وباكستان وألمانيا وغيرها من الدول.
ومن بين أهم توصيات الخبراء أيضاً السعي نحو التوسع في صيغ الاستثمار والتمويل لجميع القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية والعقارية والسياحية، إضافة إلى إدخال نموذج التأمين وإعادة التأمين الإسلامي في المجتمعات العربية والإسلامية والتركيز على آلياتها المتميزة في إدارة الوثائق التأمينية واستخدام الطرق المشروعة في استثمار موجودات حملة الوثائق.
25% نمو سوق الصكوك الإسلامية خلال 7 سنوات
أوضح تقرير صدر مؤخراً أن سوق الصكوك والسندات والصناديق الإسلامية شهد نمواً كبيراً خلال السنوات الماضية. وتوقع التقرير أن تنمو صناديق الأسهم الإسلامية التي تقدر قيمتها حالياً بنحو 4 مليارات دولار، بنسبة 25 في المئة خلال السنوات السبع المقبلة. وارتفعت قيمة إصدارات الصكوك الإسلامية في العالم إلى أكثر من 20 مليار دولار بسبب الإقبال الكبير عليها من قبل الشركات والمؤسسات في المنطقة باعتبارها أداة تمويل مضمونة ومقبولة لدى الكثير من المستثمرين.
وكان مركز إدارة السيولة المالية ومقره البحرين قد أعلن في وقت سابق أن حجم الصكوك الإسلامية التي أصدرها حتى الآن وصل إلى أكثر من مليار دولار تم استثمارها في مشروعات حيوية. لكن الكثير من المحللين يعتبرون أن سوق السندات والصكوك الإسلامية لا تزال صغيرة بالمقارنة مع حجم السيولة الكبير المتوفر في الدول الإسلامية بشكل عام والعربية على وجه الخصوص.
وتشير التوقعات إلى ان إصدار السندات في المنطقة في المدى المنظور يمكن ان يكتسب زخما في ظل التطور الكبير الذي تشهده أنشطة المصدرين في دول المنطقة. كما اكتسبت السندات والصكوك الإسلامية أهمية كبيرة لدى البنوك.
وقد ساهم الأداء الاقتصادي القوي في دول مجلس التعاون الخليجي في نمو أسواق الأوراق الإسلامية بشكل ظاهر خلال الفترة الأخيرة. ومن المتوقع أن تنعكس مداخيل النفط الضخمة إيجاباً على أداء القطاع، حيث سيؤدي ذلك إلى بروز العديد من المشروعات الاستثمارية العملاقة.
ويقدر الخبراء متطلبات تمويل المشاريع بدول المنطقة خلال السنوات الخمس المقبلة بنحو 300 مليار دولار، الأمر الذي سيوفر فرصاً كبيرة أمام عمليات إصدار الصكوك والسندات الإسلامية.
وأنجزت البنوك الإسلامية في المنطقة وخارجها عمليات استثمارية ضخمة خلال العامين الماضيين. وأعلن بنك دبي الإسلامي أنه سيطلق بالتعاون مع (دبي العالمية) مجموعة من صناديق المساهمات الاستثمارية الخاصة بقيمة 5 مليارات دولار تهدف إلى الاستثمار في تعاملات استراتيجية على المستوى العالمي.
ومن المتوقع أن يفتح هذا المشروع المشترك المجال واسعاً أمام المستثمرين للمشاركة في عمليات استراتيجية ذات ربحية عالية في القطاعات التي يختارونها. وتتضمن مجموعة الصناديق الاستثمارية، التي سيتم طرحها خلال الـ 18 شهراً المقبلة، 7 صناديق تغطي قطاعات الطاقة، والمؤسسات المالية، والبنية التحتية، والعقارات، والصحة والتعليم، والصناعات العامة، بالإضافة إلى صندوق مخصص لقطاع التكنولوجيا والإعلام والاتصالات.
وكان بنك الاستثمار الإسلامي الأول أحد أكبر البنوك الاستثمارية في البحرين، قد أعلن أنه أنجز نحو 31 صفقة استثمارية زادت قيمتها الاجمالية على 6 مليارات دولار. وشرعت وكالة الاستثمار الحكومية الماليزية في طرح أول سندات إسلامية قابلة للتحويل الى أسهم في العالم مما يدعم مساعيها لكي تصبح مركزا للتمويل الإسلامي. وتشهد المعاملات المصرفية الإسلامية نموا سريعا. وتنمو الأصول المصرفية الإسلامية في ماليزيا بمتوسط 18 بالمئة سنويا منذ عام 2000 ويقدر حجمها حالياً بنحو 25 مليار دولار.
تحولات كبيرة في أنشطة مصارف الدولة الأربعة
نما قطاع المصارف الإسلامية بالدولة بمعدل 10% خلال السنوات الخمس الماضية. واعتمدت المصارف الإسلامية الأربعة بالدولة وهي: دبي الإسلامي، الشارقة الإسلامي، أبوظبي الإسلامي والإمارات الإسلامي على قدرتها على التنافس وتطوير عملياتها وأظهرت أداء قويا خلال 2005، بالرغم من حداثة تحويل نشاط مصرفي الشارقة والإمارات إلى النشاط الإسلامي.
وتسعى البنوك الإسلامية إلى الاستفادة من النمو المتزايد في الطلب على الصكوك الإسلامية كواحدة من أدوات التمويل الإسلامية التي تشهد إقبالاً واسعا في مختلف دول العالم، والمساهمة في تطويرها في ظل تزايد الإقبال عليها في السوق الثانوية، وهو ما يوفر فرصا مميزة للمستثمرين والمصدرين على حد سواء.
وقد قاد بنك دبي الإسلامي بنجاح مؤخراً صكوك موانئ دبي ،واستطاع جمع أكثر من 4 مليارات دولار متخطيا الاكتتاب بنسبة أكثر من 100% كما قاد قبلها أول إصدار للصكوك الإسلامية الحكومية في باكستان والبالغة قيمته 600 مليون دولار والذي شارك بنك دبي الإسلامي في إدارته، وشهد إقبالاً كبيراً من المستثمرين فاق التوقعات، حيث أغلق الاكتتاب عند 2,1 مليار دولار.
وعزز هذا الإصدار من موقع بنك دبي الإسلامي. كما أعلن مصرف الإمارات الإسلامي عن إطلاق عدة منتجات جديدة تلبي احتياجات العملاء في كل المجالات بما في ذلك المحافظ الاستثمارية في سوق المال وفي السوق العقارية.
وشملت هذه التمويلات حتى الآن عقوداً في اندونيسيا وتركيا وسنغافورة والكويت وسيواصل المصرف نشاطه في هذا المجال من خلال تمويلات جديدة في بعض دول الخليج والدول العربية ودول أخرى، بالإضافة إلى عمليات التمويل داخل الدولة علماً أن التمويل يشمل كل القطاعات التي تتوافر فيها فرص جديدة.
ومع تنامي الطلب على الخدمات المصرفية الإسلامية الذي دفع البنوك التقليدية إلى تقديم هذه الخدمات، شهدت المصارف الإسلامية تطوراً كبيراً في السنوات الماضية، حيث أصبحت هذه الخدمات التي تقدمها المصارف أكثر تنوعاً الآن من الخدمات المقدمة من المصارف التقليدية ،وبالتالي أصبحت لدى المصارف الإسلامية منافذ للتمويل تستوعب الموارد التي لديها ولم تعد تعاني من فائض في الموارد كما كان الحال عند انطلاق العمل المصرفي الإسلامي.
دبي ـ «مشهد البيان»
