برغم ان آسيا من أسرع المناطق نمواً في العالم فإن أسواقها المالية وبنيتها الرأسمالية مفككة ومفتتة وهي تختلف عن كل من أميركا وأوروبا في أنها توفر للمستثمر الأجنبي محطة للتوقف مرة واحدة.
فالشركات والمستثمرون يبحثون عن مركز مالي موحد ولا يجدون إلا عناء الاختيار بين عدة مدن رئيسية متفرقة تشمل هونغ كونغ التي تسمى مدينة العالم، وهو تعبير خادع، وسنغافورة التي يلقبونها «بالفريدة» وسيئول التي يسمونها «التي تجاري الاتجاهات العلمية»، ثم شنغهاي التي يقال إنها أعظم المدن الصينية، ثم كوالالمبور «مدينة الرؤية» في قلب ماليزيا التي تمثل آسيا الحقيقية».
كل هذه الأسماء والصفات تسوقها آسيا لجذب المستثمر الأجنبي، لكن صحيفة فاينانشيال تايمز تقول انها دلالة على تفتت السوق المالية الآسيوية وتمثل آسيا نسبة بسيطة من تدفقات الاستثمارات الأجنبية على الغرب لكن ثماني بورصات آسيوية تحتل المراكز الأولى بين 18 بورصة عالمية من حيث القيمة السوقية للأسهم.
في الصين مثلا تحسد بورصتان لجذبهما انتباه واهتمام الشركات والمستثمرين من العالم، وهو نوع من التنافس تخلصت منه أوروبا وأميركا منذ فترة طويلة، وساهمت أسباب جغرافية وتاريخية وثقافية فيما يطلق عليه خبراء أسواق المال «بلقنة العالم الحالي في آسيا».
منطقة آسيا شاسعة ومتنوعة وتوجد بها أسواق تتراوح بين الناجحة مثل استراليا ونيوزيلندا إلى الاقتصادات النامية مثل الصين والهند.
ولا تزال هناك شكوك حول الصين واليابان بسبب التاريخ العسكري واختلاف الثقافات والأديان بشكل كبير، وتضم آسيا أكثر الدول ثراء بالسكان الذين يدينون بالإسلام والهندوسية.
وبرغم هذه العقبات، فإن نضال آسيا منذ الأزمة الاقتصادية في 1998 وظهور قوتها الاقتصادية، فيما بعد ساهما في شراسة المنافسة بين المدن والدول الساعية إلى ان تكون المركز المالي في آسيا.
وخلال 18 شهراً الماضية ضخت صناديق الاستثمار كميات قياسية من الاستثمارات في بورصات آسيا بسبب جاذبية الاقتصاد القوي ونمو الأرباح اللذين يفوقان المخاطر التي ترتبط عادة بالأسواق النامية.
ووجدت مؤسسة فكتري في دراسة حديثة ان الأعضاء الجدد في أكبر مئة شركة عالمية سوف يكونون من الأسواق الصاعدة، خاصة آسيا، وأثارت هذه التوقعات ارتفاعاً في أسهم السوق الآسيوية بالنسبة لرأس المال والشركات التي تنطلق إلى المنطقة.
ومن الناحية النظرية لا يوجد منافس لطوكيو، عاصمة ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومقر ثاني أكبر بورصة فيه من حيث القيمة السوقية للأسهم، لكن الصفات التي تجعل العاصمة اليابانية جذابة للسائحين ومنتجي الأفلام، ومنعة الوصول إلى أسواقها وطبيعة سكانها والميل للانغلاق على الذات بدلاً من الانفتاح على الخارج، قد تجعل نشاط الأعمال الأجنبية فيها صعباً.
والذين يزورون موقع طوكيو التجاري الرسمي على الانترنت يجدون 16 نقطة توضح تعليمات ما يجب ان تفعله أولا من لوائح الأعمال مثل.. «يجب ان تجلس في مكانك المحدد في الاجتماعات».
والتطورات الإدارية والتقنية السلبية في بورصة طوكيو قد دمرت آمالها في جذب الشركات الأجنبية ودفعت بها للاتجاه إلى الصين وكوريا الجنوبية.
وما دامت الصين تجذب غالبية الاستثمارات الأجنبية في المنطقة فإن طوكيو تأتي بعد هونغ كونغ في هذا الصدد.
وقد استغلت هونغ كونغ قربها من بحر الصين الرئيسي لتكون مقر البورصة للشركات الصينية.
وعزز هذه المكانة قرار يخضع شركات صينية بالتسجيل في هونغ كونغ، وليس نيويورك بسبب ارتفاع تكلفة نيويورك ولوائحها الصارمة.
غير أن هونغ كونغ لم تنجح في جذب الشركات من بقية أجزاء آسيا، وتركت لمراكز أخرى مثل سنغافورة أن يكون لها مكانة مشابهة في مجالات مثل إدارة الأموال.
لكنه مع استمرار تدفق الأموال والاستثمارات على آسيا، فالسؤال ليس هو أي المدن التي ستأخذ المركز المالي؟، حتى إذا كان هناك أي فائز في المنافسة المالية بين المدن الآسيوية.
ورغم أن السلطات في المنطقة تدّعي بأن السوق كبير بدرجة كافية لوجود بضعة مراكز مالية، فإن خبرة الغرب تفيد بأن الأسواق المفتتة ليست في مصلحة المستثمرين أو الحكومات.
وازدواجية الأنظمة المالية المعقدة والبنية المحلية مثل الفنادق والطرق سوف تكون أيضاً عبئاً ثقيلاً، وتزيد من التكلفة على المستثمر، والاقتصادات، خاصة النامية.
وتفيد التجربة الأوروبية والأميركية بأن المنافسة بين المراكز المالية تعوق تطور أسواق مالية كفؤة.
ويشير السياسيون والمعلقون إلى الفترة المالية على أنها «القرن الآسيوي» وقد ترقبوا ذلك من سرعة تقدم النمو في الاقتصادات الآسيوية، غير أنهم يرون تناغما بين أسواق المال ووجود مركز مالي آسيوي يعترف به من الجميع، ستكون وعودها للمستثمرين في خطر ألا تتحقق.
ترجمة: أشرف رفيق