تغيب عن الأنظار الحلقة الرابطة بين مراكز الطاقة البازغة في منطقة الخليج مما يثير الهواجس بشأن أفق بروز سوق للطاقة يتميز بالنضج والقوة في هذه المنطقة التي تعتبر شريان الاقتصاد العالمي، في وقت، تتجه الدول المستهلكة فيه إلى تطوير آليات للتنسيق فيما بينها، وتعمل مجموعات من الدول كدول الاتحاد الأوروبي على بلورة سوق موحد للطاقة.

وما بين اتجاه دولة الإمارات إلى تعزيز مكانة دبي كمركز عالمي لتسعير منتجات الطاقة، عبر بورصة دبي للطاقة التي صار التداول فيها على عقود الآجلة للنفط الخام قاب قوسين، خصوصا بعدما أعلنت وزارة النفط والغاز في سلطنة عمان وبورصة دبي للطاقة عن توصل فريق العمل المشترك بينهما إلى انجاز عقد آجل جديد للنفط الخام الكبريتي الشرق أوسطي.

وشروع قطر في بناء مدينة للطاقة تحتوي على البنية التحتية اللازمة لدعم الأعمال المرتبطة بالطاقة، ومضي المملكة السعودية قدما في تنفيذ خططها لتعزيز المكانة التي تشغلها بوصفها »بنك الاحتياط النفطي« للعالم، من خلال البروز كمركز عالمي للتكرير والصناعات البتروكيماوية.

ومابين هذه المشروعات الضخمة والعملاقة في منطقة الخليج التي أفرزتها التغييرات السريعة في أسواق النفط العالمية، تطل التساؤلات عن أوجه ما يربط بين هذه المراكز، وما إذا كانت هناك معادلة »تحقق الفوز للجميع« تصلح كأساس تنهض عليه آليات تعين هذه المراكز على الانطلاق كمراكز عالمية مكملة لبعضها البعض.

ولعل غياب الحلقة الرابطة بين هذه المراكز الثلاثة، يغري البعض على تصوير العلاقة بأنها علاقة تنافسية، وربما يجافي مثل هذا التوصيف الواقع كليا، ويتجلى المثال الصارخ على ذلك، فيما تناقلته بعض الأقلام ووسائل الإعلام عن مدينة الطاقة في قطر، وجرى توصيف بورصة الطاقة الدولية التي تعتزم إقامتها فيها، على أنها تواجه منافسة من قبل بورصة دبي للطاقة.

وصورت هذه التحليلات العلاقة بين مركزي الطاقة في قطر ودبي على أنها علاقة قائمة على معادلة »صفرية«، تمثل فيها المكاسب لإحداهما، خسائر بالنسبة للطرف الآخر، ويعد استمرار بقاء وازدهار احد المركزين رهنا بإضعاف وتصفية المركز الآخر.

دبي ملائمة لتسعير النفط

ولتكن البداية مع بورصة دبي للطاقة، إذ تمكنت أخيرا من تحديد نوع النفط الخام الذي سيستخدم كأساس مرجعي في عقود النفط الآجلة، بإعلانها مع وزارة النفط والغاز في سلطنة عمان وبورصة دبي للطاقة عن توصل فريق العمل المشترك بينهما إلى انجاز عقد آجل جديد للنفط الخام الكبريتي الشرق أوسطي.

حيث بدأ التحضير لهذا العقد منذ توقيع مذكرة التفاهم في شهر فبراير 2006 والتي نصت شروطها على قيام الطرفين بدراسة مكثفة لمزاياه ومضمونه والعناصر الضرورية لوضع اللمسات الأخيرة عليه. وقد أعلنت مجموعة العمل، المكونة من كبار الأخصائيين من وزارة النفط والغاز.

ووزارة المالية، وشركة تنمية نفط عمان في سلطنة عمان، وبورصة نيويورك للسلع (نايمكس) وبورصة دبي للطاقة عن نتائج أعمالها للجنة المشتركة من كبار ممثلي الأطراف المعنية، فوافقت عليها بالإجماع وأصدرت تعليماتها لمجموعة العمل لأخذ وجهة نظر المؤسسات المالية والمؤسسات المختصة بالطاقة حول مسودة العقد الآجل للنفط الخام استعدادا لتدشينه في الربع الأخير من عام 2006.

ويعد هذا الاتفاق بمثابة ابتكار إضافي من شأنه أن يعزز قدرة خام دبي على البقاء كأساس مرجعي في تقييم أسعار الإمدادات الآسيوية. بعدما تم التغلب على مشكلة تراجع إنتاج دبي من النفط، بإدخال خام عمان ضمن المقياس المرجعي لخام نفط دبي.

وساهمت آلية التسعير هذه، في تحفيز المشاركة على نطاق متسع من كافة القطاعات المهتمة بالمتاجرة في النفط. وفي السياق ذاته، نمت وتطورت أسواق المعاملات المشتقة من خام دبي المرجعي، من بينها »مقايضات دبي« Dubai Swaps و»تبادل المقايضات« Exchange Swaps، وجنت هذه المعاملات المشتقة مكاسب مع ارتفاع سعر خام دبي.

وكانت المشكلة الرئيسية لنفط خام دبي تكمن في تراجع مستويات الإنتاج، فمنذ سنوات مضت، أصبح خام دبي الأساس المرجعي، نظرا لتوفر كمياته التي كان يجري التداول عليها، ففي خلال الفترة 1990 ـــ 1995، أقترب معدل الإنتاج إلى مستوى 400 ألف برميل يوميا، ولكن مع تقادم عمر حقول النفط.

تراجعت وتيرة الإنتاج، ووفقا للتحليلات، انخفض الإنتاج إلى 180 ألف برميل يوميا بحلول عام 1999، ثم إلى 120 ألف برميل يوميا في عام 2003، ووصل معدل الإنتاج في عام 2005 إلى حوالي 100 ألف برميل يوميا.

وقد جرى ابتكار عدد من الأساليب للحفاظ على استمرار عافية ونجاعة نظام تسعير خام دبي، بما في ذلك ضخ أنواع أخرى من خامات النفط، حيث تم إدخال خام نفط عمان ضمن المقياس المرجعي لخام نفط دبي، وهو ما أدى إلى حل المشكلة المتعلقة بحجم كميات نفط خام دبي، وأعطى هذا الأسلوب الابتكاري الحياة للعقود التي تستند إلى تسعيرة خام دبي. وذلك بالنظر إلى أن إنتاج عمان من النفط يصل إلى 760 ألف برميل يوميا.

وبهذه الخطوة، تكون بورصة دبي للطاقة قد قطعت شوطا كبيرا على طريق مباشره التداول على عقود النفط الخام في شهر سبتمبر المقبل، فضلا عن أن هذه الخطوة ستوفر للبورصة الوسائل اللازمة لإدارة مخاطر الأسعار والائتمان في سوق مفتوح ويتمتع بالشفافية.

قطر قاعدة لخدمات الطاقة

وعلى خط مواز، أعلنت قطر خططها الخاصة بتدشين مدينة للطاقة تبلغ تكلفتها 2.6 مليار دولار، ووفقا للبيانات والمعلومات المنشورة عن المدينة، فان الرؤية بخصوصها تدور حول النقاط التالية:

أولا: ستعمل المدينة على توفير خدمات شاملة لتلبية متطلبات المرافق التجارية والتقنية والموارد البشرية في الشركات المتخصصة في صناعة النفط والغاز إقليميا، بأحدث المرافق والخدمات.

ثانيا: ستعمل المدينة على جذب الصناعات التي تعتمد على المعرفة بشكل كبير في عملها في صناعة الطاقة بهدف تحقيق نمو كبير وعوائد مجزية من استغلال مصادر الطاقة المستخرجة في صناعة المواد الهايدروكربونية.

ثالثا: ستكون المدينة مركزا للمهارات في مجال أعمال الطاقة، وهو ما سيحفز الشركات الدولية على نقل مكاتبها الإقليمية إلى المدينة، ويعزز من دور المدينة كمركز للمهارات التي يمكن توظيفها من قبل الشركات الدولية لعملياتها العالمية.

رابعا: تتطلع قطر أن تسهم مدينة الطاقة في حل مشكلة نقص الأيدي العاملة الماهرة في صناعة الطاقة، حيث من المخطط أن تكون المدينة قادرة على استيعاب حوالي 200 ألف شخص.

وهي ستكون ملحقة بمشروع واحة العلوم والتكنولوجيا التي أطلقتها قطر مؤخرا والتي من المتوقع افتتاحها في عام 2008. وستضم مكاتب ومختبرات وخدمات تكنولوجيا وبرامج لدعم المشاريع الإبداعية والاستفادة التجارية من التكنولوجيا.

وتوفير تسهيلات الاتصال المباشر مع مصادر أكاديمية عالمية المستوى نتيجة لتواجد فروع أهم الجامعات العالمية، من بينها جامعة »إيه أم« ومقرها تكساس، وقد نسجت واحة العلوم والتكنولوجيا علاقة شراكة مع العديد من الشركات النفطية العالمية كشل وإيكسون موبيل وتوتال.

فعلى سبيل المثال، تقوم شركة شل باستقدام برنامج تكنولوجيا عالمي المستوى لدولة قطر مستفيدة في ذلك من الفرصة التي وفرتها إقامة وتطوير واحة العلوم والتكنولوجيا. سيكون المركز جزءا من منظمة شل العالمية للأبحاث، وتتركز أنشطة المركز على العمليات الاستخراجية (upstream) وتقنيات تحويل الغاز إلى سوائل و الخدمات الفنية و مركز تدريبي.

وبالتالي، فانه سيكون بمقدور العاملين في الشركات التي تتخذ من المدينة مقرا لها الالتحاق بالبرامج التدريبية التي تنظمها الجامعات في واحة العلوم والتكنولوجيا، فضلا عن أنه سوف يكون هناك زراع تدريبي خاصة بمدينة الطاقة.

خامسا: وقع اختيار قطر على هذا المشروع بالنظر إلى ما تتمتع به من ميزة كونها موردا رئيسيا للغاز، وبالتالي يشكل المشروع خطوة مهمة مع سعي قطر للوفاء بمتطلبات صناعة الطاقة وتوفير خدمات التمويل التي تتماشى مع أفضل المستويات العالمية.

وبالمناسبة، تعتبر شركة الخليج للطاقة من الراعين الرئيسيين لهذا المشروع وهي عبارة عن كونسورتيوم عالمي يضم مستشارين ومستثمرين في مجال الطاقة، وقد وقعت شركة الطاقة على مذكرة تفاهم مع شركة مايكروسوفت لتقديم البرمجيات اللازمة للمشروع، كما تعتبر شركة بيت التمويل الخليجي ومقرها الكويت المستشار المالي للمشروع.

وهكذا، نجحت قطر في العثور على احدى الفراغات الموجودة في الصناعة النفطية لكي تقوم بملئها، حيث يرصد محللون هنا، وجود اختناقات في مجال توسيع البنية التحتية للإنتاج النفطي، إذ أن هناك عجزاً حاداً في أطقم الحفارات وآلات الحفر وطلمبات الضخ ومعامل التكرير وخطوط الأنابيب ومنصات الاستيراد وأوعية التخزين، إلى جانب النقص في أطقم الحفارات والمهندسين والجيولوجيين والمتعاقدين والموردين.

ولهذا تواجه الصناعة النفطية ضغوطا قوية في تلبية هذه الاحتياجات التي تعتبر أساسية في أية خطط لتوسيع الإنتاج . ويدلل ريتشارد ماسون محرر نشرة Land Rig على الصعوبات التي تعترض الاستثمارات في مجال النفط بإشارته إلى أن رسم استئجار الحفار في اليوم الواحد قد صعد إلى 15 ألف دولار من 9 آلاف دولار منذ عام مضى.

كما تضاعفت رسوم استئجار سفن الحفر في المياه العميقة إلى 300 ألف دولار يوميا. بل وتعترض الصناعة مشكلة العثور على جيولوجيين ومهندسين جدد لشغل الأماكن التي سيخليها الجيل الحالي ببلوغه سن التقاعد، ففي الولايات المتحدة وعلى حد تقدير المحلل ماك روبين، تتراوح أعمار حوالي نصف العاملين في صناعة الغاز والنفط بين 50 و60 عاما.

في حين تتراوح أعمار 51 % فقط من العاملين بين 20 و35 عاما، ويبلغ متوسط العمر في الصناعة 48 عاما، وهو ما يعني أن الصناعة في اتجاهها لأن تواجه العديد من التحديات في إحلال عاملين جدد محل هؤلاء الذين سيبلغون سن التقاعد خلال السنوات القليلة المقبلة.

وحتى هذه المرحلة، تظهر الأمور في إطار سلس وطبيعي، حيث تبرز قطر كمركز يناط به مهمة سد أوجه الثغرات التي تعاني منها صناعة النفط والمتمثلة في توفير العناصر المدربة والمؤهلة على العمل في هذه الصناعة.

ولكن المعلومات التي تتردد عن البورصة الدولية للطاقة (IMEX) التي تخطط قطر لإطلاقها ضمن مدينة الطاقة تتناولها بعض الأقلام من زاوية أنها تشكل منافسا لبورصة دبي للطاقة.

وتفيد المعلومات المنشورة بشأن هذه البورصة أن شركة الخليج للطاقة قد وقعت مذكرة تفاهم مع هيئة مركز قطر المالي وهيئة التنظيم لمركز قطر المالي لتأسيس البورصة الدولية للطاقة.

وتتضمن مذكرة التفاهم، القيام بتأسيس وتطوير البورصة الدولية للطاقة بينما تتضمن مذكرة التفاهم التي تم توقيعها مع هيئة التنظيم لمركز قطر المالي القيام بأعمال التصميم وإعداد التجهيزات اللازمة لإطار العمل التنظيمي للبورصة الدولية للطاقة.

وقد تم تعيين كل من شركتي »HECO« و»بي.إف.سي للطاقة« من قبل الخليج للطاقة كمستشارين إداريين رئيسيين لتوفير النصائح والاستشارات اللازمة المتعلقة بتأسيس وتصميم وإدارة آليات عمل البورصة الدولية للطاقة، وتعد HECO شركة متخصصة في قطاع تجارة منتجات الطاقة وهي شركة فرعية لشركة أميرادا هيس الرائدة والمعروفة عالمياً بخبرتها العريقة في اكتشاف مواقع النفط وإنتاج وتكرير وتسويق المنتجات النفطية.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى »بي.إف.سي للطاقة« التي تعد شركة عالمية رائدة في توفير الخدمات الاستشارية فيما يتصل بمجالات المنافسة والاقتصاد والسياسات ذات العلاقة بصناعة الطاقة العالمية، وسوف تقوم الشركتان بإعداد دراسة شاملة ومعمقة حول الوضع الحالي لتبادل منتجات الطاقة والبضائع إلى جانب تحديد البضائع والسلع المتبادلة على المستوى الإقليمي واستعمالاتها وأسعارها الحالية والشركاء في العمليات التجارية.

وتبين أقوال المسؤولون عن مشروع البورصة الدولية للطاقة أن التكنولوجيا المطلوبة لمنصة التداول الإلكترونية تتواجد بالفعل . حيث قامت شركة »إيه أو إس تكنولوجي« والتي تتخذ من عمان مقرا لها، والتي تقوم بالفعل بتشغيل منصات التداول في بورصة الكويت والأردن، بوضع نظام التداول للبورصة الدولية للطاقة بالتعاون مع تحالف من المستثمرين والشركات المحلية.

ورغم عدم تحديد المسؤولون عن المشروع موعد بداية إطلاقه أو تاريخ الانتهاء منه، إلا أن الأقوال تشير إلى تركز الاهتمام إلى عقود الغاز الطبيعي، حيث ساد اعتقاد على نطاق واسع بأنه سوف يتم بيع غاز قطر على أساس عقود طويلة الأجل.

ولكن مع إعلان النية لإطلاق البورصة الدولية للطاقة، صار من الواضح أن قطر سوف تبيع الغاز الطبيعي المسال عبر السوق الفوري لآلية التداول الالكترونية لأجل خلق الشفافية في الأسعار.

برنامج السعودية للتكرير والبتروكيماويات

وعلى خط ثالث مواز،أطلقت السعودية برنامجا ضخما لتوسيع طاقتها التكريرية والتي سوف يحيلها إلى مركز لإنتاج البتروكيماويات على مستوى العالم،فضلا عن تعزيز مكانتها كبنك احتياط نفطي للعالم.

وبحسب التقديرات التي أعلن عنها علي النعيمي وزير النفط السعودي،تخطط المملكة لمضاعفة طاقتها التكريرية إلى 6 ملايين برميل يوميا خلال السنوات الخمس القادمة بهدف الحفاظ على استقرار أسواق النفط العالمية.

ويشتمل برنامج توسيع الطاقة التكريرية على تعزيز الطاقة الإنتاجية لثماني مصاف تملكها السعودية في الداخل والخارج خلال السنوات الخمس القادمة، إلى جانب بناء مصاف جديدة في الداخل والخارج.

وتمتلك المملكة السعودية حاليا طاقة تكرير تبلغ 3 ملايين برميل يوميا من مصاف تملكها في الداخل والخارج، تنتج منها 2 مليون برميل يوميا من مصاف داخل المملكة، فيما يجري إنتاج الكمية المتبقية من مصاف خارج المملكة

ويعكس هذا التطور، حالة التغير السريعة في أسواق النفط العالمية والتشدد في الإمدادات والتراجع في الطاقة التكريرية على مستوى العالم، وتملي مثل هذه الأمور على الشركات النفطية ضرورة الاندفاع نحو التغيير والتوسع.

وتتطلع السعودية من خلال برامج توسيع طاقتها التكريرية إلى أن تكون جزءا من هذا التغيير، وتوجد العديد من الحوافز التي تحفز السعودية على توسيع طاقتها التكريرية، يبرز من بينها، تلبية احتياجات السوق الداخلية الآخذة في الصعود والتنامي، فمن إجمالي 9.5 ملايين برميل يوميا، تنتجها حاليا المملكة السعودية، يتم تصدير 7.9 ملايين برميل يوميا.

فيما تتجه الكمية المتبقية إلى السوق المحلي. وتضم قائمة أسماء المشترين الرئيسيين كلا من الولايات المتحدة (18%) واليابان(15%) والصين (6.0% ).

ويشكل صغار السن النسبة الأكبر من السكان، حيث يقع حوالي 40% من إجمالي السكان في السعودية تحت سن الرابعة عشرة، وتتجاوز أعمار 2.5% من السكان يتجاوز أعمارهم سن الخامسة والستين، وبالتالي، ستشهد المملكة السعودية طفرة في الطلب على المنتجات المكررة.

وكنتيجة لذلك، ستتزايد أهمية المنتجات البترولية فيما ستقل أهمية منتجات النفط الخام، وهو ما من شأنه أن يضع ضغوطا على قطاع التكرير السعودي.

وعليه، تخطط المملكة السعودية لإطلاق مشروع ضخم لإقامة مصفاة للتكرير بقيمة 8 مليارات دولار في مدينة ينبع على البحر الأحمر، ويؤشر موقع المصفاة إلى أنه سوف يكون في مقدورها التعامل مع الطلب التصديري، إذ ستقوم المصفاة بمعالجة النفط الثقيل بتحويله إلى منتجات بترولية كالجازولين وزيت الديزل والنفثا.

وسيجري تصدير جزء من إنتاج المصفاة إلى الخارج، فيما ستوجه الكميات المتبقية لتغطية احتياجات الطلب المحلي، ومن المخطط أن تصل الطاقة التكريرية للمصفاة عند استكمالها إلى حوالي 400 ألف برميل يوميا من المنتجات البترولية.

وقد ذكرت نشرة »اويل ديلي« المتخصصة في صناعة النفط أن شركة »ارامكو« السعودية اختارت قائمة قصيرة من 3 شركات أميركية كبرى كشركاء محتملين لبناء المصفاة و هي كونوكو فيليبس وشيفرون وايكسون موبيل.

علاوة على ما سبق، تخطط المملكة السعودية لإقامة مصفاة رابغ غرب السعودية، وهي واحدة من المشروعات العملاقة التي تهدف إلى جذب المستثمرين المحليين والأجانب وتأسيس قاعدة للصناعات التحويلية وتصل كلفته الى 7 مليارات دولار.

وقد تم توقيع اتفاقية مبدئية مع شركة «سوميتومو كيميكال» اليابانية بخصوص هذا المشروع، ويتوقع أن يبدأ التشغيل التجريبي في الربع الثالث من العام 2008. ويشمل المشروع إبقاء القدرة الإنتاجية البالغة حاليا 400 ألف برميل يوميا وإضافة معمل إنتاج البنزين بواقع 63 ألف برميل يوميا بالإضافة إلى وجود 2.4 طن سنويا من المنتجات البتروكيماوية المتنوعة والتي تنتج عن تكسير الايثين بشكل أساسي.

ويشكل المشروع بداية لتنويع القاعدة الصناعية في المملكة، من خلال إنتاج كيماويات ومنتجات رخيصة لصناعات البلاستيك، وتنعقد الآمال على أن يسهم هذا المشروع في تعزيز تحرك السعودية بمقدرها التحرك بعيدا عن الاعتماد على النفط الذي يشكل حوالي 90 % من عائدات الصادرات السعودية، وتأمل المملكة بأن يعطي إنتاج مواد البلاستيك الجديدة حافزا لتطوير الصناعات ذات الصلة.

وفي السياق ذاته، تقوم شركة آرامكو بتوسيع الطاقة الإنتاجية للمصافي الموجودة مثل مصفاة رأس التنورة بتكلفة تبلغ 1.3 مليار دولار. ويتألف معمل التكرير في رأس التنورة حاليا من مصفاة تكسير هيدروجيني بطاقة 325 ألف برميل يوميا ومجزئ مكثفات بطاقة 200 برميل في اليوم.

وسيشمل الدمج المقترح جهاز تكسير كبيراً بقاعدة ايثان ونفتا ومجمع استخلاص المواد العطرية ووحدات تكميلية من مشتقات ما بعد الإنتاج، لإنتاج مواد بترو كيماوية ثانوية جديدة. كما تقوم شركة آرامكو بتوسيع الطاقة الإنتاجية للمصافي في الرياض وجدة للوفاء باحتياجات الطلب المحلي.

وتتطلع المملكة السعودية إلى ضخ استثمارات في مشروعات مشتركة للمصافي في الأسواق الآسيوية لاسيما في الصين، حيث من المقدر أن تحقق هذه الأسواق معدلات نمو عالية في المستقبل.

وتنتج شركة آرامكو بالفعل 1.6 مليون برميل يوميا من المنتجات المكررة في الولايات المتحدة والفلبين واليونان وكوريا، ولكنها تتطلع بشكل متزايد إلى العمل مع الشركات الصينية مثل شركة سينوبيك، ويبرز في هذا المجال مشروع مصفاة »كين داو« الذي تبلغ تكلفته 1.2 مليار دولار.

وفي السياق ذاته، أبرمت شركة ارامكو بالاشتراك مع ايكسون موبيل اتفاقا مع سينوبيك على توزيع منتجات النفط في إقليم فوجيان في جنوب شرق البلاد من إنتاج مصفاة فوجيان التي تبلغ طاقتها 240 ألف برميل يوميا والمقرر أن تبدأ في الإنتاج بحلول أواخر عام 2007.

وستملك كل من أرامكو وايكسون حصة 25% في مشروع فوجيان الذي تبلغ تكلفته 3.6 مليارات دولار، أما المشروع الضخم التالي الذي يتطلع إليه السعوديون هو مشروع بتكلفة 3.6 مليارات دولار في مدينة تيانجين الشمالية حيث تعتزم سينوبيك إقامة مجمع للاثيلين بطاقة إنتاجية مليون طن سنويا وتوسعة مصفاة لتبلغ طاقتها 280 ألف برميل يوميا بحلول عام 2010.

ورغم أنه من الصعب من وجهة نظر بعض المحللين الجزم بما ستتمخض عنه المشروعات السعودية العملاقة من نتائج تتعلق بتحقيق الرؤية السعودية بأن تكون مركزا عالميا لتكرير النفط والبتروكيماويات.

بما يمكنها من القفز في قلب التغييرات التي تموج بها هذه الصناعة، والتي من أبرزها انتقال مراكز ثقل هذه الصناعة من أوروبا والولايات المتحدة إلى المناطق الثرية بالطاقة.

إلا أن تلك المشروعات تنبئ بتبوؤ السعودية مكانة عالمية مرموقة على صعيد بروزها كمركز عالمي لصناعة التكرير والبتر وكيماويات، الأمر الذي سيعزز مكانتها كبنك احتياط نفطي للعالم.

وهكذا،أفرزت التغييرات التي تموج بها الساحة النفطية عن تألق ثلاثة مراكز للطاقة في منطقة الخليج، ببزوغ الإمارات كمركز لتسعير منتجات الطاقة وقطر كمركز لتقديم خدمات المعرفة والأعمال المتعلقة بالطاقة، والسعودية كمركز عالمي لصناعة التكرير والبتروكيماويات، ويبقي السؤال الذي ما زال يبحث عن إجابة : ما هي الحلقة التي تربط بين هذه المراكز الثلاثة؟

الحلقة الغائبة

يغري غياب الحلقة الرابطة بين مراكز الطاقة الثلاثة في الخليج البعض على تصوير العلاقة بأنها علاقة تنافسية، وربما يجافي مثل هذا التوصيف الواقع كليا، ويتجلى المثال الصارخ على ذلك.

فيما تناقلته بعض الأقلام ووسائل الإعلام عن مدينة الطاقة في قطر، وجرى توصيف بورصة الطاقة الدولية التي تعتزم إقامتها فيها، على أنها تواجه منافسة من قبل بورصة دبي للطاقة.

وصورت هذه التحليلات العلاقة بين مركزي الطاقة في قطر ودبي على أنها علاقة قائمة على معادلة »صفرية«، تمثل فيها المكاسب لإحداهما، خسائر بالنسبة للطرف الأخر، ويعد استمرار بقاء وازدهار أحد المركزين رهنا بإضعاف وتصفية المركز الآخر.

دبي ـــ مجدي عبيد: