مررنا في القرن الحادي والعشرين بمرحلة فريدة، مرحلة شهدت فيها الهندسة بصفتها مذهباً تعليميّاً، حالة سيّئة بما يفوق الخيال. أفكّر فيها أحياناً كأنّها ذهان ضخم ذو حجم لم يسبق له مثيل، خلق فيه شعوب الأرض - بأعداد كبيرة وفي كلّ مجتمع معاصر تقريباً - شكلاً من الهندسة يعارض الحياة.

فيه مسّ من الجنون، خالٍ من الصورة، أجوف. فالبشاعة التي تمّ خلقها في المدن العربيّة، والسخافة والادّعاء اللذان تتميّز بهما الكثير من المباني، الشوارع، ومواقف السيّارات اجتاحت كلّها البلدان العربيّة. والكثير من هذا الدمار سبّبه المطوّرون، السلطات المسؤولة عن الإسكان، أصحاب الفنادق والعمارات.

وبهذا المعنى، لعلّ اللوم لا يقع على المهندسين، إذ إنّ بشاعة ما يتمّ خلقه تسبّبها إلى حدّ ما العلاقات الجديدة بين الزمن، المال، العمل، والموادّ ومجموعة من البناء يكاد يكون فيها الشيء الحقيقيّ - أي الهندسة الأصيلة التي تتمتّع بشعور عميق وقيمة حقيقيّة - مستحيلاً. غير أنّ اللوم يقع على المهندسين. والسبب في ذلك يعود، بجزئه الأكبر، إلى أنّهم وقفوا جانباً، وقد اكتفوا بتأدية ذلك الدور كجزء من آلة القرنين العشرين والحادي والعشرين.

وفي كثير من الأحوال، جعلوا الأمر أسوأ. فأضافوا زخرفةً من الادّعاء إلى التطوّر التجاريّ. والكثير من المهندسين رفعوا أسلوب الوعي التصميمي إلى مستويات جديدة، واخترعوا أساليب تفكير في الهندسة منافية للعقل، ودسّوا، في كلّ ما فعلوا، السمّ في بلداننا العربيّة بوفرة التصاميم المريعة والمجرّدة من المعنى التي لها جوانب قليلة جيّدة إيجابيّة.

ولا ريب في أنّ الكثير من المهندسين يكافحون في سبيل هندسة ذات فائدة اجتماعيّة؛ بيوت بكلفة متدنّية، ملاجئ للمشرّدين، مجتمعات وأحياء للمشاة، مبان شققيّة أفضل، ومكاتب في مواقع وحدائق خضراء. ولكنّ هذه أيضاً غالباً ما لا تكون من المستوى المطلوب. فالرضى الفكريّ لهذه الأهداف الصادقة نادراً ما ينسجم مع شعور حقيقيّ لقيمة منجزة، للمباني، الشوارع والأحياء البنّاءة، التي لها صفة أداة نقل مناسبة لحياتنا البشريّة المقدّسة.

في مجتمعنا التقليديّ العربيّ، كان البناء دائماً يرمز إلى قيمة الإنسان؛ يرفع الحياة لتبلغ أقصى أوج لها؛ يدعم مفهومًا روحيّا ذا معنى للوجود الإنسانيّ. واليوم، بدلاً من ذلك، يفرك الكثير بل الكثير من المهندسين أياديهم بسخريّة، فيفرضون على الناس صوراً زائفة، ويخلقون أعمالاً لا تكون قريبة من هؤلاء، أو للروح البشريّة.

بل من المطوّرين الذين تدرّ عليهم هذه المباني أرباحاً طائلة وتدعم هؤلاء المهندسين بصور برّاقة ذات مكافأة ماليّة في المجلاّت. ولكنّ للمهندسين بالطبع ضميراً شأنهم شأن الآخرين. والكثير منّا يأسف لهذه الحالة. الكثير منّا يكافح. غير أنّ بعضنا لا يعرف ما العمل.

لا يمكن التدقيق عن كثب في الظروف التي تخلق هندسة غير إنسانيّة قد تمّ إنتاجها، لأنّ التدقيق عن كثب قد يؤدّي إلى طرح أسئلة غير مريحة، يمكن أن تؤدي بنا، في نهاية المطاف، إلى أن نكون عاطلين عن العمل أو بدون وظيفة.

لذلك، بطريقة أو بأخرى، ساهمنا - نحن كلّنا، من مهندسين، فبنّائين، فمخطّطين إلى مموّلين، نحن من شاركنا خلال بناء البيئة الحديثة العربيّة - شئنا أم أبينا، في عمليّة سلب إنسانية مدننا، وفي أكثر الأحيان بمعارضة أقرب ما تكون إليه من الاعتدال. ذلك هو ما أعنيه بذُهان ضخم.

فما هو ما يتوجّب القيام به؟ كيف عسى مهندساً يصوّب أمراً يشعر بأنّ فيه سوءاً؟ كثيرون منّا يعرفون أنّ في الأمر سوءاً، ولكنّهم لا يعرفون ما السبيل إلى تصويب ذلك الخطأ بشكل ملموس. فما السبيل إلى تحسين الوضع؟ في حين أنّ العمليّة التي تسبّب هذا الكمّ من الدمار متجذّرة بعمق في مجتمعنا العربيّ حتّى يستحيل على مهندس واحد، أو حتّى مئات المهندسين، أن يقفوا في وجه هذه العمليّة ويكون لهم أيّ أثر إيجابيّ.

Zena@arabianconcept.com