على هامش ندوة العملة الخليجية الموحدة : التطلعات والمتطلبات التي أقامتها غرفة تجارة وصناعة دبي للفترة من 11 ـ 12 أبريل 2006، أثيرت كثير من القضايا النقدية والمالية الحيوية ومنها:
هل يمكن للفوائض المالية لدول المجلس أن تحقق شيئا في تسريع عملية الاتحاد النقدي؟ وقبل الإجابة أود أن أبين بأن دول مجلس التعاون أقرت إطلاق السوق الخليجية المشتركة بحلول عام 2007، وتحقيق العملة الخليجية الموحدة مطلع عام 2010 لتحقيق المواطنة الاقتصادية والتكامل بين الدول الأعضاء، ويشكل قيام الاتحاد النقدي أهمية اقتصادية نحو تحقيق التكامل فيما بينها.
وتعزيزا لتطورات العمل التجاري بما يؤدي إلى إيجاد تكتل اقتصادي جديد لمواكبة التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الاقتصادية العالمية، لذا فإن إقامة اتحاد نقدي بين دول المجلس ليس هدفا في ذاته، بل وسيلة لتحقيق هدف هو دعم وتعزيز التبادل والتنمية بين دول المنطقة، فالتكامل النقدي يعني أكثر من مجرد خلق عملة خليجية عربية واحدة.
بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فيقتضي انسجاما وتنسيقا في السياسات الاقتصادية، وتحقيق درجة عالية من التنسيق الاقتصادي ولفترة طويلة من الزمن، وخاصة من حيث الرقابة على الحسابات الحكومية والرأسمالية في موازين مدفوعات دول المجلس.
والجواب عن دور الفائض النقدي أن إقامة الاتحاد النقدي من شأنه أولاً استبعاد أمر التدفقات غير المستقرة بين البلدان الأعضاء، وبما أن معظم الفوائض النقدية في دول المجلس الحالية مؤقتة ومرتبطة بطفرة أسعار النفط، وهذه الأسعار قد تتراجع.
وبالتالي عوائده تكون غير ثابتة هي الأخرى، فحري بدول المجلس التفكير الجدي في استغلال الفوائض المالية المرتبطة بارتفاع أسعار النفط بمشاريع تنموية واستثمارية استراتيجية، مع إقامة مشاريع مدرة للدخل بعيدة عن القطاع النفطي.
وبما أن تدفقات رأس المال ستتخذ طريقها صوب المناطق التي تتمتع بأسعار فائدة أعلى، فمن الممكن تماما أن تؤدي بذلك دورا ينجم عنه القلق والتذبذب، ولا يوفر عامل الاستقرار، فإن من شأن زيادة حركة أو انتقال رأس المال أن تزيد من صعوبة التكيفات اللازمة.
إذا ما تمت في ظل عملة واحدة، ويرجح دور عدم الاستقرار أو الاختلال الذي يمكن أن يؤديه انتقال رأس المال إذا ما حاولت بلدان الفائض أن تستخدم السياسة النقدية لإسباغ الاستقرار على الصعيد الداخلي وليس الخارجي.
ففي هذه الحالة ستعمد تلك البلدان إلى رفع سعر الفائدة لديها لكبح جماح الضغوط التضخمية، مما سيشجع تدفقات رأس المال الوافدة عليها الأمر الذي سيضع المركز الخارجي لبلدان العجز في موقف حرج.
كما أنه من غير الممكن لهذه الفوائض وحدها أن تحقق تسريع عمليات الوحدة النقدية، ذلك أن التكامل النقدي هو تتويج للتكامل الاقتصادي الذي يعمل على القضاء التدريجي على العوامل المعوقة لحرية التجارة بين الاقتصادات الهادفة للتكامل، وذلك بالنسبة للسلع والخدمات أو بالنسبة لعوامل الإنتاج.
ومؤدية بالنتيجة على خلق منطقة اقتصادية متكاملة تجارةً وإنتاجاً وتوزيعاً، وكذلك التناغم والتنسيق بين السياسات المالية والنقدية والاقتصادية، بحيث تصبح المنطقة المتكاملة وحدة اقتصادية سياسية واحدة تجاه الآخرين الذين ستتعامل معهم على هذا الأساس.
ومعنى ذلك أن التكامل الاقتصادي المتوج بتكامل نقدي شامل ليس مجرد عملية اقتصادية فحسب وإنما هو عملية سياسية كذلك، وهو من الناحية الديناميكية يخلق متغيرات جديدة اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية ، إذن لن تستطيع الفوائض المالية أن تحقق تسريعا في عملية الاندماج النقدي بذاتها ما لم تستطع العوامل الأخرى الأكثر أهمية أن تحققه في سبيل التكامل الاقتصادي.
وان هنالك متطلبات اقتصادية يجب توافرها قبل الوصول إلى مرحلة الاندماج النقدي الكامل سواء مع الفوائض المالية النفطية أو بدونها(والتي ليس لها التأثير المباشر بالعملة الموحدة)، ومن المتطلبات الرئيسية معايير التقارب الاقتصادي، والتنسيق بين السياستين المالية والنقدية، مع توفر البيانات والإحصائيات والممارسات التنظيمية في القطاع المالي وإقامة بنك مركزي للاتحاد النقدي.
وهكذا فإن الآثار النقدية المترتبة على وجود فائض في الميزانية العامة يعتمد على الطريقة التي يتم بها استعمال ذلك الفائض فبعض استعمالاته تترك آثارا توسعية في الاقتصاد وبعضها يترك آثارا انكماشية.
من هذا كله يمكن الاستنتاج أن المركز النقدي للاتحاد وسياسته المالية يلعبان دورا أساسيا في تحديد التوسع النقدي في الاقتصاد من خلال الأثر النقدي الذي تخلفه السياسة المالية على عرض النقد والائتمان المصرفي من حيث وفرته وكلفته سواء إلى القطاع العام أو الخاص، فإذا زادت نفقات الاتحاد بنسبة أكبر من نسبة الزيادات في الإيرادات.
ومهما كانت الطريقة التي تم بها تمويل هذه النفقات سواء عن طريق الجهاز المصرفي أم عن طريق استعمال الفائض الأجنبي في ميزان المدفوعات، ومهما يكن غرض هذه النفقات، فإن هذا يعني زيادة الموجودات المالية والنقدية لدى الأفراد والمصارف التجارية لدول المجلس.
باحث اقتصادي
Kutaiba@emirates.net.ae