ما إن يكتسب الشخص صفة التجار فإن هناك مجموعة من الحقوق التي يكتسبها وتقابلها مجموعة أخرى من الالتزامات حتى نكون في النهاية بصدد كفتي ميزان متساويتين تقريباً. في واقع الأمر يهدف المشرع لمنح هذا الشخص مركزا قانونيا ذات خصوصية لما سيترتب عليه من مصالح متعددة يستفيد منها عدة أطراف وأعني هنا التاجر ومن سيتعامل معه بالإضافة إلى الدولة.
ولأهمية السجل التجاري صدر القانون الاتحادي رقم 5 لسنة 1975 في شأن السجل التجاري وألزم هذا القانون جميع التجار بالقيد فيه. ويحقق نظام السجل التجاري وظيفتين رئيسيتين هما الوظيفة الاستعلامية والإحصائية.
الأولى تتمثل من خلال خدمة المتعاملين مع التاجر في تزويده بالمعلومات المتعلقة بتجارته أو صناعته والوقوف على وضعه المالي والتجاري بحيث يعتبر السجل بمثابة المرآة التي تعكس الأنشطة التجارية والمالية للتاجر.
ومن ناحية أخرى فإن المصرف الذي يتعامل مع التاجر يستطيع من خلال الاطلاع على السجل التجاري أن يقف على وضعه المالي قبل ان يقوم بتقديم التسهيلات الائتمانية له.
بالإضافة إلى ما سبق فإن الدولة تستطيع ان تراقب عمل التجار ومتابعة أنشطتهم من خلال الاطلاع على السجل التجاري للاطلاع على أوضاعهم المالية والتجارية والصناعية. أي شخص يستطيع ان يطّلع على البيانات الخاصة بالتاجر أو ان يطلب مستخرجا منها وقد نصت على ذلك المادة 16 من القانون الاتحادي للسجل التجاري.
الوظيفة الأخرى للسجل التجاري التي نص عليها قانون السجل التجاري الاتحادي هي الوظيفة الإحصائية، حيث يقوم السجل بدور اقتصادي مهم للدولة من خلال عمل جرد لجميع المشتغلين في المجال التجاري، لذلك فإن البيانات التي يقدمها التاجر عن نفسه يجب ان تكون دقيقة وحقيقية.
من ذلك قد يترتب عليه توقيع جزاء جنائي وآخر مدني على التاجر؛ وعندما يطرأ اي تعديل على وضع التاجر سواء تعلق بشخصه أو بتجارته فإن المشرع ألزمه بقيد تلك التعديلات كما نصت عليه المادتان 11 و15 من قانون السجل التجاري.
ولكن هل حقاً تلك مجمل وظائف السجل التجاري؟ أين الوظيفتان الاقتصادية والقانونية للسجل التجاري؟ تتمثل الوظيفة الاقتصادية للسجل التجاري ودوره في توجيه اقتصاد الدولة التوجيه الأمثل.
فالسجل التجاري يعد بمثابة جهاز يدون فيه شتى أوجه وحجم النشاط الصناعي والتجاري الموجود في الدولة، ويترتب على ذلك ان الدولة بعد اطلاعها على السجل تستطيع من خلاله الوقوف على أوجه النشاط الاقتصادي التي تحتاج إلى دعم وتشجيع لدفع مسيرة الاقتصاد.
ومن خلال ذلك فإن الدولة تقوم بتوجيه الأنشطة الاقتصادية في الدولة بدلاً من تركيز الأنشطة الاقتصادية والصناعية على نشاط أو حرفة معينة وبالتالي الحد من تلك المشروعات التي تكون الدولة ليست في حاجة إليها، على الأقل خلال فترة معينة.
وتلعب غرف التجارة والصناعة الدور السابق ذكره، فنجد على سبيل المثال ان البند 12 من المادة 3 من قانون السجل التجاري تتطلب من التاجر ان يحصل على شهادة عضوية من غرفة التجارة والصناعة التي يباشر تجارته في دائرتها.
أما عن الوظيفة الأخرى والمتمثلة في الوظيفة القانونية للسجل التجاري، كما وضحنا سابقا أن التاجر ملتزم بإخبار الجمهور عن وضعه المالي والتجاري من خلال السجل التجاري، لذلك نجد أن الكثير من التشريعات تنص على الحجية المطلقة للبيانات المقيدة في السجل التجاري.
ويترتب على ذلك آثار قانونية في غاية الأهمية منها افتراض علم الغير بالبيانات التي تقيد في السجل على خلاف تلك التي لا تقيد التي لا تكتسب تلك الحجية.
بالإضافة إلى ذلك فإن القيد في السجل التجاري يجعل الشخص يكتسب صفة التاجر حتى لو لم تتوافر فيه جميع الشروط القانونية لاكتساب صفة التاجر كما ذهب إليه المشرع الألماني.
الوظيفة القانونية للسجل التجاري يجب أن لا يقل دورها عن باقي الوظائف، هذا ان لم تكن اهم تلك الوظائف، فما المانع من جعل القيد في السجل التجاري قرينة على اكتساب الشخص لصفة التاجر؟ أو اكتساب الشخصية المعنوية للشركة؟ أو حماية الحقوق كالاسم التجاري؟
المشرع الاتحادي لم يتعرض صراحة للوظيفتين الأخريين للسجل التجاري واكتفى بالوظيفتين الإحصائية والاستعلامية ، هناك محاولات من المشرع لسد ذلك القصور من خلال النصوص المتفرقة في القوانين التجارية الصادرة لاحقا لقانون السجل التجاري.
فعلى سبيل المثال نجد أن إشهار كل عقود الشركات فيما عدا شركات المحاصة تعد من الإجراءات الملزمة حتى تكون نافذة في مواجهة الغير، فإشهار البيانات أمر ملزم حتى يمكن الاحتجاج به في مواجهة الغير.
كما ان الشركة حتى تكتسب الشخصية الاعتبارية فإنه يجب أن يتم إشهارها في السجل التجاري فلا يجوز لها ان تباشر نشاطها إلا بعد الإشهار في السجل.
بالإضافة إلى ذلك نجد ان ملكية المحل التجاري لا تنتقل فيما بين التعاقدين وبالنسبة للغير الا من تاريخ قيد التصرف في السجل التجاري. كما أن الاسم التجاري حتى يتمتع بالحماية التشريعية فإنه يجب أن يقيد في السجل التجاري.
وباختصار .. يعد نظام السجل التجاري في دولة الإمارات نظاما إداريا حيث نص في مادته الأولى بأن الجهة التي تتولى شؤونه الدوائر الحكومية المعنية بينما كان من الأولى أن يتم إسناد تلك المهمة إلى جهة قضائية حتى تكون للبيانات المقيدة فيه حجية يستطيع صاحب الحق أن بتمسك بها.
باحث قانوني واكاديمي
vipjh710@hotmail.com