لا تهتم الحكومة الأميركية الآن بإنقاذ شركات السيارات المتعثرة بعد أن كانت تضع العراقيل الجمركية أمام السيارات والشاحنات اليابانية في السبعينات، وقد وافقت الحكومة أيضاً في ذاك الوقت على منح قروض حكومية ميسرة لشركة كرايزلر بهدف الحفاظ على مركزها وعمالتها.
لكن جنرال موتورز وفورد موتورز تعانيان الآن من ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية للعمال والمتقاعدين ,ولا تثير سياراتهما العملاء كما كانت من قبل في مواجهة السيارات اليابانية والكورية المنافسة، وتقف جنرال موتورز حالياً على شفا كارثة مالية.
والسبب الذي تراه في ذلك صحيفة »نيويورك تايمز« هو أن عمال السيارات الأميركيين والنقابة المسؤولة عنهم فقدت النفوذ السياسي لأن مساهمتها في الإنتاج المحلي وفرص العمل تضاءلت، وقد تغير تركيب صناعة السيارات أيضاً.
كانت شركات السيارات الأميركية الكبرى التي تتخذ من ديترويت مقراً لها هي صناعة السيارات الأميركية، الآن تشمل هذه الصناعة مصانع سيارات يابانية وكورية تطرح سيارات تلقى شعبية وتخلق الآلاف من فرص العمل الجيدة للأميركيين.
وليس من الواضح ما تستطيع واشنطن أن تفعله لمساعدة شركات السيارات المتعثرة، ويقول ستيوارت شواب خبير العمالة والقانون بكلية كورنيل للحقوق إن الحكومة لا ترغب في المناخ الحالي ان تتخذ خطوات لحماية شركة في هذه الصناعة الضخمة، فسوف تتساءل إذا كان يجب ان تساعد شركة غير كفء، وهذا ليس جيداً على المدى الطويل.
تعثرت شركة كرايزلر عام 1979 وتكاتف الرئيس جيمي كارتر آنذاك مع الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون لوضع خطة إنقاذ بتوفير قروض فيدرالية بقيمة 1.5 مليار دولار بفائدة ميسرة لإنقاذ الشركة.
كما فرضت حكومة كارتر رسوماً جمركية بنسبة 25% على الشاحنات اليابانية الخفيفة، فأنشأت حائط صد حول المنتجات التي تخرج من ديترويت وما أصبح بعد ذلك أكثر السيارات الرياضية والرباعية والميني فان شعبية في أميركا.
كان هذا الجهد لاشتراك الحزبين الكبيرين في أميركا واستمر حتى الثمانينات، وكان أول شيء فعلته حكومة ريجان عندما تولت الحكم عام 1981 هو الضغط على اليابان لقبول القيود التصديرية الطوعية وتطبيقها على شركات السيارات هناك.
الآن تتضاعف المشكلات التي تواجه شركات السيارات الأميركية. فقدت جنرال موتورز ما قيمته 10 مليارات دولار العام الماضي بسبب ارتفاع أسعار الوقود الذي جعل المستهلك يحجم عن شراء سياراتها الرياضية الرباعية, وتقلص نصيبها في السوق، وسبب ذلك وحدة مشكلات هيكلية لجنرال موتورز ارتبطت بتكلفة المعاشات والرعاية الصحية للمتقاعدين بأعداد هائلة.
وقالت جنرال موتورز العام الماضي انها سوف تخفض العمالة بمقدار 30 ألفا وتغلق كل أو بعض مصانعها بحلول 2008، وعرضت الشركة الشهر الماضي برنامجاً لتسريح 113 ألف عامل أعضاء في النقابة مقابل حوافز مالية.
وتواجه فورد موتورز مشكلات مشابهة، ودخلت شركة الفى ــ أكبر الشركات الأميركية لقطع غيار السيارات ومكوناتها ــ شبكة الإفلاس وتريد تسريح ثلثي عمالتها في أميركا، ورغم قائمة المشكلات الطويلة لم يهرع البيت الأبيض أو الكونغرس إلى مد يد العون.
وقال السناتور ريتشارد لوجار عن الحزب الجمهوري في انديانا انهم مقبلون على كارثة أسرع مما يتوقعون. وتعاون لوجار مع السناتور الديمقراطي بول تسونجاز في تقديم مشروع قانون الإنقاذ كرايزلر، وقال لم يفكر أحد في هذه المشكلة.
وكان كارتر قد برر تدخل الحكومة لإنقاذ شركة كرايزلر عام 1981 وقال :إن هذا يهدف إلى تجنب فقدان عشرات الآلاف من الأميركيين لوظائفهم والحفاظ على صناعة سيارات قادرة على المنافسة في البلاد.
واقترح الرئيس بوش في يناير أن تحل شركات السيارات مشكلاتها بإنتاج سيارات ملائمة، مشيراً إلى قرار كارتر بمساعدة شركة كرايزلر. وقال إنه لو كان في محل كارتر لا يأمل أن تطلب منه هذه المساعدة.
وتغير موقف الحكومة قد يكون مفهوماً، فقد كان الاقتصاد في السبعينات يدخل في مرحلة ركود، وتعتبر أميركا نفسها دولة صناعية قوية، وتمثل السيارات إحدى أهم الصناعات فيها.
ويقول روبرت باربرا الخبير الاقتصادي إن صناعة السيارات الآن تمثل جزءاً أقل كثيراً من الاقتصاد الأميركي مما كانت عليه في ذاك الوقت، والآن 9 من كل 10 وظائف في أميركا، ليست في الصناعات التحويلية.
وينخفض نصيب صناعة السيارات في الاقتصاد الأميركي بمقدار الثلث عما كان عليه في السبعينات، ليصل إلى 3.2% حالياً. ففي عام 1978، كانت صناعة السيارات وأجزائها تستوعب 1.4% من العمالة في القطاع الخاص، لكن النسبة الآن 1% فقط.
وقال جيمس بلانكارد حاكم ميشيجان السابق الذي قاد المفاوضات لتمرير مشروع قانون مساعدة كرايزلر من قبل ـــ إن تكلفة ضمانات المعاشات والرعاية الصحية بعد التقاعد تصل إلى أرقام فلكية ولو حدث ذلك في ذاك الوقت، لكانت ضربة قاصمة للاقتصاد الوطني.
الآن تصر جنرال موتورز على انها ليست في حاجة إلى مساعدة الحكومة. وقال متحدث باسم الشركة اننا لم نذهب إلى الحكومة لطلب المساعدة في ظل هذا الوضع. لكن ديترويت تريد مساعدة بشكل آخر من الحكومة.
فالشركات الثلاث الكبرى للسيارات تتنافس مع الواردات والمصانع التي تقوم بدون »تكلفة موروثة« تراكمت عبر عقود من العقود التي تضمن معاشات تقاعد ورعاية طبية. وتتمنى شركات ديترويت معاونة من الحكومة في إلغاء تكلفة الرعاية الطبية للمتقاعدين من دفاترها.
وتشكو هذه الشركات أيضاً من أن اليابان تجعل قيمة اليد منخفضة بشكل مصطنع وبذلك تخفض تكلفة الواردات (لأميركا) من السيارات اليابانية ومكوناتها.
لكن ديترويت لا تحتكر الان الإنتاج المحلي من السيارات، وتمثل شركات مثل تويوتا وهوندا الآن أكثر من ربع إنتاج السيارات في أميركا، وتوظف خمس العمالة في قطاع السيارات والشاحنات. ويشارك مزيد من الأميركيين في أعمال التصميم والتسويق وإصلاح السيارات الأجنبية.
وتسجل هذه السيارات مبيعات جيدة. وقفز نصيب الشركات الآسيوية في السوق الأميركية إلى 37% العام الماضي مقابل 35% عام 2004. وهناك عوامل أخرى مثل الاعتقاد الراسخ في قدرة السوق على حل المشكلات التي تواجه السيارات الكبرى مما يجعل الحكومة تغسل يدها من هذه المشكلات.
وقد أصبحت كرايزلر أفضل حالاً الان من جنرال موتورز وفورد لأن ديملر رينز الألمانية اشترتها وأصبحت ديلمر كرايزلر. وقانون الإفلاس الذي تتيح لجنرال موتورز تعديل عقود عمال النفايات، لا يعني الموت بالسكتة القلبية.
وحتى إذا كانت واشنطن راغبة في المساعدة، فليس من الواضح اذا كانت قادرة على ذلك. فقد بلغت قيمة المساعدة المقدمة لكرايزلر عام 1979 أقل من 5 مليارات دولار، أو 15 مليار دولار بسعر الان ,وانتهى الأمر لأن تتحمل الحكومة 1.2 مليار دولار من القروض.
لكن فورد قدرت في نهاية العام الماضي ان تكلفة الرعاية الصحية وتأمين الحياة للمتقاعدين بلغت 62 مليار دولار. وقال مسؤول في جنرال موتورز إنهم لا يعولون على أي انقاذ سريع يغير الوضع المالي في ظل الارتفاع الصاروخي في تكلفة الرعاية الصحية، التي تشكل قضية في الاقتصاد الوطني.
وأحياناً تكون السياسة ضد ديترويت. فولاية كاليفورنيا وغيرها في الشمال الشرقي (التي تلقى فيها السيارات الأجنبية شعبية أكبر) تضغط على صناعة السيارات لتخفيض نسبة العوادم من السيارات.
وأقصى مساعدة صدرت من الكونغرس حتى الآن هي نقل قضية ضغط قيمة العمالة من جانب اليابان ودول أخرى إلى منظمة التجارة العالمية، ومنح اعفاءات ضريبية لاستثمارات الشركات في تقنيات الوقود البديل.
وقال دينس فتزجييون مدير السياسات العامة في ديملر كرايزلر (واشنطن) ليس هناك حل جذري لكن هناك أشياء بسيطة ممكنة.
ترجمة : أشرف رفيق