يظل الإنسان بطبعه محبا للمغامرة مهما أتت عليه هذه الصفة بمخاطر لا ان تفقده امواله او اشياء عزيزة عليه فقط, بل ربما نفسه ايضا، وتأتى اكتشافات قارات العالم الجديد في إطار المغامرة التي شغف بها بنو الإنسان،

والهبوط على سطح القمر او كوكب المريخ يندرج أيضاً في حب الإنسان للمغامرة، حتى دون ان يعلم ما ينتظره، والمغامرة في المال أيضاً نوع من انواع المغامرات الأكثر انتشارا في الوقت الحالي، والاستثمار في بورصات الأوراق المالية خير مجال للمغامرة في الاستثمار.

ويقول خبراء ومحللون اقتصاديون ومستثمرون أيضاً في استطلاع اجرته »البيان« ان الاستثمار في أسواق المال ينقسم الى نوعين اولهما استثمار محترف مبني على دراسات وتحليلات وقواعد محددة يضعها المستثمر نصب عينيه عند اتخاذ قراره الاستثمار بالشراء او البيع في الأوراق المالية، وهنا تحتسب هذه مغامرة محسوبة ومحددة المخاطر، وان كانت غير معدومة المخاطرة.

اما النوع الثاني فيعتمد على المغامرة الكاملة ,وهنا ما يطلق عليها علميا »المضاربة« وليس المقامرة حيث ان المضاربة أكثر انتشارا خاصة لدى صغار المستثمرين ومن هم قليلو الخبرة بمجالات الاستثمار في البورصة، الذين يتخذون قراراتهم الاستثمارية دون وعي او معرفة وتبنى فقط قراراتهم بشكل عشوائي تكون المغامرة المتحكم الأول فيها.

يقول محسن عادل محلل اسواق المال :ان ما حققته البورصة المصرية في السنوات الأخيرة من طفرات سعرية وأرباح طائلة جعلت الكثيرين ينجحون في تكوين ثروات ربما لم يحلم بها البعض، او يتخيلها احد بعض ان تضاعفت أسعار الأسهم عشرات المرات.

واضاف :ان الثروات التي حققها البعض خلقت روح الفضول والمغامرة لدى الاخرين كلما خرجت عليهم وسائل الاعلام يوميا تنوه بما حققته البورصة المصرية من ارتفاعات وزيادات في الأسعار، صاحب ذلك ثروات ضخمة كونها الكثيرون،

مشيرا الى انه في ظل تعثر عمليات الاستثمار المباشر من خلال مشروعات استثمارية مباشرة سواء بانشاء مصانع او مشروعات جادة للشباب، لم يجد المواطنون العاديون الا مجال الاستثمار في البورصة كملاذ له حتى وان شابه الكثير من المغامرة والمخاطرة ربما تؤدي الى فقدان كل او اغلب محفظته الاستثمارية.

واشار الى ان البورصة المصرية نجحت خلال العام الماضي في جذب أكثر من 800 الف مستثمر جديد من صغار المستثمرين الذين يتراوح حجم محافظهم الاستثمارية ما بين 5 الاف جنيه و50 الفا، كل هؤلاء ثقافتهم الاستثمارية عن البورصة سماعية فقط وليس لديهم اي خبرة بكيفية الاستثمار او حتى البيع او الشراء.

ولفت الى ان ودائع المواطنبن لدى البنوك في تزايد مستمر حتى وصلت الى أكثر من 550 مليار جنيه، لا تجد لها البنوك مشروعات تستثمرها فيها ما دفع بتلك البنوك الى خفض معدلات أسعار الفائدة الى النصف تقريبا خلال العامين الأخيرين حتى وصلت الى 6.5 في المائة مقابل 12 في المائة قبل نحو ثلاثة اعوام ليجد هؤلاء من صغار المستثمرين البورصة بديلا اوحد امامهم رغم المخاطر المرتفعة فيها وان صاحب ذلك فرص الربح الكبيرة ايضا.

واوضح ان هناك خطورة على البورصة من كثرة المستثمرين قليلي الخبرة حيث يحتاج هؤلاء الى دورات تدريبية والى القراءة والمعرفة حتى يبنوا قراراتهم الاستثمارية على واقع فعلي واشياء حقيقية لا على مغامرات ومضاربات سيكونون هم في الغالب الخاسر فيها خاصة ان المستثمرين المحترفين أكثر خبرة في عمليات الدخول والخروج الى السوق.

وقد أدى ما حدث في البورصة المصرية على مدار الأسابيع الماضية وخاصة في »الثلاثاء الأسود 14 مارس« من تآكل أرباح صغار المستثمرين خاصة من باع منهم وحقق خسارة فعلية او من كان أكثر هدوءا وظل في السوق إلى إعادة تفكير الكثيرين منهم في البقاء في البورصة واستثمار ما تبقى من امواله.

احمد عبد المنعم »محاسب« قال »دخلت البورصة بمبلغ 70 ألف جنيه في شهر يناير ولكني لم أحقق اي مكاسب حتى الان وكل ما جنيته خسارة أكثر من 40 ألف جنيه من رأسمالي ,ولكن ليس أمامي اي سبيل الا البقاء في البورصة حتى أعوض هذا المبلغ، وقد وضعت جدولا زمنيا في حدود 6 شهور كي اشترى بها شقة بعد تحسن المبلغ ولم اكن أتخيل ان يحدث ما حدث.

واضاف إنني سأضطر الى البقاء فترة أطول وأؤجل عمليات شراء الشقة ولكن لا بديل لدي عن البقاء في البورصة وأعوض ما خسرته، سواء بعد شهر او شهرين او عدة شهور.

وقال »لا يوجد أمامي بديل آخر كى أعوض ما خسرته، كما ان الجميع يرى ان البورصة ستعاود الارتفاع مرة أخرى في المستقبل وان احتمالات مزيد من التراجع ربما تكون قليلة.

احمد الشحات »مدرس« قال :ان هبوط السوق لم يقلل ثقتي في الاستثمار في البورصة وأنا أتعامل منذ أكثر من 4 سنوات ,ولدي خبرة جيدة واعتقد ان ما حدث كان لابد ان يحدث بعد الارتفاعات القياسية التي سجلتها الأسهم في الشهور الماضية بدون توقف.

واكد »لم أفكر يوما ان اسحب أموالي من البورصة رغم الخسائر التي منيت بها لأنني اعلم أنها ستعود مرة أخرى للارتفاع، وقال :انا عادة ما افضل الاستثمار في صناديق الاستثمار لأنها أكثر أمانا وتستعين بخبراء أكثر دراية في اتخاذ القرار.

وقال حسن علي »مترجم« لو لدي فلوس لكنت اشتريت في هذا الهبوط مشيرا الى ان الأسعار كانت فرصة لا تعوض للشراء، رغم اني خسرت جزءا كبيرا من محفظتي الا انني اعلم جيدا ان الأسعار ستعود للارتفاع مرة أخرى.

اما شريف عبده »مهندس اتصالات« فقد أكد انه لن يعود للاستثمار في البورصة مرة أخرى وبمجرد ان تقترب الأسعار من الإنخفاض التي اشترى بها فإنه سيخرج فورا ولن يبقى في البورصة لحظة واحدة،، قائلا :إنني أصبت بأزمات صحية واصبحت أعيش على الأدوية بعد الذي جرى في السوق في الأسابيع الماضية, وأنا أرى تحويشة العمر تندثر أمامي.

الدكتور عصام خليفة العضو المنتدب بشركة الأهلي لادارة صناديق الاستثمار قال: ان صغار المستثمرين عليهم التوجه الى صناديق الاستثمار فهو افضل وسيلة لادارة اموالهم البسيطة حتى لا يضيعوا وسط سطوة كبار العملاء, فالمغامرة هنا لا تنفع في هدر مدخراتهم التي جمعوها طوال عمرهم.

واضاف ان صغار المستثمرين والافراد من عديمي الخبرة يعتقدون انهم قادرون على اتخاذ قرار الاستثمار لكن للاسف وقت الصعود الحاد كما كان يحدث غالبية القرارات تأتي ايجابية لكن في الأوقات الصعبة كما حدث في الأسبوع الماضي يظهر هنا دور المحترف.

واشار الى ان صناديق الاسثتمار حققت نتائج ايجابية قياسية في السنوات الثلاث الماضية وحققت معدلات نمو تزيد على 100 في المائة من أسعار الوثائق متحديا ان يكون هناك افراد حققوا مثل هذه النتائج.

كما انه رغم هبوط السوق الحاد في الأيام الماضية الا ان اداء الصناديق لم يهتز ولم تتحول محافظهم الى السالب بل لا تزال محققة ارباحا وان كانت قد تقلصت نظرا للادارات المحترفة التي تقوم عليها.

وأكد ان الصناديق قامت خلال الفترة الماضية بأحداث توازن داخل السوق من خلال أحجامها عن البيع رغم تآكل جزء كبير من أرباحها التي حققتها منذ مطلع العام.

وأوضح ان اتجاه الصناديق والمؤسسات بشكل عام اتجه نحو الشراء خلال فترة الهبوط السابقة،مما دعم من مستويات الأسعار وحد من موجات الهبوط التي سادت لفترات طويلة خلال تعاملات الشهرين الماضي والحالي.

ولفت الى ان محافظ صناديق الاستثمار والبنوك والمؤسسات مملوءة بنسب تصل إلى 90 في المائة من الأسهم في الوقت الحالي، وهو ما يعني عدم اتجاهها للبيع في الفترات السابقة او تصفية أجزاء من محافظها كما يدعى البعض، مشيرا الى انها تحتفظ فقط بنسبة 10 في المائة من سيولتها لمواجهة الاستردادات من العملاء.

واشار الى ان سيطرة المتعاملين الافراد الذين يتعاملون بشكل عشوائي انعكست سلبا على اداء السوق خاصة ان هناك شرائح كبيرة منهم دخلوا الى البورصة خلال فترة قريبة وليس لديهم اي خبرة او وعي بالأساليب الحقيقية للاستثمار في سوق الأوراق المالية.

وقال ان أسعار الأسهم بالبورصة المصرية وصلت الى مستويات جاذبة للشراء، وبدأت علميات البيع من قبل المستثمرين العرب ثم الأفراد تتراجع، مرجحا استمرار الحركة العرضية للأسهم بين مستويات الأسهم يومي الأربعاء والخميس.

واشار الى ان المشكلة تكمن انه في حال حدوث اي تصحيح للأسعار تحدث حالة من الفزع والرعب غير المبرر لدى الافراد تتبلور في موجات بيع مكثفة دون وعي للأسباب مما يؤدي الى تحويل عمليات البيع التصحيحية الى بيع عشوائي ينعكس سلبا على السوق.

ورأى ان عدم وجود سبب او مبرر واضح لهبوط السوق من شأنه ان يؤدي الى عودة السوق مرة اخرى للنشاط خلال فترة وجيزة بعد ان يدرك الأفراد انه لا يوجد مبرر لحالة الفزع التي تنتابهم.

وطالب خليفة جميع الجهات المسؤولة من هيئة سوق المال والبورصة والجمعيات المتخصصة مثل جمعية الأوراق المالية والبنوك وشركات السمسرة بتنظيم دورات لتوعية المستثمرين الأفراد بأساليب التعامل الحقيقي في البورصة بدلا من تركهم للتعاملات العشوائية والمضاربات بما يضر بالسوق بشكل عام.

وقال ان غالبية المستثمرين الافراد ليس لديهم ثقافة استثمارية سليمة تقودهم الى اتخاذ قرار استثماري صائب، بعكس صناديق الاستثمار التي تعتبر أكثر وعيا، ولاحظ ان الأفراد يقومون بحركات عشوائية في التعاملات من خلال الشراء بأسعار مرتفعة والبيع بأسعار متدنية نظرا لضعف خبراتهم.

ويرى محمود عبد القادر مدير ادارة المحافظ بأحد البنوك ان الفترة الحالية تحتاج الى تكثيف جهد الجهات المسؤولة في زيادة دورات توعية صغار المستثمرين، مشيرا الى ان ما حدث في الأيام الماضية خلق فعلا ازمة ثقة لدى صغار المستثمرين في الاستثمار في البورصة وهو ما يتطلب جهدا مضاعفا لإبقائهم في السوق او اعادة من خرج منهم.

واشار الى ان شرائح كبيرة من صغار المستثمرين في البورصة اقبل على الاستثمار وليس له دراية بأساليب التعامل، بل فقط اقبلوا على الاستثمار فيها نتيجة ما سمعوه من ثروات يحققها البعض نتيجة الاستثمار في البورصة وهو ما جعل حلم الثراء يراودهم هم أيضاً دون حتى أدنى دراية بها.

واوضح ان ما حدث في الأسابيع الماضية على وجه التحديد جعل البورصة تلفظ عددا ليس بالقليل من المستثمرين حاملين معهم خسائرهم دون قرار عودة اليها مرة اخرى، وهو ما يتطلب تكاتف جهود إضافية من البورصة وهيئة سوق المال وجمعية الأوراق المالية وشركات السمسرة والشركات المقيدة في البورصة التي يجري التداول على أسهمها حتى تعود الثقة للمستثمرين الصغار.

وأكد ان المستثمر الصغير هو عصب البورصة الرئيسي حيث ان البورصة المصرية بها أكثر من مليوني مستثمر نصفهم تقريبا دخل العام الماضي فقط، وهو ما يعني ان فئة كبيرة من المتعاملين في سوق الأسهم المصرية خبرتهم تكاد تكون معدومة خاصة انهم دخلوا في أوقات كانت السوق فيها تتجه نحو الصعود القوي ولم يعايش هؤلاء المتعاملين اي فترات هبوط وهي الفترات الأكثر حساسية والتي تتطلب خبرة كبيرة في التعامل.

وطالب بضرورة اتاحة الفرصة لاكبر عدد من الجمهور وصغار المستثمرين والأفراد لحضور ندوات ومؤتمرات البورصة سواء التي تنظمها إدارة البورصة او هيئة سوق المال او الجهات الخاصة،

كما طالب بضرورة الغاء الحاجز بين رؤساء الشركات المقيدة والعملاء لتوضيح الاستفسارات حول الاداء المالى لتلك الشركات مشيرا الى ان ما حدث الأسبوع الماضي في مؤتمر الجمعية المصرية للأوراق المالية والذي جمع رؤساء الشركات والجمهور لاول مرة مثالا يحتذى به ويجب تكراره أكثر من مرة.

وأكد على اهمية اتاحة الفرصة امام صغار المستثمرين سواء من خلال وسائل الأعلام او اللقاءات المباشرة معهم والتي تتناول شرح ميزانيات الشركات وأرباحها بكل شفافية وإفصاح كامل.

وقال وائل عنبة مدير ادارة المحافظ ببنك قناة السوس انه يجب فرض رقابة قوية من البورصة وهيئة سوق المال للحد من المضاربات خاصة في هذه المرحلة بالذات من عمر البورصة المصرية التي تعاني فيها البورصة من بوادر عدم ثقة مع صغار المستثمرين والتي باتت فيها البورصة أشبه بالجريح الذي يريد ان يضمد جراحه لا ان يضاعفها، مطالبا بضرورة التريث والهدوء في اتخاذ قرارات البيع قبل الشراء.

وتوقع ان يتحسن أداء البورصة المصرية ومن خلال صغار المستثمرين أولا مع عودة الثقة تدريجيا، واشار إلى انه من مصلحة كبار المستثمرين وجود صغار المستثمرين حتى يحدث تكامل في السوق.

القاهرة ـــ محسن محمود