يمثل مسرح برودواي أحد أرقى أشكال المسارح الغنائية في الولايات المتحدة الأميركية، ويقدم، إلى جانب مسرح ويست إند في العاصمة الانجليزية لندن، أهم العروض المسرحية التي تجري في جميع دول العالم الناطقة باللغة الانجليزية.

ويستمد اسم مسرح برودواي، الذي تعني ترجمته الشارع العريض، من اسم الشارع الذي يوجد به المسرح في مدينة نيويورك الأميركية، وهو برودواي ستريت، ولكن في الوقت ذاته هناك 39 مسرحا تحمل الاسم ذاته في أنحاء مختلفة من المدينة.

وأي مسرح يحمل اسم برودواي في مدينة نيويورك يحتوي على 500 مقعد على الأقل، وتتميز عادة عروضه بشعبية وشهرة كبيرتين بين مختلف فئات الشعب الأميركي مع تباين انتماءاته.

ويعود تاريخ تأسيس المسرح إلى عام 1882 وشهد على امتداد السنوات والعقود عددا كبيرا من عمليات التوسع والتجديد حتى أضحى أهم أنواع المسارح ليس في الولايات المتحدة الأميركية فحسب، وإنما في العالم بأسره، إذ يعد المسرح قبلة لعدد كبير من مشاهير الفن الأوروبي والأميركي من أمثال سارة برنهارت.

وشهد المسرح خلال مسيرته الطويلة عدداً كبيراً من مشروعات التحسين والتطوير قادها عدد كبير من المستثمرين من أمثال هنري أبي وإيه. إل. إيرلانغر وماركس كلو وفلورنز زيجفيلد ورودلف أرونسن ودافيد بيلاسكو وتشارلز فروهمان ودانييل فورهمان وأوسكار هامرشتاين وعائلة شوبارت.

وفي الوقت الحالي يتمركز العدد الأكبر من مسارح برودواي في وسط مدينة نيويورك، وهي المنطقة المعروفة باسم »ميد تاون« والتي تحيط بميدان تايمز سكوير »الشهير«، الذي يعد من أكبر ميادين الولايات المتحدة قاطبة.

وتُدار سلسلة مسارح »برودواي« غالبا من قبل جهة إنتاجية، مثل هيئة نيديرلاند أو شركة و»الت ديزني« أو منظمة »شوبرت«.

وغيرها من المؤسسات الأميركية الشهيرة التي تهدف إلى الربح المالي؛ أو في بعض الأحيان تدار السلسلة من قبل فرق أو شركات مسرحية مثل نادي مسرح مانهاتن أو مسرح لينكولن وغيرها من الهيئات المشابهة.

ويجري إنتاج جميع عروض برودواي المسرحية بموجب عقود صارمة يلتزم بها جميع الفنانين العاملين بالمسرح بمن فيهم الممثلون والمخرجون والموسيقيون وكتاب السيناريو ومديرو الإنتاج والتصوير وغيرهم.

وعادة ما تتنافس النقابات الفنية مثل نقابة الممثلين ورابطة مديري المسارح ورابطة مديري الرقص على الحصول على العقود الخاصة بالأعمال التي تُعرض على المسرح. وغالبا ما تُركز تلك العقود على منح أقل الرواتب والحقوق الممكنة لكل أطراف العمليتين الإنتاجية والفنية وكل من يشترك في البروفات.

وأحيانا تنشأ بعض المنازعات حول طبيعة تلك العقود،الأمر الذي يمكن أن يقود في عدد من المناسبات بعض الممثلين ومختلف الأطراف المشاركة في العمليتين الإنتاجية والفنية للعرض إلى القيام بالإضراب عن العمل.

وفي مارس 2003 قام الموسيقيون المشاركون في المسرحيات الغنائية التي تقام في المسرح بعملية إضراب، احتجاجا على قيام المنتجين بتقليص الحد الأدنى لعدد الأوركسترا المطلوب لإدارة المسرحيات الغنائية.

وبسبب ذلك الإضراب أُغلقت أبواب أكثر من عشر مسرحيات غنائية لمدة أربعة أيام متواصلة بعد أن خرج أعضاء رابطة الموسيقيين إلى الشوارع وأضربوا عن العمل، ما أدى إلى خسارة المنتجين ملايين من الدولارات المتوقعة من إيرادات تلك المسرحيات.

وتمتد عروض المسرحيات المقدمة على مسارح »برودواي« إلى أسابيع عدة، وذلك اعتمادا على حجم مبيعات التذاكر. وعادة ما تكون فترة عرض المسرحيات الموسيقية أطول من فترات العروض المسرحية الأخرى.

وفضلا عن طول مدة بعض العروض وفقا للنجاح التجاري الذي تحققه، فإن المنتجين عادة ما يلجأون إلى إعادة بعض العروض بطاقم تمثيلي جديد ويجوبون بعروضهم مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأميركية.

ويحدث في كل المسرحيات الغنائية والعروض المسرحية الأخرى على مسارح برودواي أن يقوم المنتجون بالاعتماد على كبار الممثلين وأكثرهم شهرة في القيام بالأدوار الرئيسية في تلك المسرحيات، وذلك من أجل جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين الجدد إلى حضور تلك العروض.

وعادة ما يتم اللجوء إلى مشاهير هوليوود للقيام بالأدوار الرئيسية في العروض الأولى لأي مسرحية تقدم على تلك المسارح، كما يتم اللجوء إليهم للحلول مكان الممثل الذي ينسحب أو في حال عدم تحقيق العروض النجاح المنتظر منها.

ولكن هذا لا يمنع وجود عدد كبير من الممثلين المسرحيين فقط في تلك المسرحيات والذين يبدأون عملهم من خلال مسارح »برودواي« ثم ينتقلون بعد ذلك إلى أعمال السينما والتلفزيون في مناسبات لاحقة.

ويجري تكريم الفنانين المشاركين في عروض »برودواي« في شهر يونيو من كل عام، وذلك من خلال توزيع جوائز أنطوانيت بيري، المعروفة اختصارا باسم جوائز طوني، وهي الجوائز التي تقدمها هيئة جناح المسرح الأميركي، المعروفة باسم »أميركان ثييتر وينغ«.

وتمثل جوائز طوني أعلى مستوى لجوائز المسرح في العالم، وزادت شعبيتها وأهميتها بعد بدء بثها على القنوات التلفزيونية. وعادة ما تتم استضافة مشاهير هوليود لتقديم تلك الجوائز من أمثال هوغ جاكمان وروسي أودونيل.

وفي الوقت الذي وجهت فيه بعض الأصوات انتقادات إلى مشاركة هؤلاء الذين ليست لهم صلة بالمسرح في تلك الجوائز، ودعت إلى التركيز على أهل المسرح فقط، كان هناك عدد كبير من هؤلاء الذين يعتقدون أن اشتراك مثل هؤلاء المشاهير له أثر إيجابي في زيادة مبيعات التذاكر .

واجتذاب فئات جديدة من الجمهور إلى المسرح. بينما أكد البعض أن تلك الجوائز بما تحمله من صبغة تجارية واضحة تعتبر أمرا حيويا من أجل استمرار تقديم بعض عروض »برودواي« وتعزيز ديمومة المسرح ذاته الذي لا تكفي ميزانيته إلا لتقديم ما لا يزيد على عشرين أو أكثر بقليل من العروض المسرحية سنويا.

وتعد مسارح »برودواي« من المقاصد السياحية المهمة والرئيسية في نيويورك، حيث تُدر الزيارات التي يقوم بها السياح المهتمون بعروض تلك المسارح مليارات الدولارات سنوياً.

وتساعد أكشاك بيع التذاكر الموجودة في ميدان »دافي سكوير« وفي برودواي وفي شارع »فورتي سيفين ستريت« في نيويورك في ملء الأماكن الشاغرة في المسرحيات، إذ تبيع تلك الأكشاك تذاكر في يوم العرض بنصف السعر.

كما تقدم بعض مسارح برودواي أسعاراً خاصة للطلبة وبعض الفئات الأخرى من المجتمع، وذلك لضمان أن تصل عروض المسرح إلى أكبر عدد ممكن من المشاهدين.

وكانت مسارح برودواي في نيويورك قد تأثرت بشدة من هجمات 11 سبتمبر عام 2001 على الولايات المتحدة غير أن الإحصائيات أفادت أن تلك المسارح استعادت عافيتها أخيراً واستطاعت جذب ملايين المشاهدين بعدما استهدفت الأميركيين بدلا من السياح .

وأظهر بيان لرابطة المسارح والمنتجين في الولايات المتحدة أن مسارح »برودواي« تمكنت من استعادة ازدهارها وعادت إلى معدلات مشاهدة اقتربت من معدلات ما قبل الهجمات اعتمادا على عروض ثرية ومتنوعة يشارك فيها نجوم من التلفزيون والسينما وساعدت تلك الأعمال في جذب مشاهدين أصغر سناً ومتنوعين عرقياً وكان بعضهم يخوض تجربة دخول المسرح للمرة الأولى.

وتقول جان سفيندسن مديرة قطاع التسويق في الرابطة: »إننا نقدم مجموعة واسعة النطاق من أعمال الترفيه في برودواي من أعمال ديزني إلى الموسيقى الشبابية والروك والأوبرا، ولدينا الآن جمهور ذو تنوع عرقي أكبر ومشاهدون يدخلون المسرح للمرة الأولى«.

وكان الإقبال على مسارح برودواي قد هوى بنسبة 80 في المئة عقب هجمات 11 سبتمبر عام 2001 مباشرة مما حال دون استمرار عروض كثيرة.

إعداد- حاتم حسين: