ما هو النظام؟ نعرف أنّ كلّ ما يحيط بنا في العالم يحكمه نظام مرتّب أشدّ ترتيب. ونحن نختبر النظام كلّما ذهبنا في نزهة. فالعشب، والسماء، والأوراق في الأشجار، والمياه المتدفّقة في النهر والنوافذ في البيوت على طول الشارع ــ كلّها منظّمة أشدّ تنظيم. وهذا النظام هو الذي يجعلنا ننبهر كلّما تكلّمنا أو مشينا.

إنّه الترتيب المتغيّر للسماء والغيوم، إنّه الأزهار وأوراق الأشجار، إنّه الوجوه المحيطة بنا والترابط الهندسيّ المدهش، إنّه كلّ ذلك وما يعنيه في ذهننا. ولكنّ هذه الهندسة التي تعني لنا الكثير، وتجعلنا نشعر بوجود النظام بشكل واضح بيّن ــ أتُرانا نملك لغة تعبّر عنها؟

ماذا علينا أن نفعل لنخلق النظام؟ في خضمّ ما نقوم به من تخطيط وصياغة لهيكليّة البناء، الأرضيّة، النوافذ، الأبواب والزركشة التزيينيّة ــ نواجه مهمّة صعبة.

ما هو النظام الذي يجدر بنا إدخاله في هذه المهمّة؟ ففي المشاريع الكبرى، بشكل خاصّ، قد نقع بسهولة في ما يجعلنا نرتبك. ففيها، نضع الكثير على المحكّ، وبالتالي فإنّ طبيعة النظام الذي نضعه ضروريّة أساسيّة، إذ تعتمد أكثر على التصوّرات الفكريّة. وعندئذ، تدخل افتراضاتنا عن النظام بشكل بيّن واضح.

ولا تعني قرميدة واحدة، أو باباً أو سقفاً، بل قد تكون حيّا بكامله ــ ملايين الدولارات المخصّصة للبناء- بل قد تكون البيئة الحيّة لمئات الناس معاً. فكيف أفعل ذلك؟ أيّ نوع من النظام عليه أن يشمل، للتأكّد من أنّه ناجح؟

ولكن، ماذا أقصد بالنظام تحديداً؟ إن أردت أن تتكوّن لي فكرة عن النظام، فكرة عميقة بما يكفي لتكون مفيدة ــ مفيدة لي، مفيدة للحرفيّين، مفيدة للعملاء، مفيدة للمتدرّجين والموظّفين في المكاتب الهندسية ــ فيجدر بي أن أحدّد بدقّة ما أقصد بالنظام.

يعرف الجميع، إلى حدّ ما، ما هو النظام. ولكن »ما هو النظام« ــ بالمعنى المتعلّق بالواقع الهندسيّ العميق بما يمكّنني من استعماله، وبالتالي يتمكّن من مساعدتي في خلق الحياة في المباني ــ فإنّ هذا »النظام« يبدو لي صعب التحديد.

إذا ما نظرنا إلى بيت تاريخيّ قديم، بيت يترجم ابتسامة القاطنين فيه، ابتسامة الحياة والبساطة، فإنّه يحرّك مشاعرنا في أعماقها. وإنّما أريد تصوّراً عن النظام دقيقاً بما يكفي لشرح الطريقة التي يجعلنا بيت تاريخيّ قديم نشعر بها.

غير أنّ مفاهيم النظام الذي تحدّده الفيزياء حالياً لا تلائم بكلّ بساطة مهمّة عميقة كتلك.

والعلماء يحاولون منذ حوالي قرن أن يحدّدوا ماهية النظام. وفي القرن العشرين، أطلق كتّاب كثيرون خارج نطاق الفيزياء، المفهوم الديناميكيّ الحراريّ ليشمل كلّ النظام. كما أطلق علماء الفيزياء تعميمات معتدلة عن المفهوم الحراريّ الديناميكيّ للنظام. ولكنّ أيّاً منها لم يذهب إلى حدّ يساعد فيه الفنّانين.

ولا يأتي أيّ اقتراح تقدّمه نظريّات النظام البلّوري، والنظام اللامتناسق، ونظريّة الكوارث، بفائدة بشكل مباشر للبنّاء، شأنه شأن كلّ شيء آخر. حتّى أكثر هذه النظريّات تقدّماً لم يبلغ بعد عمقاً كافياً، وليس ملموساً بما يكفي ليمدّنا بمساعدة عمليّة في الهندسة، حيث نسعى لخلق النظام كلّ يوم.

وتتحدّث نظريّات الفيزياء والعلوم عن النظام الميكانيكيّ، حيث تصفه دائماً– وحتّى تخلقه– بما له علاقة بالطريقة التي يعمل بها الشيء كآلة ميكانيكيّة. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، لا نزال نفتقر إلى طريقة نرى فيها نظام الشيء الموجود بكلّ بساطة.

لا نزال نفتقر إلى طريقة نرى فيها النظام كما يكون في موقع دقيق لزهرة في مزهريّة، أو كما يكون في ترتيب النوتات في أغنية، وكما يكون في مبنى رائع الجمال، لأنّ هذا النظام هو بكلّ بساطة: »الانسجام«.(Harmony) الانسجام الذي مع الأسف، تجاهلناه حتى فقدناه.