هل تتغير نظرة الناس والمجتمع إلى التأمين في المنطقة العربية بحيث لا يقتصر دوره على مجال التأمينات التجارية أو التي تشكل حاليا نحو 50 في المئة من أعمال التأمين في المنطقة وهل سيكون هناك دور للتأمينات الشخصية ما زالت تتحرك تحرك السلحفاة أو كما وصفها احدهم بأن بيع بعض أنواع هذا التأمين أشبه بالمهمة المستحيلة رغم النمو الذي حققته بعض الأقسام ومنها التأمين الصحي بفعل التشريعات الحكومية الإلزامية في بعض أسواق المنطقة.

لكن التأمينات الشخصية ومنها التأمين على الحياة ما زالت محكومة وتواجه العديد من التحديات والعقبات قد يكون أهمها نظرة المجتمع وتقاليده تجاه التأمين على الحياة وقد يكون ضعف أنشطة التأمين على الحياة في أسواق المنطقة احد ابرز الأسباب وراء ضعف معدل انتشار الخدمات التأمينية على المستوى الإقليمي.

وعلى الرغم من ان التأمين على الحياة يمثل شريحة مهمة من إيرادات التأمين عالميا الا انه يعد من الأنشطة النادرة في الأسواق الإقليمية وهي ظاهرة يمكن ارجاعها إلى كفاية الرعاية الحكومية في دول مجلس التعاون الخليجي وانخفاض معدلات الدخل في دول أخرى في المنطقة إضافة إلى ضعف المعرفة والتخطيط والتحفظ ازاء الخدمات التأمينية لأسباب دينية.

ويعول بعض الخبراء على التأمين التكافلي للعب دور بارز في تغيير الوضع على صعيد القبول بخدمات التأمين على الحياة في أسواق المنطقة من خلال أدوات مقبولة مثل التأمين الإسلامي على الحياة.

وقد سجلت بعض شركات التأمين التكافلي نموا ملحوظا في إيراداتها من أنشطة التكافل العائلي خصوصا ان التوقعات تشير إلى نمو سوق التكافل العالمي بنسبة تتراوح بين 15 إلى 20 في المئة سنويا مما يجعله احد أسرع القطاعات المالية نموا في العالم.

وفي المنطقة العربية تؤكد دراسات ان سوق التأمين على الحياة مقبل بالفعل على نمو ملموس خصوصا مع دخول شركات التكافل أو التأمين الإسلامي التي باتت قادرة على توفير منتجات تلائم المجتمعات المسلمة التي كانت مترددة ان لم تكن رافضة لفكرة التأمين على الحياة.

ويستند الخبراء في تحليلاتهم إلى تنامي الوعي بأهمية التأمين بين مختلف فئات المجتمع ونمو اقتصاديات دول المنطقة خصوصا الخليجية منها مع الحاجة لتوفير متطلبات الأمان خصوصا للفئات العمرية الكبيرة.

وتشير تقارير لشركة سويس ري العالمية ان النمو الاقتصادي لدول المنطقة في القترة من 1998 وحتى اليوم ساهم في نمو أقساط التأمين عموما ومنها التأمين على الحياة حيث نمت حصة الفرد في الناتج الإجمالي في الإمارات مثلا ارتفع بنسبة 60 في المئة

وكذلك حققت باقي دول الخليج الأمر الذي زاد من الطلب على التأمين على الحياة حيث ارتفعت الأقساط في الإمارات بنسبة 45 في المئة خلال هذه الفترة وتجاوزت حاليا 300 مليون دولار (1.مليار درهم تقريباً) الأمر الذي يجعلها اكبر أسواق دول مجلس التعاون الخليجي.

هذا النمو الكبير دفع عدداً من شركات التأمين العالمية وتلك المتخصصة في تأمينات الحياة إلى إطلاق منتجات وبرامج تأمينية جديدة في أسواق الدولة ومنها زيوريخ العالمية التي تعد واحدة من اكبر الشركات العالمية في هذا المجال

حيث طرحت منتجات خاصة بالمواطنين والمقيمين أصحاب الدخول العالية وهو الأمر الذي حذت حذوه شركة عمان للتأمين في المبادرة إلى طرح منتج توفيري بالتعاون مع إحدى الشركات العالمية.

ولم يقف الأمر عند ذلك بل إن شركات التأمين الإسلامي أو التكافلي في الدولة بادرت هي الأخرى إلى إطلاق منتجات تتوافق مع أحكام الشريعة كما تؤكد هذه الشركات في الوقت الذي يشهد فيه سوق التأمين التكافلي نموا غير مسبوق في المنطقة العربية وخصوصا الخليجية منها ويوجد في الدولة اليوم عدد من هذه الشركات تستعد لأخذ حصتها في هذا السوق رغم المنافسة الكبيرة من الشركات الأخرى.

وفي دولة الإمارات وهي ثاني اكبر أسواق التأمين في مجلس التعاون الخليجي بعد السعودية ما زالت أقساط التأمين غير ذات الصلة بتأمينات الحياة تستحوذ على غالبية الأقساط ووصلت قيمتها في عام 2003 إلى 754 مليون دولار من أصل 971 مليون دولار إجمالي الأقساط في الدولة

ووصلت أقساط التأمين على الحياة إلى 226 مليون دولار وفقا لأرقام 2003 وبنسبة 23 في المئة من إجمالي أقساط التأمين في ذلك العام ومع ذلك فان هذا النوع من التأمين سجل نموا وصل إلى 9 في المئة في الفترة من 1999 إلى 2003 مقابل نمو 3 في المئة للقطاعات الأخرى.

ويشير خبراء ومتخصصون في مجال التأمين ان قطاع التأمينات الشخصية في المنطقة مرشح للنمو بنسب كبيرة خلال الأعوام المقبلة وقد يصل إلى 44 مليار دولار خلال السنوات السبع المقبلة وسط طلب كبير ونمو متسارع على هذا النوع من التأمين في مختلف أسواق المنطقة خاصة دول مجلس التعاون الخليجي.

وقال مارتن ديفيس الرئيس التنفيذي لشركة زيوريخ انترناشيونال إن المبادرات الحكومية وتطور التشريعات وتزايد الوعي تشكل عوامل تسهم في النمو الكبير لقطاعات التأمينات الشخصية في المنطقة مثل التأمين على الحياة والتأمين الصحي وغيرها.

الشيخ خالد بن زايد بن صقر آل نهيان

يؤكد الشيخ خالد بن زايد بن صقر آل نهيان رئيس مجلس إدارة شركة سلامة للتأمين أن منتجات التأمين على الحياة موجودة في أسواق الدولة لكن طبيعة المجتمع في الإمارات وجلهم من المسلمين لديها الكثير من التحفظات على المنتجات التأمينية التقليدية باعتبار أنها لا توافق الشريعة الإسلامية.

لكن وجود أكثر من شركة في أسواق الدولة اليوم ممن تتعامل مع منتجات التكافل أو التأمين الإسلامي سيفتح الباب واسعا أمام نمو هذا النوع من التأمين.

ويقول الشيخ خالد إن دخول مثل هذه المنتجات إلى أسواق الدولة لا يعني نموا فوريا لها، ذلك أنها تحتاج إلى كثير من الوقت حتى يتقبلها الناس ويتأقلمون معها فهم ينظرون إليها على اعتبار أنها استثماراً طويل الأمد وليس مجرد بوليصة تأمين عادية.

وكانت شركة سلامة قد طرحت في أسواق الإمارات منتجات التكافل الصحي وهي تستعد لطرح منتجات مماثلة لتكافل الحياة وقد رصدت لهذه الغاية استثمارات كبيرة خصوصا بعد توسعها في عدد من أسواق المنطقة.

عمر حسن الأمين ـــ المشرق العربي للتأمين

ويقول عمر حسن الأمين مدير عام شركة المشرق العربي للتأمين إن النمو الكبير في قطاع العقارات والتمويل العقاري يوفر فرصا كبيرة لنمو التأمين على الحياة في الإمارات ذلك أن المصارف تفرض على أصحاب القروض سواء كانت قروضا سكينة أو عقارية أخرى وثيقة تأمين على الحياة بقيمة القرض

حيث يقوم البنك بتحصيل قيمة القرض من شركة التأمين في حال وفاة هذا الشخص أو العجز عن السداد. كما تقوم المصارف أيضا بالتأمين على حياة حملة البطاقات الائتمانية ويتم تحصيلها من خلال أقساط ميسرة وهذه الأخرى توفر مجالات نمو جيدة لهذا النوع من التأمين.

ويضيف الأمين أن الشركات العالمية خصوصا تلك التي تتخذ من دبي مقراً لها تقوم بالتأمين على حياة العاملين لديها وفق عملية تأمين جماعي لسنة واحدة يتم التمديد لها في حال استمرار العامل أو الموظف لديها وهي من الميزات التي تقدمها الشركات لموظفيها.

وهذان النوعان هما الأكثر انتشارا بالنسبة للتأمين على الحياة في سوق الإمارات. لكن الأمين يؤكد على أن النمو في هذا القطاع يبقى دون الطموحات ومحصورا في هذا المجالات فقط أي ما توفره الشركات والبنوك لعملائها وموظفيها من ميزات.

وحول أهم العقبات التي تعترض سبل انتشار ونمو قطاع التأمين على الحياة يوضح عمر الأمين أن المعتقدات الدينية ما زالت تشكل تحديا رئيسا لفرص النمو حيث يندر أن تجد من مواطني دولة الإمارات مثلا من يقوم بالتأمين على حياته وهذا يعود لقوة الوازع الديني حيث ما زال الجدل يدور حول حرمة هذا النوع من التأمين أو حتى التأمين عموما.

وقال إن الأعداد الكبيرة من المغتربين في الدولة تشكل هي الأخرى تحديا آخر ذلك أن أكثر هؤلاء المغتربين يقومون بالتأمين على حياتهم مع شركات عالمية اجنبية بحيث تنتقل وثيقة التأمين معهم في حال عودتهم إلى بلدانهم أو يقومون بالتأمين في بلدانهم بدلا من التأمين مع الشركات الوطنية خوفا من عدم قدرتهم على سداد أقساط التأمين في حال فقدانهم لأعمالهم هنا.

وحول فرص النمو المتوقعة في هذا القطاع يشير مدير عام المشرق العربي للتأمين إلى أن تنامي أعداد الشركات التي تتخذ من دبي مقراً لها إضافة إلى نمو فرص التمويل ونمو القروض بمختلف أنواعها تعد عوامل بارزة تدفع باتجاه نمو وانتشار التأمين على الحياة في أسواق الدولة في ظل الطفرة الاقتصادية التي تشهدها الدولة بمختلف قطاعاتها.

محمد موسى الشواهين ـــ تحديث التشريعات وتطوير الكوادر ومعهد متخصص

ويؤكد محمد موسى الشواهين خبير تأمين حياة ومدير عام قسم التأمين على الحياة في الشركة الوطنية للتأمينات أن هذا النوع من التأمين لا يعد في الواقع مهمة مستحيلة لعدة أسباب أهمها حيوية سوق الإمارات وعوامل الجذب التي يتمتع بها حيث يصل معدل دخل الفرد في الدولة إلى 70 ألف درهم

كما ان هذا القطاع ما زال يحقق نمواً ملحوظاً ساهم في رفع إجمالي أقساطه ليصل إلى 940 مليون درهم برغم أن صناعة التأمين على الحياة ما زالت في مراحلها الأولى من حيث التطور والانتشار.

وقال الشواهين إن النشاط المرافق لهذه الصناعة ما زال أيضا دون المستوى مقارنة بمعدل دخل الفرد والناتج المحلي للدولة رغم ان الإمارات تحتل المركز الأول من حيث حجم أقساط التأمين على الحياة في دول مجلس التعاون الخليجي والمركز الثاني على مستوى الوطن العربي ويمكن القول بلغة الأرقام انها الأولى استنادا إلى عدد السكان.

وأضاف ان الإمارات تتمتع بمناخ ملائم للتأمين على الحياة خصوصا انها تمتلك سوقا ماليا نشطا وطلبا متزايدا على القروض العقارية إضافة إلى النمو الملموس في الودائع المربوطة وهي عوامل تشكل نقطة جذب للاستثمار في مجال التأمين على الحياة في حال وضع سياسة استثمارية خمسية أو سبعية (سبع سنوات) تستند إلى أهداف واضحة ومحددة ضمن برامج تفي باحتياجات النسيج السكاني المتنوع في الدولة.

وحول العقبات والتحديات التي تواجه هذا النوع من التأمين يؤكد الشواهين أن معدل الأنفاق على تأمينات الحياة لا يتجاوز 0.5 بالألف من إجمالي الناتج المحلي كما ان نقص البنية التحتية لهذه الصناعة من حيث الكوادر الفنية والتسويقية والاكتوارية المؤهلة يعد احد العوائق التي تقف أمام تطوير هذه الصناعة إضافة إلى ان شركات التأمين التي تمارس هذه الصناعة لم تعمل على تطوير وتوسيع مجال خدماتها.

وأشار إلى ضآلة جهود شركات التأمين في تعزيز وتنمية الوعي التأميني لاستقطاب العملاء ذلك أن نشر الوعي يعد المعيار الرئيس الذي يعكس توجهات شركات التأمين والجهات الرسمية نحو بناء علاقات راسخة مع جمهور العملاء.

كما طالب بتحديث التشريعات والقوانين الناظمة لهذه الصناعة من اجل مواكبة التطور الذي تشهده صناعة التأمين عموما والتأمين على الحياة خصوصا على مستوى العالم.

وأوضح ان نظرة الناس إلى هذا النوع من التأمين أو ما يعرف بـــ »المعتقدات الدينية« ما زالت تشكل عائق رئيس رغم أنها تراجعت بعض الشيء مع ظهور شركات التأمين الإسلامي أو التكافلي.

وحول السبل الكفيلة بالنهوض بقطاع التأمين على الحياة وتطويره أكد الشواهين أن الحاجة ماسة لتدخل حكومي من خلال مؤسسات الضمان الاجتماعي وهي مؤسسات تعمل على تكوين وادخار الأموال بعيدا عن الربح الآني الذي تعمل فيه الشركات المساهمة من اجل تكوين مؤسسات قوية تخدم الأجيال القادمة.

ودعا إلى ضرورة فصل صناعة التأمين على الحياة عن باقي التأمينات العامة ووضع البرامج التدريبية المكثفة للعاملين في تسويق تأمينات الحياة من اجل تأهيلهم وتطوير مهاراتهم الخاصة تحت إشراف حكومي وعدم السماح لهم بمزاولة أعمال التأمين الأخرى ويمكن أن يتم ذلك من خلال إنشاء معهد خاص لتدريب الكوادر البشرية ضمن منهاج خاص يراعي الأسس العلمية والشروط الواجبة لمزاولة المهنة.

كما دعا إلى تبني وتطوير برامج تأمينية خاصة للعملاء تأخذ في الاعتبار مصالحهم واحتياجاتهم المتنوعة والمحافظة على حقوقهم خصوصا فيما يتعلق بعقود التأمين وفق آليات يسهم فهمها من قبل جميع العملاء.

ويبقى القول انه ومع توقعات بنمو الناتج المحلي الإجمالي في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 3.6 في المئة سنويا حتى عام 2010 مع زيادة السكان في المنقطة ليصل إلى 330 مليون نسمة خلال السنوات الست المقبلة تبقى الفرص مهيأة لنمو كبير لقطاعات التأمين الشخصي ومنها التأمين على الحياة خصوصا مع انفتاح السوق السعودي بإمكاناته الهائلة.

هذه المعطيات تشير إلى أن الإنفاق على منتجات التأمين في الإمارات والذي لا يتجاوز حاليا 1.1 في المئة مقارنة مع 3.8 في المئة المعدل العالمي سيشهد نمواً كبيراً وتسهم في تضييق الفجوة الحالية بين الانفاق على التأمينات العامة والتأمين على الحياة حيث وصلت أقساط التأمين العامة المكتتبة في منطقة الخليج إلى 2.2 مليار دولار فيما لم تتعدى أقساط التأمين على الحياة 416 مليون دولار.

باختصار

»دخول منتجات تكافل الحياة إلى أسواق الدولة لا يعني نمواً فورياً لها وهي تحتاج إلى كثير من الوقت حتى يتقبلها الناس ويتكيفون باعتبارها استثماراً طويل الأمد وليس مجرد بوليصة تأمين عادية«.

»أكثر هؤلاء المغتربين يقومون بالتأمين على حياتهم مع شركات عالمية أجنبية بحيث تنتقل وثيقة التأمين معهم في حال عودتهم إلى بلدانهم أو يقومون بالتأمين في بلدانهم بدلا من التأمين مع الشركات الوطنية خوفا من عدم قدرتهم على سداد أقساط التأمين في حال فقدانهم لأعمالهم هنا«.

»ان الإمارات تتمتع بمناخ ملائم للتأمين على الحياة خصوصا انها تمتلك سوقا ماليا نشطا وطلبا متزايدا على القروض العقارية إضافة إلى النمو الملموس في الودائع المربوطة وهي عوامل تشكل نقطة جذب للاستثمار في مجال التأمين على الحياة«.

»الحاجة ماسة لتدخل حكومي من خلال مؤسسات الضمان الاجتماعي وهي مؤسسات تعمل على تكوين وادخار الأموال بعيدا عن الربح الآني الذي تعمل فيه الشركات المساهمة من اجل تكوين مؤسسات قوية تخدم الأجيال القادمة«.

»سوق التأمين على الحياة مقبل بالفعل على نمو ملموس خصوصا مع دخول شركات التكافل أو التأمين الإسلامي التي باتت قادرة على توفير منتجات تلائم المجتمعات المسلمة التي كانت مترددة أن لم تكن رافضة لفكرة التأمين على الحياة«.

دبي ـــ علي الصمادي