«سيريانا» فيلم ينتمي إلى نوعية «البولار»، أي التوتر. «بولار» سياسي متضمن حيثيات اجتماعية وأخرى انسانية. لا يتوانى عبرها السيناريست ستيفن غاغان في اخراجه ا لثاني عن دفع كل أحداث الفيلم من نوافذ كثيرة، تصب بمجملها فوق منصة واحدة، مركبة، منفصمة، فاسدة، ضيقة مثل كوكب الأرض، الذي لا يتسع لحكاية سيريانا، المرتبطة ببعضها عنوة، في خيط من حكائية مبعثرة، وممزقة، تمزق الاتجاهات الفكرية لتعدد أنماط الحياة الاقتصادية وما تنتجه من تنوع ثقافات، تصير حجة لإشعال الحروب والصراعات الدموية.
حين يقوم كاتب سيناريو بإخراج عمل سينمائي وإدارته بالكامل، لابد وان يكون البناء الدرامي قد شيد باحكام، ولا تعود لنجومية الممثل أهمية في انجاح العمل بمعنى ان ليس من فرصة لبطولة سوى «الحكاية» والعمل بكل تفاصيله مجتمعة أي ان الممثل يؤدي دوراً مندمجاً في عمل جماعي، هذه ميزة جديدة في عالم الفن السابع تلامس أسلوب الانجاز على خشبة المسرح بكل تنوعاته لا يقدم الفيلم الكثير من التفسيرات الجديدة لتحالف الرأسمال والشركات الضخمة مع أجهزة المخابرات والاداراة السياسية، فالكثير من مفكري القرنين التاسع عشر والعشرين وفي طليعتهم كارل ماركس بنوا مستوى من نظرياتهم لتطور الأنساق الاقتصادية على هذا النحو وكذلك لا يمكن اغفال تحذيرات صدرها العديد من سياسي الغرب والشرق حول التخوفات من تحالف مراكز القوى مع بعضها ومهما يكن من أمر.
فقد عرف غاغان كيف يطوع مروية روبرت باير عن كتابه «سي نو إيفيل» إلى عمل بصري متماسك بإدارة تصوير وسينوغرافيا للمخضرم روبرت آلسويت الذي أدهشنا بعمله مع جورج كلوني في «غودنايت آند غود لاك» المصوّر بالأبيض والأسود، فاختياره لزوايا اللقطات جاء رمزيا يشي بغرضه في «سيريانا» خصوصاً تلك التي داخل السيارات أو في إقلاع وهبوط الطائرات، إلى الكلوزات التي منحت كل كادر استقلاله الكامل من جهة، والتصاقه بالنسق البصري من جهة ثانية.
* انتقادات إلى كلوني
تعرّض الممثل جورج كلوني إلى انتقادات حادة من أوساط اليمين المحافظ المسيطر على القرار في الإدارة الأميركية الحالية. كونه شارك في إنتاج «سيريانا» إلى جانب استوديوهات «ورنر بروس» الضخمة.
وهو من فكر وأعد هذا المشروع منذ بدايته. فاقترحه على ستيفن غاغان، وأمن له التمويل اللازم بمساعدة صديقه وشريكه في بطولة الفيلم مات دامون، فاتهمه البعض بأنه أساء كثيراً إلى الليبرالية الأميركية بمفهوميها كحرية اقتصادية وسياسية، وتناسى هؤلاء أن مساحة الحرية «الليبرالية» تتسع لمن يريد الإشارة إلى فساد في سلوكيات أفراد ومؤسسات أحياناً.
فالديمقراطية في جوهرها حق للاختلاف، ليس كشعار فقط، بل إن مراكمة العمل بهذا المفهوم المفترض أن يؤدي إلى سلوكيات مشبعة بأخلاق إنسانية، تبتعد بالإنسان عن استغلال أخيه الإنسان. هذا طموح بالطبع، يمكن أن يتحقق بمثابرة المثقف الفنان على طليعية دوره الوجودي.
هذا الوعي اكتسبه جورج كلوني أولاً من والده الصحافي الذي واكب المرحلة المكارثية، ومن ثم متابعته الحقيقية لما يجري في عالم اليوم من أحداث، تقض مضجع البشرية، لما فيها من إراقة دماء تصيب الفقراء في العالم الثالث بضراوة، قد يتشظى منها البعض في العالم الأول.
لا شك بأن فيلم «سيريانا» عمل فضائحي، يكشف زيف سياسات أميركية، وتأثير تجارة النفط عليها، فالشركة النفطية «كونيكس» الضخمة تحاول ابتلاع شركة أصغر منها حصلت على عقد استخراج النفط من كازاخستان، والمخابرات الأميركية تجند عناصرها لخدمة الأثرياء.
فتتاجر بالأسلحة مع أجهزة مخابرات معادية، وتسعى لقتل أمير عربي غايته الإصلاح وتطوير بلاده نحو الديمقراطية، وتشجع والده الملك على توريث السلطة إلى شقيقه الأصغر الخاضع كما الوالد لما تمليه عليه كونيكس ومحاميها الذي يبدو كشيطان بهيئة إنسان.
والأهم أن الفيلم يشير بوضوح إلى أن البطالة والسياسات الأميركية المعولمة «المتوحشة» هي المحرض الرئيسي لإنتاج التطرف والإرهاب في العالم الإسلامي إلى جانب رسالة الفيلم التي يريد أن يقولها ينجح مخرجه في إدارة ممثليه، وسرد قصته بمهنية عالية سوف تؤكد حضوره المستقبلي كمخرج جديد لامع.
حسين قطايا

