تلوح في الأفق ملامح فضيحة جديدة في شركة غازبروم العملاقة للطاقة الروسية يتورط فيها كبار الموظفين الحكوميين السابقين , مع ازدياد التكهنات بأن المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر كان على علم بالقرض الذي منحته الحكومة الألمانية للشركة بقيمة 1.2 مليار دولار قبل أيام قليلة على مغادرته منصبه للانضمام إلى الشركة الروسية.
وبمجرد شيوع أنباء ترؤس شرودر للمجلس الاستشاري لشركة أنابيب غاز شمال أوروبا في ديسمبر الماضي انطلقت الانتقادات من كل حدب وصوب . وحث النواب في الحزب الاجتماعي الديمقراطي الذي يتزعمه شرودر زعيمهم السابق على رفض تولي المنصب.
وتنوي الشركة بناء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا يمر تحت بحر البلطيق. وتملك شركة غازبروم نسبة 51 % من أسهم المشروع فيما تتقاسم شركتان ألمانيتان باقي الأسهم. وشركة غازبروم مملوكة من الدولة الروسية، ويقدّر الخبراء أصولها بحوالي 150 مليار دولار - أي ما يعادل الناتج القومي لأيرلندا تقريباً.
وفي حين أن غازبروم تهيمن على سوق الطاقة الروسية من خلال مواردها من الغاز الطبيعي، إلا أنها تملك حصصاً في حوالي 162 شركة تتراوح أعمالهما من المصارف إلى المؤسسات الإعلامية.
وتورط مستشار ألماني سابق مع شركة مثل غازبروم لا سابقة له، غير أن الجدل لا يتوقف عند هذا الحد. فقبل أسابيع قليلة من تسليم شرودر منصبه إلى المستشارة الألمانية الجديدة أنجيلا ميركل، قام مع صديقه الحميم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدفع مشروع الشركة الجديدة بشكل كبير.
وفي خطوة سريعة مفاجئة، قام الزعيمان بتوقيع عقد إنشاء الشركة بقيمة 4.8 مليارات دولار قبل 10 أيام من موعد الانتخابات الألمانية العامة في 18 سبتمبر 2005.
وانتقد غيدو فسترفالي أحد أبرز رموز المعارضة السياسية الألمانية اشتراك شرودر بمشروع أنابيب نقل الغاز الطبيعي قائلاً إن شرودر »سلّم المشروع إلى شركة ثم انضم إليها« مضيفاً أن مثل هذا العمل غير أخلاقي.
وفي الشهر الماضي، تمكن شرودر من إسكات فسترفالي في المحكمة حين استصدر حكماً منعه من الإدلاء بأي تعليقات مستقبلية حول وظيفته في المجلس الاستشاري لشركة أنابيب نقل الغاز الطبيعي.
غير أن الفضيحة تزودت في الأسبوع الماضي بوقود جديد عندما نشرت صحيفة »سويدوتشي زيتونغ« تقريراً ذكرت فيه أن حكومة شرودر وافقت على إعطاء قرض بقيمة 1.2 مليار دولار إلى شركة غازبروم. وقد اتخذ القرار في وقت كانت فيه الملامح السياسية المستقبلية لألمانيا غير أكيدة.
وأشارت صحيفة دير شبيغل إلى أن وولفغانغ كليمنت وزير الاقتصاد الألماني السابق وقع عقد القرض في 28 أكتوبر بعد أن مرر عبر جميع الخطوات الرئيسية الضرورية.
وقام كايو كوخ فيسر أحد كبار موظفي وزارة المالية بوضع توقيعه على العقد الذي يفيد مؤسستين مصرفيتين ألمانيتين أيضاً وهما مصرف دويتش بنك ومصرف »كيه إف دبليو«. ومنذ توقيع العقد، انضم كوخ فيسر إلى مصرف دويتش بنك ورفض الإدلاء بأي تعليق صحافي.
وسارع شرودر إلى نفي علمه بعقد القرض. وأكّد مساعدوه السابقون الذين ساهموا في تدبير العقد عدم معرفته بذلك مضيفين أنهم »تعمدوا« عدم إطلاع شرودر عليه.
وإعطاء قروض من أجل مشاريع الطاقة أمر عادي على المستوى الوطني، غير أنها في حالة الشركات الأجنبية أمر نادر الحصول، لكن برلين قامت بما تعتبر أنه مصلحة ألمانية.وفي مقابلة مع صحيفة هاندلسبات الاقتصادية، قال شرودر أن غازبروم لن تأخذ القرض بأي حال.
غير أن مجلة شبيغل قالت الاثنين الماضي نقلاً عن أحد كبار المسؤولين في مصرف دويتش بنك أن »غازبروم لم تبلغنا لغاية اليوم نيتها في التراجع عن الحصول على القرض«.
ودعا حزب الديمقراطيين الأحرار الذي يتزعمه فسترفالي إلى تشكيل لجنة تحقيق برلمانية تتولى التحقيق في المسألة. وخلال ولايته الثانية (2002 ـــ 2005) طوّر شرودر علاقة شخصية مع بوتين وتحاشى ذكر السجل السيئ لحقوق الإنسان في روسيا ووصف الرئيس الروسي بـــ »الديمقراطي النظيف«.
هل تكون الوظيفة في المجلس الاستشاري للشركة التي تدر عليه ما يقارب 300 ألف دولار كراتب سنوي، هدية من بوتين إلى المستشار الألماني السابق مهندس علاقات الصداقة الروسية الألمانية؟
هل كان شرودر على علم بمستقبله في الشركة قبل أن يضغط من أجل تمرير المشروع؟ وينفي شرودر هذه التساؤلات بشدة إلى جانب نفي علمه بأمر القرض. أما فيما يتعلق بمنصبه في المجلس الاستشاري فيقول انه فخور برئاسة المجلس قائلاً ان المشروع حيوي ومهم جداً بالنسبة لأمن الطاقة في ألمانيا.
ويحتل أمن الطاقة سلّم الأولويات في أوروبا اليوم وسط المخاوف من أن ترتفع أسعار النفط نظراً للصراعات القائمة في الشرق الأوسط والمخاوف حيال الموقف الروسي المهيمن فيما يتعلق بتوريد الغاز الطبيعي إلى أوروبا.
وتسببت تهديدات شركة غازبروم في العام الماضي بوقف ضخ الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا في حال لم توافق على دفع ثمن أعلى من الذي تدفعه، بإثارة القلق في برلين وغيرها من العواصم الأوروبية.
ومن المقرر أن ينتهي العمل بخط أنابيب نقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا الذي يبلغ طوله حوالي 1207 كيلومترات ويمتد من فويبورغ الروسية بالقرب من مدينة سانت بيترسبورغ مروراً تحت بحر البلطيق وصولاً إلى مدينة غريفسوالد في شمال شرق ألمانيا، في العام 2010 وتكون قدرة النقل عبره 27.5 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً ترتفع تدريجياً إلى 55 مليار متر مكعب.
وقال ألكسندر رار الخبير الروسي في مجلس العلاقات الخارجية الألمانية ليونايتد برس انترناشيونال يوم الثلاثاء أنه لا يعتقد أن هناك شيئاً مريباً في مشروع أنابيب نقل الغاز.
وقال: »أراد شرودر دفع المشروع من أجل مساعدة الاقتصاد الألماني وهو أراد دائماً دمج روسيا مع أوروبا«.وأضاف: »أما الروس، فأرادوا من ناحية أخرى إشراك شرودر في المشروع لكي يفوزوا بثقة الألمان في المشروع«.
ويبدو أن هذه الثقة بدأت بالزوال إذ أن ستة من بين كل عشرة مواطنين ألمان يؤيدون فكرة إنشاء لجنة تحقيق برلمانية للتحقيق في المسألة، استناداً لأحدث استطلاعات الرأي.وقال رار: »لقد قلل الجانب الروسي بشكل كبير من هذا المنحى«.
(يو بي أي)