حين قالها أدونيس مرة، «السينما هي القصيدة»، كان يقصد بالضبط ما يشعر به وهو في قاعة فسيحة مظلمة، يشخص النظر إلى ما يجري على الشاشة التي كانت بيضاء قبل أن تعكس أنغام الموسيقى، وأصوات الممثلين في شريط المشاهد المتتالية.

وإذا كانت السينما متعة للنظر، فإنها أيضاً نبع من الأخيلة يمنح المتلقي شعوراً بالسعادة وحب الحياة، هي أشبه بعنصر من عناصر الجنة الأرضية، وقد شاهدنا كيف جسّد المخرج الإيطالي جيوسيبي تورناتوري ذلك في فيلمه «سينما بارديزو» أي «سينما الجنة» الذي أطلقه عام 1990، ويتحدث فيه عن قرية صغيرة في جزيرة صقلية، حيث العشق الذي لا يُحد للسينما، من كافة الأجيال التي تقاطرت إلى الصالة الصغيرة المتواضعة لتقيم احتفالها بالسينما، احتفال الحب والحياة.

هكذا شعرنا حين دلفنا إلى قاعة مسرح «قناة القصباء» في الشارقة الليلة قبل الماضية، الدعوة من مجموعة «فراديس» السينمائية في الإمارات، والحضور كان لافتاً قياساً بالمناسبات المماثلة، فالمكان كاد يمتلئ بجمهور طغى عليه الشباب من الجنسين.

أمسية سينمائية خالصة تنضح بالشعر، جرى خلالها عرض ثلاثة أفلام قصيرة هي: «احتفال بالحياة» إخراج خالد المحمود، و«سماء صغيرة» إخراج عبدالله حسن أحمد وعمر إبراهيم، و«مرايا الصمت» إخراج نواف الجناحي. وفي تقديم وجيز، رحّب الشاعر والكاتب محمد حسن أحمد أحد مؤسسي مجموعة «فراديس» بالحضور، وقدّم سيرة مختصرة عن المجموعة وسعيها إلى صناعة فيلم جيد في الإمارات، كخطوة أساسية نحو صناعة سينمائية محلية تحضر في التظاهرات العربية والدولية.

ثم استهلت الأمسية بعرض فيلم «احتفال بالحياة» ومدته 6 دقائق . وعلى أنغام أغنية أجنبية، تلاحق الكاميرا أولادا يلعبون في حديقة، بينما يستلقي شاب على العشب الأخضر، لتظهر بعدها نوارس تغطّ على الماء ثم تطير، الشاب يحلم، تتكاثر النوارس فوق الماء الذي هو الحياة. والموسيقى البديعة تتصاعد مكررة نغماتها، ليصحو بعدها الشاب مذعوراً، ربما من كابوس، يريد خالد المحمود من هذا الفيلم التجريبي أن يرينا الحياة فصولا عدة، والموت إحداها، هي محطة يواجهها المرء في حياته حين يراجع نفسه ويخرج منها كأنما يولد من جديد وبشكل أفضل، الفيلم صورة لما قد يحدث إذا ما شوهد من خلال عيون عادية.

في هذا الفيلم اقتصرت ملاحظة عدد من المشاهدين، حول سبب مرافقة أغنية أجنبية لمشاهد الفيلم. فكان رد المخرج خالد المحمود بأنه استمع إليها وهو يعدّ الفيلم، ورآها مناسبة للفكرة والتصوير.

في «سماء صغيرة» الفيلم الروائي الذي تبلغ مدته 13 دقيقة، كان لافتاً الإخراج المشترك، حيث تعاون عبدالله حسن أحمد وعمر إبراهيم على ذلك، بينما كتب السيناريو محمد حسن أحمد، وهذا الفيلم قائم على شخصين رئيسيين هما إبراهيم سالم «الأب» وآمنة السويدي «الابنة الصغيرة التي فقدت أمها»، بما يجعل الأب المتديّن والمحافظ يحيط ابنته بحرص شديد يقارب التسلّط، وهذا الأب الذي يكرّس معظم وقته لواجباته الدينية، دائماً ما يواجه ابنته بمواعظه وإرشاداته، بينما تنظر البنت إلى نفسها مراراً في المرآة، وتحلم بأن تكون لها حياة حقيقية تحت هذه السماء الصغيرة، مثل قريناتها في الحي، يحاول الفيلم القول إن الدين لا يتعارض مع الحياة، وان الفرح والتسلية حق للشباب، من دون أن يتعارض ذلك مع الأخلاق والالتزام بالقيم. وقد اثير حول هذا الفيلم العديد من التساؤلات أجاب عنها المخرج، موضحاً أن الفكرة تكمن في امتلاك الأشياء الجميلة.

أما «مرايا الصمت» فهو فيلم روائي صامت بالأبيض والأسود، أخرجه نواف الجناحي ، وصوّر خالد المحمود مشاهده في أبوظبي ودبي والشارقة، ويطرح الفيلم مسألة الوحدة في المدينة الحديثة، وتتنقل الكاميرا بين غرفة الممثل الوحيد في الفيلم وهو المخرج نفسه، ثم ترصد سيره في الشارع وجلوسه في المقهى، بينما يتم التركيز على الأبراج العالية، وأيد تضع «حجارة الباطون» فوق بعضها البعض مؤذنة ببناء ضخم جديد في المدينة. ويقدم الفيلم معالجة جريئة للغربة والوحدة وسط حضارة الاسمنت.

الشارقة ـ إسماعيل حيدر: