في الطريق نحو تحقيق الحلم الخليجي بتأسيس اتحاد اقتصادي كامل للمنطقة تبدو دول الخليج في سباق ماراثوني مع الزمن للوفاء بالموعد المحدد وهو 2010 حيث سيتم في ذلك اليوم انطلاق العملة الخليجية الموحدة وذوبان كل العملات الأخرى لتبدأ معها مرحلة جديدة من العمل للمحافظ على ما تحقق.

وطريق الألف ميل الخليجي لن يكون مفروشا بالورود ذلك انه ورغم الانجازات الكثيرة التي تحققت على الطريق ومنها توحيد الجمارك والسوق المشتركة إلا ان تحديات كثيرة ما زالت تنتظر ليست جميعها في الجانب الاقتصادي ولكنها تشمل المناحي الاجتماعية والسياسية وحتى النفسية.

وفي هذا السياق تأتي الندوة التي اختتمت في دبي أمس بتنظيم من غرفة تجارة وصناعة دبي والتي تستهدف أساسا عرض الحقائق كما هي على ارض الواقع ومناقشة ما تحقق ,والمصاعب التي ما زالت قائمة ,فالمشروع بضخامته وأهميته لابد ان يحمل مثل هذه التحديات التي لم تخل منها تجربة وحدوية.

وقد كانت أوراق العمل وجلسات النقاش التي سادت خلال هذه الندوة على مدار يومين غنية وحافلة بالقضايا التي تناقش مختلف كل ما له علاقة بالعملة الخليجية الموحدة سواء السياسات النقدية والمالية أو القضايا التقنية أو الآثار المحتملة للتطبيق اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

تأثير الاتحاد النقدي على السياسات النقدية والمالية

ويقول احمد صويلح من دائرة البحوث والإحصاء في مصرف الإمارات المركزي :ان بداية هذا المشروع الفعلية تعود إلى عام 2001 عندما قرر قادة دول المجلس تعديل الاتفاقية الاقتصادية بهدف تسريع خطى التكامل الاقتصادي, تبع ذلك تأسيس لجان متخصصة لاستكمال الإجراءات والجوانب الفنية وتم تحديد الأول من يناير من عام 2010 ليكون موعدا لانطلاق الاتحاد النقدي.

ويؤكد صويلح في ورقته التي قدمها في الندوة ان معايير التقارير التي تتعلق بالسياسة النقدية تشتمل على معيار أسعار الفائدة ومعدلات التضخم وكفاية الاحتياطات بالعملات الأجنبية.

موضحا ان ارتباط كل عملة من عملات دول المجلس بالدولار الأميركي بمعدل صرف ثبات يعني عدم تمكن أي دولة من استعمال سعر الفائدة كأداة فاعلة في السياسة النقدية وكل دولة تلجأ إلى وسائل أخرى للتأثير في السياسة النقدية مثل شهادات الإيداع مثلا كما هو الحال في الإمارات.

ويشير إلى انه وبعد قيام الاتحاد النقدي سيتم تأسيس السلطة النقدية المشتركة التي ستكون مستقلة في قراراتها ,وستبدأ على شكل مجلس نقدي يتحول إلى بنك خليجي مركزي يتولى رسم وتنفيذ السياسات النقدية وسياسة سعر الصرف ووضع مواصفات العملة الموحدة والتعليمات بإصدارها إضافة إلى إدارة الاحتياطات.

ولفت صويلح إلى الدول الأعضاء في المجلس مطالبة بالالتزام بمعايير التقارب المالي والتي ستصبح بعد قيام الاتحاد معايير للانضباط المالي ,أي انها تسهم في الاختلالات والتشوهات الاقتصادية ,أي ان يناير 2010 يعني ذوبان العملات المحلية لدول المجلس لصالح العملة الخليجية الموحدة.

وأكد صويلح ان دول الخليج نجحت إلى حد ما في تقوية القطاع الخاص في سعيها نحو تنويع إيراداتها المالية الحكومية ذلك ان الإنفاق الحكومي يعزز إمكانيات القطاع الخاص على التوسع والاستمرار في دوره المسؤول.

وتجري حاليا مناقشات بالتعاون مع صندوق النقد الدولي لتطبيق ضريبة القيمة المضافة التي تفرض في الدول المتقدمة والتي يتوقع ان يكون توزيع وعائها الضريبي أكثر عدالة وإنصافا لجميع المساهمين فيها .

كما ان هناك ضرورة لرفد الميزانيات بموارد ضريبية مستمرة لتحقيق نوع من الاعتماد على الذات في الإيرادات الحكومية وتحقيق استقرار منشود في النمو الاقتصادي بعيدا عن التأثيرات الخارجية.

البرنامج الزمني للاتحاد النقدي

ويرسم الدكتور ناصر إبراهيم القعود مدير إدارة المال والتكامل النقدي في الأمانة العامة لمجلس التعاون صورة عملية لتنفيذ هذا المشروع وفق تواريخ وجدول زمني تسير عليه دول المنطقة .

مشيرا إلى ان الاستقرار النسبي في أسعار الصرف التقاطعية لعملات دول المجلس خلال الثمانينات والتسعينات ولكون إقامة الاتحاد النقدي وإصدار عملة موحدة تعتبر مرحلة تكاملية أخرى وهي منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي السوق المشتركة فقد كان الرأي السائد في بداية التسعينات عدم بحث تفاصيل إقامة الاتحاد النقدي .

ولذلك رأى وزراء المالية والمحافظون بدول المجلس تأجيل بحثه إلى نهاية عقد التسعينات. حيث مهدت تجربة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الجمركي الخليجي إلى تبني آليات وجدول زمني لتحقيق حلم العملة الخليجية.

وهو ما قرره المجلس الأعلى في قمة البحرين عام 2000 مع تبني الدولار الأميركي كمثبت مشترك للعملات الخليجية والبدء بإعداد البرنامج الزمني لإقامة الاتحاد النقدي وإصدار العملة.

وقد تم إعداد البرنامج بالفعل والذي يقضي بأن تتفق الدول الخليجية على معايير تقارب الأداء الاقتصادي ذات العلاقة بالاستقرار المالي والنقدي قبل نهاية عام 2005 تمهيدا لاطلاق العملة الموحدة في يناير 2010 .

حيث استكملت اللجان المختصة بحث معايير التقارب الاقتصادي وتحديد مكوناتها وطريقة حسابها والنسب والحدود المقبولة , وهي دراسات أعدت بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي ,وتم تأسيس وحدة متخصصة لدراسات الاتحاد النقدي.

وتم الاتفاق على ان معايير التقارب النقدي تتمثل في معدلات التضخم ومعدلات الفائدة ومدى كفاية احتياطات السلطة النقدية من النقد الأجنبي فيما تتمثل معايير التقارب المالي في نسبة العجز السنوي في المالية الحكومية إلى الناتج الإجمالي ونسبة الدين العام إلى الناتج الإجمالي وهو ما قررته قمة ابوظبي في ديسمبر 2005 .

فيما ناقشت لجنة المحافظين في ابريل الحالي طريقة حساب وقياس هذه المعايير وتحديد نسب العجز والمديونية والبدائل المقترحة للسلطة النقدية المشتركة التي ستتولى مهام إصدار العملة الخليجية وإدارة السياسة النقدية المشتركة.

وسيتم استكمال هذه المواضيع هذا العام بعد مناقشتها من قبل وزراء المالية في اجتماع الرياض في مايو المقبل تمهيدا لرفعها إلى قمة الرياض في ديسمبر المقبل.

وسيكون نهاية عام 2006 هو الموعد المحدد للاتفاق على تفاصيل معايير التقارب الاقتصادي وعلى التشريعات والأنظمة المتعلقة بإنشاء السلطة النقدية المشتركة »مجلس نقدي يتحول إلى مصرف مركزي خليجي« فيما سيتم في 2007 الاتفاق على مواصفات العملة الخليجية الموحدة ومسماها وأسلوب طرحها للتداول.

تأثيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية

ولم يوفر الباحثون فرصة لمناقشة تأثيرات مثل هذا المشروع الكبير على سكان المنطقة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا مؤكدين ان دول المنطقة مطالبة بالتنازل عن جزء من السيادة الوطنية لصالح الجميع وهو ما فعلته دول عديدة في أوروبا لصالح الوحدة.

ويقول الدكتور قتيبة العاني من جامعة لوتاه العالمية ان توحيد البيانات المالية الشاملة وقيام البنوك المركزية الوطنية بتنفيذ السياسة النقدية وعمليات القطاع الأجنبي .

والرقابة على المصارف تتطلب قيام إنشاء بنك مركزي خليجي كخطوة أساسية قبل إطلاق العملة . كما ان دول المجلس مطالبة بتحقيق تنمية مستدامة توسع آفاق التصدير وتخفف من وطأة أي حماية تجارية يقوم بها تكتل آخر.

كما ان قيام مثل هذا الاتحاد يعني إيجاد سوق مالي موحد وقوي يعمل على جذب الاستثمارات الخارجية وتعزيز حجم التجارة البينية وإلغاء التكاليف المدفوعة من قبل المؤسسات والشركات عند تبديل العملات المحلية.

وطالب الدكتور العاني بتسريع تنفيذ توصيات تقارب الأداء الاقتصادي وهي التضخم وأسعار الفائدة واحتياطات السلطة النقدية ونسبة العجز السنوي ونسبة الدين العام وإنشاء المكتب الإحصائي وإعطاء استقلالية للبنك المركزي الخليجي في تحديد الأدوات النقدية والصلاحيات لصياغة السياسة النقدية والإشراف على أنظمة الدفع.

ولم يغفل المشاركون عن التأثيرات الأخرى المتعلقة بالاستثمار حيث طالب البعض بتفعيل قرار المجلس الأعلى والقاضي بالسماح للمصارف الوطنية بفتح فروع لها في الدول الأعضاء لتتمكن هذه البنوك من المشاركة في عمليات التمويل.

وتنفيذ المشاريع المختلفة خصوصا ان المصارف في دول المنطقة حققت انجازات كبيرة حيث دخلت 64 مصرفا في قائمة اكبر الف مصرف في العالم نهاية 2004 منها 14 مصرفا في الإمارات و 10 مصارف في السعودية و8 مصارف في البحرين و 7 في الكويت و4 في قطر و 3 في سلطنة عمان.

ودعا فتحي محمود سكيك مدير عام جمعية مصارف الإمارات إلى تأسيس كيانات تجارية وصناعية كبيرة حتى تتمكن من التعامل مع سوق واسع خصوصا مع اقتراب موعد تنفيذ السوق المشتركة في 2007 والحد من ازدواجية المشاريع .

وقال :ان التكامل الاقتصادي لا يتم إلا اذا شعر مواطنو دول المجلس ان الفرص المتاحة لهم في بلدهم هي ذاتها المتاحة في باقي دول المجلس ,وهو أمر يمكن تحقيقه مع جود الإرادة السياسية والاقتصادية .

مؤكدا ان الكثير من التأثيرات التي تنجم عن قيام الاتحاد النقدي تشكل بصورة او بأخرى أهدافا يجب السعي إلى تحقيقها. وهناك تأثيرات وأهداف تحققت بالفعل من خلال مرحلة الإعداد .

وقبل قيام الاتحاد النقدي ومنها إصدار القوانين والتشريعات التي تحقق تكافؤ الفرص في الأسواق الخليجية التي سيتم توحيد أسواقها بنهاية 2007 مثل تشريعات تملك العقار والأسهم وممارسة الأنشطة الاقتصادية.

وقد تم ربط ما يزيد على 6 آلاف جهاز مصرفي في مختلف مدن وقرى دول المجلس ويتيح هذا الربط لكل من يحمل بطاقة صراف آلي السحب عن طريق أي جهاز من الأجهزة المذكورة دون الحاجة إلى استخدام بطاقة الائتمان. وهناك جهود حثيثة لاستحداث نظام مدفوعات متطور موحد لتوفير آلية آمنة لتسوية المدفوعات بالعملة الموحدة.

ولا ينسى الدكتور سيف السويدي الأستاذ في جامعة قطر الإشارة إلى أهمية إجراء إصلاحات اقتصادية وتشريعية تتناول مختلف جوانب العمل الاقتصادي ومنها قوانين تملك العقار والمنشآت الرأسمالية وقوانين تملك رؤوس الأموال وقوانين الضرائب والشركات .

وتنظيم أسواق المال والتشريعات الحكومية في مجال البيئة والصحة وتنظيم براءات الاختراع وحماية المستهلك وتحديد الأجور والإعفاءات الضريبية والقوانين المعرفة للمنتج الوطني.

وقال الدكتور السويدي :ان عامل الوقت بات احد التحديات الرئيسة في مشروع العملة الخليجية خصوصا في سعيها نحو تذليل كل العقبات ومواجهة مختلف التحديات والعمل على نشر ثقافة جديدة ومعتقدات المنافسة واعتماد استراتيجية للتغير .

وهي أمور تنتظر الإرادة السياسية لتفعيلها خصوصا فيما يتعلق بإنشاء المؤسسات »الوحدوية« المشتركة كالبنك المركزي الموحد والهيئات التشريعية المستقلة والتقريب بين المؤشرات الاقتصادية.

نظم المدفوعات هي الأخرى استأثرت باهتمام خصوصا ان هناك لجنة خاصة بنظم المدفوعات تعمل على دراسة التجارب الأخرى في هذا المجال ,وتدرس استراتيجيات الربط المتاحة والاعتبارات الخاصة بنشاطات التحويلات المحلية والتحويلات الإقليمية ووسائطها الحالية والتأثيرات المستقبلية وأنظمة الدفع القائمة حاليا لدى كل دولة.

ويشير علي الحميدان في ورقته إلى متطلبات الدول من نظم المدفوعات ومتطلبات السلطة النقدية والضمانات المالية وإدارة المخاطر وتبني التقنيات المتطورة للوصول الى نظام موحد للمدفوعات في ظل تقنيات الربط المتاحة.

وهي خطوات من شأنها توفير فرص استثمارية وتسويقية للبنوك وتقديم خدمات متطورة والاستغناء عن بدائل التحويل الحالية وتسهيل متطلبات أسواق المال والشركات المساهمة وشركات القطاع الخاص.

ويقدم الدكتور تيسير خنيزي من جامعة الملك فهد بالسعودية شرحا حول تأثير الاتحاد النقدي على تكامل الأسواق المالية مشيرا إلى انه رغم وجود التحديات العديدة إلا ان هناك الكثير من النقاط الايجابية التي تسهل من تنفيذ هذا المشروع , ومنها البيئة الاقتصادية المتجانسة , ومعدلات التضخم المتقاربة والرغبة في تحقيق هذا المشروع داعيا الى تقديم تنازلات من الجميع في هذا الاتجاه.

وأشار الدكتور الخنيزي إلى ان المقترحات الحالية لمعايير التقارب الاقتصادي تشمل 2 بالمائة نسبة التضخم و 2 بالمائة معدل الفائدة و 60 بالمائة نسبة المديونية من الناتج الإجمالي وهي مقترحات سيتم اقرارها قريبا.

وحول التأثيرات الاجتماعية والسياسية أشار الدكتور فؤاد سجواني نائب المدير التنفيذي في البنك المركزي العماني الى ضرورة تحويل هيئة تسوية المنازعات إلى محكمة بهدف تعزيز النظام القضائي وتوسيع دور الهيئة الاستشارية لتصبح مجلسا على مستوى المنطقة مع وجود خيارات الاتحاد مثل الكونفدرالية والفيدرالية.

أما الآثار الاجتماعية فتتمثل في حرية التنقل والإقامة والتنافس على فرص العمل وتوفير الخدمات الصحية وفتح المجال لمواطني دول المجلس للدراسة في أي من دول المجلس والتنافس على المشروعات والمناقصات وتوفير آليات للتعامل مع الأيدي العاملة الوافدة.

وقال الدكتور سجواني :انه وحتى اليوم لا توجد دراسات او استطلاعات للرأي توضح حجم التأييد الشعبي لمشروع الاتحاد الاقتصادي في حين ان هذا التأييد سيتعزز مستقبلا حين يلمس المواطن الخليجي انجازاته الفعلية على ارض الواقع.

دبي ـ علي الصمادي: