شهدت اقتصادات الدول الخليجية طفرة ايجابية خلال النصف الثاني من القرن الماضي، خاصة بعد ظهور البترول في أغلب هذه الدول.
حيث أصبحت الموارد البترولية هي الممول الرئيسي للتنمية الاقتصادية الخليجية، ثم جاء التعاون الخليجي الذي بدأ منذ السبعينات لكي يدفع هذه الدول إلى مرتبة اقتصادية متقدمة ويخلق وضعاً اقتصادياً جديداً سوف يجني ثمرة قوية بإقامة السوق الخليجية المشتركة في العام المقبل والعملة الخليجية الموحدة خلال السنوات الأربع المقبلة.
ولكي يستمر هذا الوضع الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي فإن جهوداً ضخمة لابد أن تبذل في مسيرته وفي خطواته المتسرعة والمحكمة، وهو ما يحاوله الخبراء والاقتصاديون والمستثمرون ورجال الأعمال الخليجيون، الذين يتناولونه بالبحث والتحليل في أكثر من مناسبة ـ محددين أنواع هذه التحديات فيما يلي:
ـ تحديات تنويع مصادر الدخل، فلقد حاولت دول المنطقة بأساليب مختلفة أن تحل مشكلة الاعتماد شبه الكلي على النفط، وذلك منذ السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
على أن نظرة سريعة إلى إسهام النفط في الناتج المحلي لدول المجلس توضح أن الاعتماد على النفط والغاز مازال على درجة عالية في دول المجلس (الكويت وقطر والإمارات المتحدة بصورة خاصة) وبالتالي فإن هناك ضرورة لمزيد من التنويع في مصادر النشاط الاقتصادي.
ولاشك أن جهود دبي وعمان في مجال تنشيط السياحة وغيرها من القطاعات الخدمية تعد خطوات مهمة على طريق التنويع، ويلاحظ أنه باستثناء مملكة البحرين فإن الاعتماد على النفط كمصدر للدخل الحكومي وكجزء من الناتج المحلي الإجمالي مازال كبيرا.
ومما يزيد من ضرورة تنويع الأنشطة الاقتصادية أن النفط مصدر ناضب وأسعاره متذبذبة، فرغم أن عام 2005 شهد ارتفاعا ملحوظا في أسعار النفط (كان المتوسط لعام 2005 لنفط برنت 4 ,54 دولاراً للبرميل، أي بزيادة بلغت ما يقارب 43% عن العام السابق) فقد توقع اغلب المحللين استمرار ارتفاع الأسعار، وهو ما يمكن أن يساعد على تمويل تنويع الدخل.
ـ تحديات البطالة حيث إن أهم مشكلة سوف تواجهها دول المجلس تتعلق بإيجاد وظائف للأعداد المتزايدة من المواطنين الذين سيدخلون سوق العمل في السنوات المقبلة، ونظرا لأن النمو السكاني في دول المجلس يعد من معدلات النمو مثل أي منطقة في العالم.
فإن هذه الأعداد آخذة في التزايد، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي مؤخراً، فإن العالم العربي، بما فيه دول الخليج، يحتاج إلى خلق 25 مليون وظيفة جديدة سنوياً خلال السنوات المقبلة.
ـ تحديات دور القطاع الخاص، فلا جدال أن القطاع الحكومي والعام في كل دول المجلس يلعب دورا كبيرا في النشاط الاقتصادي بسبب سيطرة الدولة على النفط كمصدر أساسي للثروة.
على أن قدرة القطاع العام الحكومي على خلق فرص عمل هي قدرة محدودة، وهذا يدفع إلى أن يصبح تنشيط دور القطاع الخاص من أهم الأولويات التي يواجهها المسؤولون عن السياسات الاقتصادية في دول الخليج.
ولابد أن ينعكس ذلك على تفعيل سياسات التخصيص في كل الدول الخليجية، ومراجعة القوانين الاقتصادية والسياسات والإجراءات الإدارية الحكومية بما يمهد الطريق أمام القطاع الخاص ليلعب دوراً أكبر في النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة.
ـ تحديات الإصلاح الإداري والمالي والقانوني وذلك بغرض خلق بيئة أعمال مناسبة ومشجعة للاستثمار في دول الخليج، فلابد من تحقيق إصلاحات إدارية وقانونية بحيث تتسم الإجراءات الحكومية في مجال الموافقات على تخصيص أراضٍ أو منح رخص لمشاريع جديدة أو تبسيط وتسريع إجراءات التقاضي التجاري بالمرونة الكافية لتشجيع المستثمر المحلي والأجنبي.
ومن الضروري أيضا الاهتمام بوضع قوانين واضحة لحماية المستثمر تقوم على الشفافية، مع الاهتمام بأن يكون الالتزام بتطبيق القوانين أمراً يسري على الجميع، كما أنه يجب إلزام الشركات المدرجة بأن تكون بياناتها المالية سليمة وواضحة باتباع القوانين المعمول بها والمعايير العالمية.
وهذا يتطلب وجود جهات رقابية واعية وذات إمكانيات فنية بحيث تستطيع أن تكشف عن التلاعب أو الأخطاء في البيانات المالية.
ولمعالجة هذه التحديات وغيرها، فإن الأمر يتطلب تشريعات وخططاً جديدة بالاشتراك مع الذين يستطيعون إقامة المشروعات الضخمة والمشتركة التي تساعد على علاجها، على أن تعرض هذه التحديات على القمة الخليجية في اجتماعها القادم.
وذلك بغرض إصدار التوجيهات الرسمية للجهات الحكومية لمراعاة أن تتركز الأنشطة الاقتصادية في مجالات التنمية التي تقضي على هذه التحديات ودفع المسيرة الاقتصادية إلى التقدم الاقتصادي في ظل وحدة اقتصادية خليجية تتحقق قريباً، إن شاءالله، وتكون دافعا قويا لتطبيق التحديات الأربعة المطلوبة.
وهي حرية التنقل والإقامة للأشخاص، وحرية تبادل السلع والخدمات دون أي قيود، وحرية انتقالات رؤوس الأموال والتحويلات المتعلقة بها، وأخيرا حرية مزاولة الأنشطة الاقتصادية والتجارية للخليجيين في أي بلد داخل الدول الخليجية.
ويهمنا بهذه المناسبة عرض بعض النقاط التي يمكن أن تساعد في تقوية الاقتصاد الخليجي وتحويله إلى التقدم المطلوب:
ـ من الواضح أن أغلب الأموال الخليجية التي تحققت من الزيادة في أسعار البترول قد اتجهت إلى التنمية الداخلية وإقامة مشروعات كبيرة .
وهذا اتجاه جيد ومطلوب، غير أن جزءاً من هذه الأموال يذهب إلى الاستثمار في الخارج خاصة في الصين والهند ودول أخرى في آسيا، وهو ما يعني أن الفرص الاستثمارية المتاحة في دول الخليج لا تستوعب كل الأموال الفائضة، على عكس الواقع.
حيث إن السوق الخليجية مضافاً إليها السوق العربية تستطيع أن تستوعب مشروعات عديدة ومنتجات ضخمة، يمكن أن يتم تمويلها من الفائض المحقق، وعلى سبيل المثال فهناك حوالي أربعة آلاف مشروع عربي وخليجي كبير لدى مجلس الوحدة الاقتصادية العربية قام بتجميعها وعرضها في الانترنت وفي وسائل الإعلام.
وأن كان ذلك لا يكفي حيث يتطلب الأمر اتصالات مباشرة بين الممولين وأصحاب المشروعات، خاصة تلك التي تضع بنية أساسية للأجيال الخليجية القادمة إن شاءالله.
ـ استرداد الأموال الخليجية من الخارج والتي تقدر حاليا بحوالي تريليون دولار أميركي، موزعة في الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وبعضها أصبح في آسيا.
وهي الأموال التي تم سحبها من بعض الدول العربية عندما قررت تأميمها أو فرض الحراسة عليها، غير أن ذلك لم يعد في الحسبان بعد أن تبين الخطأ الكبير في هذه الخطوات.
حيث تسببت في هجرة الأموال العربية إلى الخارج والتي لو بقيت في داخل الدول العربية لنتج عنها تنمية وتقدم اقتصادي عربي كان يمكن أن يعالج كل التحديات التي وقفت ضد هذه المنطقة بما فيها التحديات التي ترتبت على قيام إسرائيل التي مازالت تعتقد أنها الدولة المتقدمة الوحيدة وسط دول متخلفة!!
وأن هذه الدول العربية لن تستطيع تهديدها في المستقبل مهما حصلت على أموال !! وهو تخطيط يتم تنفيذه حاليا في صمت بالتعاون بين إسرائيل ودول أجنبية معروفة.
إن تقوية الاقتصادات الخليجية سيكون تقوية لكل الاقتصادات العربية، وهو الذي سيفرض التعاون والتكامل وتحسين المستوى الاقتصادي لكل الشعوب الخليجية، بل وسيعالج المشكلات الاقتصادية والسياسية التي تتحدى المنطقة العربية والتي تقف في طريقها إلى التقدم والتنمية، كما أن تقوية الاقتصاد الخليجي سيتم تلقائيا بعد القضاء على التحديات السلبية ودعم الوحدة الاقتصادية الخليجية.
كاتب اقتصادي مصري