بعد إتمام دراسة المستندات التي تم شرحها في الحلقة السابقة، يبدأ مدير المشروع بإعداد «ميثاق المشروع» الذي يحدد وصفاً موجزاً للمشروع، إلى جانب كونه تفويضاً رسمياً من الإدارة العليا للبدء في المشروع، مع بيان العوامل.
والأسباب التي أدت إلى اتخاذ القرار باختيار هذا المشروع، والفائدة المرجوة والمتوقعة عند الانتهاء من إنجاز المشروع. كما يتم من خلال الميثاق أيضاً بيان العلاقة بين المشروع والغايات والأهداف الاستراتيجية التي من المفترض أن تحقق عند الانتهاء من تنفيذ المشروع.
ويعتبر تحديد ما يعرف باسم «تسليمات المشروع الأساسية» أحد أهم مكونات ميثاق المشروع، والتي تمثل النتائج التي يتم من خلالها تحديد ما إذا كان المشروع قد تم إنجازه بشكل كامل وناجح أم لا، مما يتطلب بيان معايير ومقاييس تقييم مدى اكتمال ومطابقة كل تسليم على حدة.
وتنبع أهمية تحديد تلك التسليمات من كونها أساساً يحدد مكونات المشروع التي سيقوم المالك باستلامها خلال تنفيذ المشروع وعند الانتهاء منه، وإعطاء الموافقة الرسمية عليها عند إنجازها لاحقاً، لبيان ما إذا تم فعلياً تنفيذ محتوى المشروع كما اتفق عليه وبات تغليق المشروع أمراً ممكناً.
وعلى سبيل المثال، لو افترضنا أن المشروع هو عبارة عن بناء مدرسة لطلاب المرحلة الابتدائية ستقوم بتنفيذه وزارة الأشغال العامة، على أن يشتمل المشروع على جميع المباني والخدمات، بما في ذلك صالات الألعاب ومواقف السيارات والحافلات.
و لكن بالنسبة لأثاث ومفروشات صفوف التلاميذ وغرف الإدارة وغيرها من المرافق، فسيتم توريدها من خلال مشروع آخر مستقل تنفذه وزارة التربية والتعليم. بناء على ذلك، يتم تحديد تسليمات المشروع بالأمور التالية:
مبنى الإدارة، وصفوف التلاميذ، وصالة الألعاب، وباحة المدرسة، ومواقف السيارات والحافلات، والسور الخارجي مع البوابة الرئيسية، وغرفة الحارس، بالإضافة إلى تسليمات أخرى حسب الخرائط والمواصفات المعتمدة للمشروع.
وتكمن أهمية تحديد التسليمات الخاصة بالمشروع في أنها تتيح لمدير المشروع تحديد الأعمال الواجب أن يتضمنها أو يستبعدها من المشروع، مع الأخذ بالاعتبار وجوب موافقة مالك المشروع على ذلك.
وفي الحقيقة، فإن تحديد ما لا يتضمنه المشروع هو الأهم، إذ قد يفترض أحد الأطراف ذو العلاقة بالمشروع أن عملاً ما يشكل جزءاً لا يتجزأ من المشروع بناء على تصوره الخاص، علماً أن المشروع حسب المحتوى المتفق عليه لا يتضمن هذا العمل.
مما قد يؤدي إلى نشوب خلاف في وقت لاحق كان من الممكن تفاديه لو تم توثيق ذلك مقدماً. ولهذا، فإنه ينصح بتدوين وتوثيق أي محتوى عمل يعلم مدير المشروع أنه غير مشمول بالمشروع.
ويقدم المشروع السابق مثالاً حياً على ذلك، إذ يتعين ذكر- وبكل وضوح- أن جميع المفروشات الداخلية للصفوف والإدارة والعيادة الطبية وصالة الألعاب سوف لن تكون من ضمن هذا المشروع، بما في ذلك جميع الألعاب التي سيتم توريدها وتركيبها في الباحة الخارجية في وقت لاحق من قبل وزارة التربية والتعليم.
بعد تحديد محتوى المشروع، يتم تحديد التواريخ المطلوبة لإنجاز المشروع بشكل كامل، بالإضافة إلى عدد آخر من التواريخ الواجب التقيد بها عند البدء بتنفيذ المشروع ومراحله الأساسية. وتنبع أهمية ذلك من ضرورة القيام بتحديد معظم غايات المشروع، إن لم تكن جميعها، بعد الأخذ بالاعتبار متطلبات المستخدم النهائي للمشروع.
ففي حال مشروع المدرسة الابتدائية، يجب أن يحد ميثاق المشروع التواريخ الخاصة بتصميم المشروع، وطرح المناقصة، ومن ثم ترسية المشروع، انتهاءً بتاريخ إنجاز المشروع وتسليمه إلى وزارة التربية والتعليم لكي يتسنى لها توريد وتركيب مستلزمات المدرسة قبل بدء العام الدراسي.
كما يتعين على مدير المشروع تحديد الكلفة المتوقعة للمشروع بناء على ما تمت دراسته واعتماده في دراسة الجدوى الاقتصادية، ولكل ما قد يراه ضرورياً أن يضاف إلى تلك الكلفة. ومثال على ذلك، المصاريف الخالصة بأعمال التصميم .
ومن ثم التنفيذ، والتي يفضل تفصيلها إلى الأجزاء الرئيسية للمشروع مثل الأعمال المدنية، والتشطيبات الداخلية والخارجية، و الأعمال الميكانيكية والكهربائية، وتكييف الهواء وغيرها.
وبما أن كل مشروع يتطلب فريق عمل للقيام به، فلا بد من تحديد دور ومسؤوليات الأطراف الأساسية التي سيكون لها علاقة مباشرة بالمشروع. ويتم ذلك من خلال تحديد الأفراد الذين سيكون لهم دور في الموافقة أو الرفض على ما قد يتطلبه تنفيذ المشروع وما قد ينتج عنه من تسليمات.
وفي العادة، يكون هؤلاء الأفراد ممثلين للدوائر التي ستوفر للمشروع الموارد المالية والبشرية وغيرها، بالإضافة إلى الدوائر التي ستتولى استلام وإدارة المنتج النهائي والخدمات التي سيتم الحصول عليها عند إنجاز المشروع.
ففي حالة مشروع المدرسة الابتدائية، قد تتضمن الأطراف الرئيسية للمشروع ممثلين عن وزارة التربية والتعليم، ووزارة المالية، ووزارة الأشغال العامة والإسكان، وممثل البلدية، وممثل هيئة الكهرباء والماء وغيرهم.
ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن كل ما تم إعداده وتحديده حتى الآن يقوم على افتراضات قد يثبت لاحقاً صحتها أو خطأها. ويتعين على مدير المشروع أن يأخذ في الاعتبار العديد من الافتراضات عند دراسته وتحليله المشروع، إذ ليس باستطاعته أو استطاعة أي شخص آخر معرفة ما سيحدث مستقبلاً خلال فترة إنجاز المشروع.
وقد تكون الافتراضات متعلقة بتوفر الأرض لبناء المدرسة، وتوفر الميزانية للمشروع، واهتمام المقاولين في المشاركة بالمناقصة كون المدرسة واقعة في منطقة نائية، وغيرها الكثير.
وبالتالي، فإنه لزاماً على مدير المشروع توثيق تلك الافتراضات في (ميثاق المشروع)، إذ من شأنها أن توفر خلفية واضحة عن الأسباب التي دعت إلى تحديد العديد من المعطيات ذات الصلة بالمشروع.
يضاف إلى ذلك، أن مدير المشروع يحتاج إلى تحديد القيود التي قد تحصر خياراته أثناء تقرير بعض الأمور الخاصة بالمشروع. ومن الأمثلة على القيود التي يمكن أن يتعرض لها المشروع، اقتصار الدعوة على المقاولين المسجلين لدى الوزارة، وعدم وجود طرق أو خدمات متكاملة في الموقع المقترح للمدرسة، وما إلى ذلك.
ولأن كل مشروع يتم اختياره وفق غايات محددة ستعود بالمنفعة على مالكه، فإنه يتعين على مدير المشروع تحديد تلك المنافع وبيان كيفية تقييم مدى نجاحها عند الانتهاء من المشروع، إذ يكتسب ذلك أهمية كبرى لدى المالك أو المستخدم النهائي للمشروع. وجل ما يعني هذه الأطراف هو ما إذا كان المشروع قد حقق المنافع التي اختير على أساسها بما يبرر جميع المصاريف التي تطلبها.
وهذا أمر لا يوليه بعض مديري المشاريع- للأسف- الأهمية التي يستحقها، مفترضين أن قيامهم بإنجاز مكونات المشروع من أعمال يعني أنهم أدوا دورهم بنجاح. ولكن هذا ليس صحيحاً بالطبع. و إذا ما نظرنا الى مثال المدرسة، فإن نجاح المدرسة يعتمد على تمكن وزارة التربية من استخدامها بشكل كامل مع بداية العام الدراسي.
أما الجزء الأخير من ميثاق المشروع، فهو الموافقة الرسمية من قبل كل الأطراف الأساسية في المشروع التي تم تحديدها سابقاً، على أن ما احتواه هذا المستند يمثل وصفاً كاملاً وصحيحاً للمشروع ولما هو متوقع منه عند إنجازه.
وتمثل تلك الموافقة تفويضاً رسمياً لمدير المشروع بالبدء بالمرحلة التالية، ألا وهي مرحلة تخطيط المشروع التي سينتج عنها وضع خطة كاملة وتفصيلية تبين كيفية إنجاز وتحقيق المشروع والتي سيتم تفصيلها في الحلقات التالية.
الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة «سي إم سي إس»
as0m.S!/m0n@cm6s.a<