«رأس المال الجبان» تلك هي عبارة متداولة وشهيرة وهي في واقع الأمر تعبّر عن حالة حقيقية لرأس المال في أي مجتمع، فكما أن الجبان يهرب من أي خطر محدق قد يناله من قريب أو بعيد، فإن رأس المال كذلك يبحث عن الأمان حتى يتمتع بالاستقرار في الأوساط التي يتواجد فيها وهذا موروث طبيعي له ويميزه عن باقي الأدوات الاقتصادية.
لذلك فإن أية دولة حديثة لن تستطيع ان تحافظ على نظامها السياسي دون الالتزام بفرض سيادة القانون الذي يسري وينفذ ويتمتع بالحماية من قبل قضاء يتمتع بالاستقلال والمصداقية.
فدور القضاء يتمثل في استكمال الضلع الثالث من مثلث السلطات في الدولة بل ودوره قد يمتد إلى خلق حالة من التوازن بين نفوذ كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، كما إننا لا ننسى الدور الايجابي المهم الذي يؤديه القضاء في التأثير على الجريمة والاقتصاد والجانب الاجتماعي في المجتمع.
يعاني الكثيرون في عدد من دول العالم نماذج سلبية للفساد، فضلا عن غياب المسؤولية عن هذا الفساد مما يسبب حالة من فقدان الثقة في المؤسسات المختلفة.
عمليات الإصلاح الاقتصادي تتأثر بالسلب من الممارسات السلبية من الجهات المسؤولة قانونيا عن حماية حقوق الأنشطة المدنية والتجارية والرسمية، فعلى سبيل المثال، الفساد يؤدي إلى زيادة تكلفة التعاملات الاقتصادية. فلن يتوجه المستثمرون باستثماراتهم الى دولة لا تتوافر بها معايير مضمونة وموثوق بها للإجراءات القضائية.
ولجذب هؤلاء المستثمرين يتعين على الجهاز القضائي أن يوفّر درجة مقبولة من الثقة واليقين في العدالة وفي إطار زمني معقول. تصل المدة التي تستغرقها المنازعات التجارية في بعض الدول خمس عشرة سنة.
هنا كعلاقة عكسية بين الربحية الاقتصادية والفترة الزمنية المستغرقة للقضايا التجارية والمدنية لدى المحاكم، وعندما يستغرق حل النزاعات سنوات طويلة يصبح عائد وربحية النشاط الاقتصادي في تلك الدول عائدا قليلا مع ارتفاع درجة المخاطرة.
أما في دبي فالوضع مختلف بل متميز، فالدعاوى المدنية والتجارية يستغرق البت فيها سنة ونصف السنة بالنسبة لتلك التي تصل الى محكمة التمييز، وهو ما يعد أمرا تفتخر به إمارة دبي لأن ذلك يضعها في فلك الدول المتقدمة التي تفتخر بنظامها القضائي.
وقد انعكس ذلك على جذب الاستثمارات الأجنبية إليها، فالمستثمر يطرح عدة تساؤلات قبل ان يضخ أمواله في أي دولة ولعل أولى تلك التساؤلات تنصب حول كفاءة الجهاز القضائي في تلك الدولة، وطول فترات التقاضي، وعدم اليقين من الإجراءات القضائية تجعله لا يقدم على الاستثمار فيها.
فطول إجراءات التقاضي يعوق النمو الاقتصادي من خلال الارتفاع المباشر في تكاليف المعاملات الاقتصادية التي يعرفها قاموس الاقتصاد الحديث بأنها «التكاليف الأخرى بخلاف السعر التي تترتب على تجارة السلع والخدمات«. وتشمل هذه التكاليف الأخرى المصروفات التي لا تتعلق بالمدخلات، وانما تتعلق بتكاليف استخدام آليات الإنتاج والتبادل.
وباستخدام هذا المعنى، فإن تكلفة المعاملات تكون عنصرا مشوها للنظام الاقتصادي ويكون بعضها نتيجة حتمية آليات السوق السائدة بحيث لا يمكننا استبعادها بشكل كامل.
فتكلفة المعاملات الاقتصادية يمكن تخفيفها عند التعامل مع بعض الآليات مثل تنفيذ أحكام العقود التي تتطلب إجراءات للتقاضي أمام المحاكم وقوة تنفيذ أحكام القضاء وبعض الإجراءات البديلة الأخرى المرتبطة بحل النزاعات.
ومرة أخرى أردد ما ذكرت في الأعلى، تتميز إجراءات التقاضي في دبي وما يلحقها من إجراءات تنفيذ الأحكام بنوع متميز من السلاسة في تطبيقها ولا تدخل تحت مظلة العوامل المعيقة ذات الأثر السلبي على ارتفاع السلع والخدمات التي لا ارى لها مبرراً علمياً في حياتنا اليومية.
ذكر فرنسيس فوكوياما أن ارتفاع درجة الثقة بين المؤسسات داخل المجتمع تؤدي الى انخفاض تكلفة المعاملات داخل المجتمع. وعندما ترتفع تكلفة المعاملات تكون النتيجة انشقاقاً حاداً له آثار اقتصادية سلبية محددة للتنمية ونمو القطاع الخاص.
فالشفافية بين مختلف القطاعات في المجتمع لها أثرها الايجابي على النمو الاقتصادي في المجتمع وذلك من شأنه ان يولد درجة عالية من الثقة بين القطاعات العامة والخاصة في المجتمع. أي ان كلا القطاعين لا يستغني احدهما عن الآخر بحيث يكون في النهاية لا خاسر بينهما بل سيستفيد من ذلك حتى المواطن الذي لا يعد طرفا في تلك المعادلة.
باحث قانوني واكاديمي
vipjh710@hotmail.com