عندما يتردد اسم نورة جمشير المدير التنفيذي لبورصة دبي للألماس وتلتقطه الأسماع، يتفتح الذهن عن ألف سؤال وسؤال: كيف استطاعت هذه الشابة أن ترتاد مهنة التصقت في الثقافة العربية بالرجال.
وأن ترتقي لهذا المنصب الذي يفترض فيمن يتبوؤه التمتع بخبرات فنية تعد في الأصل نادرة في منطقتنا العربية. والاهم من هذا كله أن تكون في موقع المسؤولية في وقت تجتاز فيه بورصة دبي للألماس أهم مرحلة في تاريخها وهي مرحلة إثبات هويتها العالمية بالقول والفعل معا.ويمكن للمرء أن يحتار حول اللقب الذي يمكن إطلاقه عليها، فمن الجائز توصيفها بـ «سيدة الألماس في دبي»، ومن الجائز أيضاً وصفها بـ «سيدة الألماس في العالم» لكونها السيدة الوحيدة التي تتولي مثل هذا المنصب في بورصات العالم مجتمعة.
وبين هذه الألقاب، تحلق بأفكارها وتصوراتها حول كيفية الصعود ببورصة دبي للألماس إلى مصاف بورصات الألماس العالمية، والأمر بالنسبة لها ليس مجرد فكر وتنظير وإنما عمل دؤوب لتحقيق التطلعات التي تنشدها.
عملت نورة جمشير في مستهل حياتها العملية في مجال الاستثمارات المصرفية، وذلك عقب تخرجها من كلية بابسون بجامعة ويليسلي الأميركية، حيث انضمت إلى بنك «ترانس آربيان إنفستمنت» كمحللة مالية، ثم مديرة محفظة استثمارية. وفي عام 2002 عينت في مركز دبي للمعادن والسلع لتكون مسؤولة عن ملف «اتفاقية كيمبرلي»، وفي يونيو 2004، انضمت إلى بورصة دبي للألماس.
ملف اتفاقية كيمبرلي
اكتسبت نورة جمشير الخبرة في مجال الألماس من واقع عملها في مركز دبي للمعادن والسلع، فهناك صقلت أفكارها وخبراتها بهذا المجال الذي كان حكرا على الرجال.
وتعمقت معارفها بالجوانب الدولية في تجارة الألماس، بتوليها ملف اتفاقية كيمبرلي وهي اتفاقية دولية تهدف إلى إيقاف تدفّق «الألماس الدموي» خارج إفريقيا، أي منع تجارة الألماس التي تمول بإيراداتها الحركات المسلحة في أنجولا وسيراليون والكونغو، وألا يسمح بتسويق سوى الألماس المنتج من مناطق خالية من الصراعات.
وقام بالتوقيع على اتفاقية كيمبرلي 54 دولة لتقضي بأنه يجب أن يكون الألماس مصدّقاً من بلد المنشأ قبل تصديره. وأن يُحظر على حكومات العالم شراء المجوهرات التي لا تتم المصادقة عليها من بلد المنشأ.
وساهمت نورة جمشير في نشر الوعي ببنود الاتفاقية بين المعنيين بصناعة وتجارة الألماس، كما ساهمت في ترتيب انضمام الإمارات لهذه الاتفاقية.
وتجلي ذلك في الندوات التي نظمها المركز في هذا المجال، حيث قام المركز في سبتمبر 2002 بتنظيم ندوة حول عملية «كيمبرلي» شارك فيها كبار المديرين التنفيذيين في صناعة الألماس علاوة على المسؤولين الحكوميين لإطلاعهم على المبادئ والقيم التي تعبر عنها هذه الإتفاقية الدولية، وكان المتحدث الرئيسي مارك فان بوكيستيل مدير الشئون الدولية في المجلس الأعلى للألماس ومقرة بلجيكا.
وأثمرت جهود نورة جمشير عن قيام الإمارات بإصدار القانون الاتحادي رقم 13 لعام 2004 الذي رسخ إطاراً تشريعياً ينظم تجارة تصدير واستيراد وإعادة تصدير الألماس، وذلك بما ينسجم مع المقاييس والقواعد العالمية بتضمنه قواعد صارمة تحظر تجارة الألماس غير المقطوع التي تباشرها الجماعات المسلحة المتمردة لتمويل حملاتها ضد حكوماتها.
ومع الانتهاء من بناء برج الألماس، وتقديمه تسهيلات من الطراز العالمي وتمتعه بوضع المنطقة الحرة، حرص مركز دبي للمعادن والسلع أن يكون الإطار التنظيمي الذي يشرف على تطبيقه متفقا مع الأطر التنظيمية العالمية.
وبالتالي أصبحت الإمارات الأولى التي تقبل الالتزام باتفاقية كيمبرلي حيث وافقت الإمارات على المراجعات المنتظمة التي تفحص الألماس غير المصقول الذي يمر عبر مركز المعادن والسلع فضلا عن التحري بأن تلك الكميات جاءت من مصادر شرعية.
ويعمل فريق تابع لهذه الاتفاقية بشكل وثيق مع جمارك دبي لضمان عدم نفاذ المجوهرات القذرة من مناطق الصراعات إلى سلسلة إنتاج الجواهر.
ويعتبر انضمام الإمارات إلى «اتفاقية كيمبرلي» بالنسبة لنورة جمشير قضية بالغة الأهمية لكونها ترتبط بالثقة في دبي كمركز عالمي لتجارة وصناعة الألماس في العالم.
وتتحدث عن هذه الخطوة المهمة بقولها «إن الإمارات التزمت بالاستحقاقات الكاملة للاتفاقية»، ولهذا اعتمدت بورصة دبي للألماس منذ نظاماً للإفصاح يتميز بالحزم والشفافية، وهو ما اكسب دبي والإمارات المزيد من الثقة عالميا ومحليا».
وتابعت بقولها إن سوق تجارة الألماس يحتاج إلى الخبرة والثقة في الوقت نفسه، والسوق يحتاج إلى التعرف على اللاعبين الكبار في السوق، ونظام العمل والتداولات في البورصات العالمية، وهذا ما تسير عليه بورصة دبي للألماس حاليا.
فقد قمنا بالعديد من الزيارات إلى مختلف أنحاء العالم، وزرنا جميع المراكز العالمية لصناعة وتجارة الألماس الكبيرة والشهيرة في نيويورك وأنتويرب، وكذا الصين والهند وروسيا وغيرها، وتم توقيع العديد من اتفاقات التعاون مع تلك المراكز العالمية.
وتؤمن نورة جمشير إيمانا جازما بأن الإمارات اختارت الطريق الصائب بقبولها الانضمام إلى اتفاقية كيمبرلي، ولهذا - والكلام لها - فهي تطبق نظاما صارما لتأمين شحنات الألماس يبدأ منذ دخول الشحنة إلى الدولة من أي من منافذها، كما أن أي عضو في بورصة دبي للألماس ملتزم بالتعامل وفق المعايير الدولية واتفاقية كيمبرلي.
وأحد هذه المعايير المهمة هو أن يكون معروفا ممن تشتري الألماس ولمن تبيع، فضلا عن أن الإمارات كانت الوحيدة والأولى التي سمحت بالزيارات الخارجية لمواقع الإنتاج لمراقبة جميع العمليات الفنية والتصنيعية والتعاملات على الألماس من ضمن الدول الأعضاء في الاتفاقية.
وتتميز صناعة الألماس ـ والكلام على لسانها ـ بوجود ترابط بين العاملين فيها لحمايتها وتنقيتها من الشوائب أو المخالفين، وما يثير الدهشة والإعجاب أن صناعة الألماس استطاعت وفي خلال سنوات قلائل أن تنقي نفسها من الشوائب وتتعامل في الألماس النظيف والشرعي وتتجنب الألماس الحروب أو النزاعات.
الرئيس التنفيذي
تسلمت نورة جمشير مسؤولية البورصة منذ إطلاقها من قبل مركز دبي للمعادن والسلع، وتقوم بالإشراف على أعمالها وجميع المزادات والدورات التدريبية.
وتعتبر هذه المرحلة تاريخية وحاسمة بكل المقاييس والإبعاد، حيث كان من المتعين عليها أن تقود مركب البورصة في بحر يموج بالأنواء، ولكنها ترى أن هناك مفاتيح أساسية كانت بمثابة لوحة إرشادية في توجيه وإدارة عمل البورصة. وتتحدث عن هذه المفاتيح الواحد تلو الآخر.
ويتمثل المفتاح الأول في امتلاك دبي بالفعل مقومات السوق المثلى لتجارة وصناعة الألماس وفق المواصفات العالمية، وبالمقدور تقديم إجابة شافية ومقنعة بشأن ما يمكن أن تضيفه دبي لهذه الصناعة على المستوى الدولي.
حيث تعتبر دبي بوابة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ولا يوجد في محيطها الجغرافي أي سوق أو مركز للمجوهرات أو الألماس يمكن أن ينافسها أو يكتسب شهرة مماثلة للشهرة التي اكتسبتها على مر السنين. ولهذا أحرقت بورصة دبي للألماس العديد من المراحل الزمنية والإجرائية بقبول عضويتها في الاتحاد العالمي لبورصات الألماس.
وتمكنت من تحقيق هذا الإنجاز من دون أن يكون مطلوبا منها أن تشرح أو تعرف العالم بنفسها، فالتطور الحضاري والتقني والعمراني الذي تشهده الإمارة هو أساس نجاح بورصة دبي للألماس، فضلاً عن أنه في الوقت الذي توجد فيه أربع بورصات للألماس في السوق الأميركي وأربع بورصات أخرى في انتويرب في بلجيكا على الرغم من صغر حجمها.
وتصنف الدول العربية على أنها وحدة واحدة أو سوق واحدة في مجتمعات الألماس العالمية، ومن هنا فإن دبي تعد هي المفتاح والطريق الجغرافي الأسهل لدخول هذه الأسواق العربية المتنوعة:
خليجية وشرق أوسطية وبلاد الشام ودول شمال إفريقيا. ولهذا، كان الاجتماع السنوي الثالث لمجلس الألماس العالمي في هو النافذة التي أطل منها مجتمع الألماس العالمي على دبي، و فتح هذا الاجتماع الباب أمام كل دول العالم للتعرف على مقومات الصناعة التي تتمتع بها دبي.
حيث انه كان بمثابة الملتقى الذي ضم أقطاب الصناعة والتجارة في العالم من خبراء وفنيين وتجار وأخصائيين ورجال أعمال ومستثمرين وقانونيين وغيرهم، بجانب ممثلين عن الأمم المتحدة وأعضاء المجلس أنفسهم ممن يمثلون أكبر البورصات العالمية.
تحديد هوية البورصة
أما المفتاح الثاني، فهو يتمثل في تحديد هوية البورصة إذ جسد تأسيس بورصة دبي للماس رؤيتنا وأهدافنا لتحتل دبي والدولة مكانتها كمركز عالمي بارز للألماس، ونحن فخورون بإطلاق هوية البورصة وخططها المستقبلية، حيث يعد الألماس أحد أهم القطاعات بالنسبة لمركز المعادن والسلع.
ويتمثل المفتاح الثالث في البدء من حيث انتهى الآخرون، بأن تطبق البورصة منذ لحظة إطلاقها أحدث التكنولوجيات المطبقة في العالم، وأن يتوافر فيها أفضل التسهيلات لكي تحقق الهدف المنشود من ورائها وهو تطوير وتنمية صناعة وتجارة الألماس في الإمارات والمنطقة ككل.
وهو ما تطلب أن تكون بورصة دبي للألماس أحدث وأكثر بورصات العالم تطورا ورقيا، وأن تكون الخدمات المتوفرة فيها غير متوفرة في البورصات العالمية الأخرى الأكثر شهرة. ولهذا كان من المهم التعرف على اللاعبين الكبار في السوق، ونظام العمل والتداولات في البورصات العالمية.
وتحقق هذا الأمر من خلال الزيارات العديدة لمختلف أنحاء العالم، وزيارة المراكز العالمية لصناعة وتجارة الألماس الكبيرة والشهيرة في نيويورك وأنتويرب، وكذا الصين والهند وروسيا وغيرها، والتوقيع على العديد من اتفاقات التعاون مع تلك المراكز العالمية.
إستراتيجية واضحة المعالم
أما المفتاح الرابع لتحقيق النجاح فهو يتمثل في امتلاك إستراتيجية واضحة المعالم، وتستند هذه الإستراتيجية على الترويج للإمكانيات والفرص الفريدة التي تقدمها دبي للعاملين في هذا القطاع لتوسيع عملياتهم ودخول أسواق جديدة ورفع معايير الجودة لمختلف العمليات التجارية والصناعية المتعلقة بهذا القطاع، وذلك كجزء من رؤية حكومة دبي في تطوير الإمارة ككل كمركز اقتصادي عالمي.
وعليه، فقد تركز نشاط البورصة على تنظيم المزادات على الألماس الخام أو المصقول، من خلال تجميع المشترين والبائعين في مناخ تجاري، وتوفير فرص الاجتماع فيما بين المتعاملين خارج المزادات.
وسجل هذا النشاط نجاحا. كما تظهر الأرقام التي أعلنت عليها عن قيم وحجم التداولات والصفقات المنفذة سواء الثنائية (بزنس تو بزنس) منها أو من خلال المزادات.
وتشير هنا أرقام بورصة دبي للماس إلى أنها استضافت خلال العام الماضي وحتى أكتوبر 2005 نحو 5 عروض للماس الخام زادت قيمتها على 66 مليون دولار.
وتوقعت البورصة الناشئة أن تنمو تداولاتها بشكل كبير خلال الفترة المقبلة، نظراً إلى أن الإنتاج العالمي من الألماس الخام غير المقطوع أو المصقول يقدر بنحو 9 ,5 مليارات دولار سنوياً.
وأضافت أنه تم تداول 435 ألف قيراط من الألماس الخام في البورصة منذ افتتاحه حتى أكتوبر 2005، لتتجاوز بذلك قيمة التداول 66 مليون دولار وأن الإقبال على عروض الألماس فاق التوقعات، مع زيادة مطردة في أعداد المشاركين في كل عرض جديد.
نشر ثقافة الألماس
ويتمثل المفتاح الخامس في نشر ثقافة الألماس من خلال نقل الخبرة العالمية إلى السوق المحلي والعربي، حيث أن الخبرة بالألماس في السوق العربي تعد ضئيلة، ولهذا جرى الاهتمام بنظيف أرقي الخبرات لإكساب السوق المحلي الثقة.
وتستعرض هنا نورة جمشير خطة البورصة في تحقيق هذا الهدف بقولها : نحن ننشد في المرحلة المقبلة تكثيف تنظيم ورش العمل والدورات التدريبية والتعريفية بأخر تطورات الصناعة.
وتدريب الخبراء والعاملين في صناعة وتجارة الألماس على تقنيات الصناعة الحديثة ووسائل الترويج والحفظ والصقل وغير ذلك، وسيتاح لأعضاء البورصة الاستفادة بشكل رئيسي من هذه الدورات، وذلك بالتعاون مع أحدث المعاهد والمراكز العالمية التي يقوم خبراء منها بتدريس هذه المواد للمتقدمين.
ونهدف من وراء ذلك إلى نشر «ثقافة الألماس» بين المحترفين والمبتدئين على حد سواء، والهدف الأساسي وراء ذلك كله هو توسيع قاعدة المهتمين والممارسين لهذه التجارة والصناعة الراقية والتي نتوقع أن يكون لدبي فيها شأن كبير في المستقبل.
ويجري التعاون - والكلام ما زال لها - مع مؤسسات مثل جي اس ايه العالمية التي ستدرب المتقدمين لدورة بورصة الألماس على قطع الألماس وفق الطرق الحديثة.
وتعتبر الإمارات هي الدولة الوحيدة في العالم خارج الولايات المتحدة الأميركية التي يتم تدريس هذه العلوم والتطبيقات فيها، كما توفر الدورات التدريبية تلك فرصة حقيقية أمام المتقدمين من محترفين ومبتدئين لاكتساب معارف في أسس تقييم وتثمين الألماس المصقول.
ويعتبر هذا البرنامج التدريبي - كما تشير - مهم جدا لأنه يعتبر قمة المعارف في صناعة الألماس وتجارته، وهو يحدد لمدى بعيد قدرة الحاصل عليه في تقييم الألماس.
كما نتعاون أيضا مع «مؤسسة اتش آر دي التابعة الى بورصة أنتويرب ببلجيكا والتي تربطها علاقات قوية ببورصة دبي للألماس ضمن مجموعة العلاقات الدولية التي تربط الأخيرة بمراكز تجارة وصناعة الألماس في العالم.
وبالمناسبة، فقد شرعت مؤسسة علم الجواهر التابعة لمركز الألماس العالمي التي تقوم بتنظيم برامج تدريبية وتعليمية حول الألماس والجواهر في كل أنحاء العالم في تنفيذ برنامج للتعاون مع مركز دبي للمعادن والسلع وبورصة دبي للألماس، يتضمن تنظيم أول برنامج تدريبي يتعلق بالألماس. وكان تنظيم هذه البرامج في الماضي يتم من خلال التعاون مع مجموعة الذهب والمجوهرات.
كتب مجدي عبيد:

