بدأ رواج صناديق الملكية الخاصة في المنطقة منذ ثلاث سنوات. ومع أن هذه الصناديق اكتسبت شهرة واسعة في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية منذ زمن طويل، إلا أنها لم تكتسب زخما قوياً في دول مجلس التعاون الخليجي إلا مؤخراً. فقد أدت حالة الاضطراب الأخيرة التي طرأت على الأسواق المحلية إلى تركيز اهتمام المستثمرين على تنويع محافظهم الاستثمارية.
وكانت عمليات الملكية الخاصة على مدى الـعشرين سنة الماضية أفضل أداءً من سوق الأسهم في الولايات المتحدة الأميركية على كل من الأجلين القصير والطويل، حيث شهد هذا النشاط في العقدين الماضيين طفرة هائلة ارتفع معها حجم صناديق الملكية الخاصة في الولايات المتحدة الأميركية من 5 مليارات دولار في عام 1980 إلى أكثر من 800 مليار دولار في عام 2005.
ومع أن منطقة الشرق الأوسط تعتبر واحدة من أقل الأسواق نشاطا في مجال الملكية الخاصة، إلا أنها تشهد تغييرا حثيثا مع دخول مؤشرات جديدة إلى السوق بما فيها مؤشرات من خارج المنطقة. فقد ركزت الحكومات في الشرق الأوسط بقوة على تعزيز دور القطاع الخاص من خلال مبادرات الخصخصة،
وهو ما سيوفر فرصا ممتازة لشركات الملكية الخاصة، والتي ستصبح مصدراً رئيسياً لتدفق المزيد من الصفقات في هذا المجال. كما شهدت المنطقة فتح قطاعات جديدة للاستثمار ظلت في السابق مقصورة على القطاع العام، منها على وجه الخصوص قطاعا النفط والغاز في المملكة العربية السعودية.
من جهة أخرى، تواصل عمليات الاكتتاب العام الأولي للأسهم في السوق فتح شهية المستثمرين للبحث عن شركات وفرص استثمارية جديدة حتى مع حالة الاضطراب التي تسود الأسواق مؤخرا. وتشمل عمليات الاكتتاب »الاكتتاب العام الأولي« التي تمت مؤخرا في المنطقة بنك الريان »قطر«، و بنك البلاد »السعودية«، وأملاك للتمويل »الإمارات«، وشركة طيران الجزيرة، الكويت، وبنك السلام، واستثمار.
التملك الخاص في دول »التعاون«
ومع أن الملكية الخاصة ليست جديدة على أسواق الخليج، إلا أنها لا تمثل سوى جزءاً بسيطاً من المشهد الاقتصادي العام بدول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط. وبالرغم من وفرة رأس المال في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن هذه المنطقة تعتبر من أقل الأسواق من حيث عدد عمليات الاندماج والتملك ومن أقل الأسواق نشاطا في مجال الملكية الخاصة على مستوى العالم.
لكن، ونظرا للظروف الاقتصادية الخارجية المتغيرة والسوق المحلية النشطة، وهو ما أسفر عن ارتفاع سعر النفط، فقد عمل المستثمرون على الاحتفاظ بالمزيد من ثرواتهم في الأسواق المحلية، ما أسهم بدرجة ملموسة في تحفيز نشاط الاندماج المحلي وعمليات الملكية الخاصة.
وأصبح بنك »انفستكورب« الذي بدأ أعماله في عام 1982م رائداً في هذا المجال برؤية واضحة إزاء فتح فرص استثمارية جديدة في أميركا وأوروبا للمستثمرين من دول مجلس التعاون الخليجي، حيث بلغت القيمة الإجمالية للصفقات التي أنجزها أكثر من 28 مليار دولار أميركي.
إن الاتجاه الجديد الذي بدأت تتضح معالمه في منطقة الخليج هو صناديق الملكية الخاصة. فهناك العديد من الشركات البارزة في هذا المجال مثل شركة »أبراج كابيتال« في دبي التي كانت أول شركة خليجية تجمع مبلغا لصندوق الملكية الخاصة في عام 2003 وصل إلى 116 مليون دولار لصندوق أبراج الاستثماري الأول.
وفي هذا العام جمعت الشركة مبلغ 500 مليون دولار لصندوق أبراج الاستثماري الثاني. كذلك جمعت »شعاع كابيتال« 200 مليون دولار في أغسطس 2005 لأول صندوق للملكية الخاصة، والذي أنجز أول استثماراته في يونيو 2005 بتملك شركة داماس للمجوهرات في الإمارات.
وفي نهاية عام 2002 أقفلت مجموعة الملكية الخاصة التابعة لبنك اتش اس بي سي صندوق الملكية الخاصة بمنطقة الخليج بقيمة 118 مليون دولار، وهي أول مرة يطرح فيها بنك أجنبي صندوق الملكية الخاصة في منطقة الشرق الأوسط.
الملكية المتوافقة مع أحكام الشريعة
ومن أبرز المجالات الواعدة في مجال الاستثمار في الملكية الخاصة صناديق الملكية الخاصة المتوافقة مع ضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية. وحتى الآن لم نشاهد سوى القليل من المحاولات لطرح مثل هذه الصناديق. لكن بنك يونيكورن للاستثمار بدأ بجمع رأس مال لأول صندوق للتملك الخاص والذي يعد أول صندوق للملكية الخاصة من نوعه على المستوى العالمي يتوافق مع ضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية.
ويعتزم يونيكورن جمع ما يصل إلى 150 مليون دولار لهذا الصندوق والذي يصفه البنك بأنه صندوق متنوع حقا. وبينما ركزت معظم صناديق الاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي على منطقة الخليج أو الشرق الأوسط، وركز البعض الآخر منها على الولايات المتحدة الأميركية فإن بنك يونيكورن يهدف إلى إيجاد أفضل الفرص للمستثمرين في جميع أنحاء العالم.
وقطعت صناعة الملكية الخاصة شوطا طويلا خلال الخمس عشرة سنة الماضية وتطورت إلى نظام مالي شامل. وقد بادرت البنوك في الخدمات المصرفية الإسلامية إلى استثمار أموال المودعين. لكن الحافز الحقيقي إلى تطوير الاستثمار في المساهمات الإسلامية ظهر في الثمانينات مع طرح أول صندوق استثمار إسلامي،
وهو الأمر الذي أثار جدلا بين الفقهاء حول التزام الاستثمارات الرأسمالية بالشريعة الإسلامية وتوافقها مع مبادئها وأحكامها. وقد أنهت أكاديمية الفقه الإسلامي هذا الجدل بفتوى مفادها أن الأسهم في شركة هي جزء غير مقسوم من أصول تلك الشركة، وبالتالي فهي مطابقة للشريعة.
وينبغي على المستثمرين الإسلاميين تطبيق نموذج شركات الملكية الخاصة التي تتمحور استراتيجيتها حول تملك حصص أغلبية في شركات خاصة تعمل في الاقتصاد الحقيقي، الأمر الذي يمكنها من الاحتفاظ بالسيطرة على تلك الشركات ويضمن التزام الشركات بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية.
وبذلك، فإن الملكية الخاصة توفر للمستثمرين المسلمين فرصاً أفضل قيمة وجدوى بالمقارنة مع أنواع الأصول الأخرى من حيث الأداء والتنوع وعوائد أعلى على الأجل الطويل واستقرار الأسعار والفرص الاستثمارية المربحة.
وهناك القليل من المؤسسات المالية الإسلامية التي تنشط في مجال الملكية الخاصة، ومن أبرزها بنك آركابيتا وبنك يونيكورن للاستثمار وبيت التمويل الخليجي وبيت التمويل الكويتي و»التوفيق«. لكن من بين هذه المؤسسات فإن بيت التمويل الكويتي و»التوفيق« فقط لهما صناديق استثمارية في السوق.
ونشط بنك آركابيتا منذ تأسيسه سنة 1997 في مجالات الملكية الخاصة حيث ركز عملياته في مجال الملكية الخاصة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. وقد برز البنك بشكل ملحوظ في نوفمبر 2004 مسجلا إنجازا غير مسبوق حينما قام بتملك شركة ساوث ستافوردشاير، وهي شركة مساهمة مدرجة في سوق الأوراق المالية ومقرها بريطانيا وتعمل في مجال تزويد المياه.
وكانت هذه الصفقة أول عملية شراء لشركة مياه من قبل شركة أجنبية، مما فتح الباب أمام الآخرين، خصوصا المستثمرين الأوروبيين، للبدء في البحث عن صفقات مماثلة في بريطانيا. وتخطط الشركة حاليا لتأسيس أول صندوق لها، والذي سيركز حصرياً على الشركات الأميركية.
أما بيت التمويل الكويتي فقد ظل أحد أكبر البنوك الإسلامية وأكثرها نشاطاً في الملكية الخاصة، وطرح بيت التمويل الكويتي - البحرين في عام 2003 صندوق الملكية خاصة بقيمة 100 مليون دولار يركز على استراليا ونيوزيلندا.
وبدأ البنك مؤخرا تركيزه على الاستثمارات في الملكيات الخاصة الأقرب إلى السوق المحلية حيث طرح في عام 2004 صندوقا بقيمة 30 مليون دينار كويتي في الكويت وبدأ بفتح خطوط مشابهة مثل صندوق كامكو للملكية الخاصة بمبلغ 20 مليون دينار كويتي والذي طرح في السنة التي سبقتها.
وهناك كذلك بنك يونيكورن للاستثمار الذي مضى على تأسيسه حوالي سنتين تقريبا ويحقق نتائج باهرة، ويبدو أنه يؤسس لاتجاه جديد في المنطقة. وإذا ما حذت المؤسسات الأخرى حذو هذا البنك كما هو متوقع، فإن المستثمرين في منطقة الخليج يمكنهم إيصال صناعة الملكية الخاصة العالمية المستوى إلى منطقتهم إن عاجلاً أم آجلاً.