تلقي اللقاءات الصينية الأميركية المرتقبة خلال الشهر الجاري بثقلها على العملة الصينية «اليوان»، ويبرز في صدارتها اجتماع القمة المرتقب بين الرئيس الأميركي جورج بوش والرئيس الصيني هو جينتاو بواشنطن في 20 إبريل الجاري، ويسبقه عقد القمة التجارية الصينية الأميركية بواشنطن في 11 إبريل، فضلا عن صدور التقرير الفصلي لوزارة الخزانة الأميركية حول سياسات العملة للشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

ومهدت واشنطن لهذه اللقاءات بخلق مناخ ضاغط على الحكومة الصينية لأجل دفعها إلى رفع قيمة اليوان. وتنوعت أشكال الضغوط ما بين التلويح بتمرير قانون يفرض رسوما جمركية على الواردات الصينية للولايات، والتحذير من تسمية الصين كدولة متلاعبة في العملات ضمن التقرير الفصلي الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية حول سياسات العملة لشركاء الولايات المتحدة التجاريين.

وواكب تلك التحذيرات قيام أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي بزيارة لبكين لشرح وجهة النظر الأميركية بشأن ضرورة إضفاء المزيد من المرونة على سعر صرف اليوان، فضلا عن دخول كل من اليابان وصندوق النقد الدولي على خط الضغوط الممارسة على بكين بهدف رفع قيمة عملتها.

وعلى أرضية هذا المناخ الملبد بالغيوم وعدم اليقين بشأن ما سوف تتخذه الحكومة الصينية من خطوات للتعامل مع هذه الضغوط والتحذيرات، تتباين وجهات نظر المحللين بشأن التحركات المقبلة لسعر صرف اليوان،

ما بين قائل بأن الحكومة الصينية تعطي أولوية لنمو الوظائف تفوق تلك الأولوية التي تعطيها للعلاقات التجارية مع واشنطن واليابان، حيث إن القلق يساورها من أن يؤدي رفع قيمة اليوان إلى إفلاس الشركات، وبالتالي فقد الناس وظائفهم، وما بين قائل آخر بأن الصين في وضع الاستعداد لرفع قيمة عملتها.

الفائض التجاري الصيني

وقد فجر التقرير الصادر مؤخرا عن الحكومة الصينية بشأن تحقيق الصين في العام الماضي فائضا تجاريا ضخما مع الولايات المتحدة قيمته 6. 102 مليار دولار، موجة غضب عارمة في أوساط مجلسي الشيوخ والنواب، وطرح بعض الأعضاء مشروع قانون يقضي بفرض رسوم جمركية على الواردات الصينية لتبنيها سياسات صرف تعطي ميزة غير عادلة للمصدرين الصينيين في مواجهة الشركات الأميركية.

وفي هذا السياق، أفادت الحكومة الصينية في 25 يناير الماضي، بأن اقتصادها نما في العام الماضي بنسبة بنسبه 9. 9%، وأن الصادرات قفزت بنسبة 28% لتصل نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي البالغ قيمته 3,2 تريليون دولار إلى 28%، وتعني هذه الأرقام أن حجم الاقتصاد الصيني قد فاق كل من الاقتصادين البريطاني والفرنسي، بحيث أصبح يتبوأ مكانة رابع أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.

تعديل نظام صرف اليوان

وتخلت الصين عن نظام ربط عملتها بالدولار الأميركي في 21 يوليو الماضي، واستبدلته بنظام آخر للصرف يقوم على ربط اليوان بسلة عملات. وقامت بإصلاح آلية سعر صرف اليوان، برفع قيمته من 28. 8 إلى 11. 8 يوان للدولار الواحد، أي رفع سعره بنسبة 2%،

ورفع معدل الفائدة القصيرة الأجل بمقدار 50 نقطة أساس، وتغيير نظام ربط العملة الصينية بالدولار، ووضع سقف لصعود سعر العملة الصينية يوميا نسبته 3. 0%. وساهمت هذه القرارات في تجنيب تسمية الصين كدولة تتلاعب في العملات في تقرير وزارة الخزانة الأميركية حول سياسات العملة للشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

بيد أن تحركات سعر صرف اليوان منذ قرار تعويمه اتسمت بالمحدودية الشديدة، حيث صعد خلال الفترة الممتدة من قرار إعادة تقييمه إلى 9 فبراير بنسبة 7. 0، ولم يتجاوز أكبر صعود يومي له في مواجهة الدولار نسبة 1. 0%.

وبهذه القرارات، تحركت الصين إلى نظام سعر الصرف المدار، وهو ما عزز احتمالات أن تقوم العديد من الدول الآسيوية أو في منطقة الشرق الأوسط والتي تربط عملتها بالدولار الأميركي، بإعادة النظر في أنظمة الصرف التي تتبعها،

خصوصا وأن بوادر مثل هذا التحول، قد ظهرت في الأفق، بإعلان ماليزيا بأنها بصدد التحرك إلى نظام سعر الصرف المدار. وفي تقدير بعض المحللين على غرار ديفيد كارسبي المحلل في بنك «ساكسو إيه إس»، خلف قرار الصين باتباع نظام الصرف المدار عددا من النتائج والتأثيرات على النحو التالي:

أولا: تراجع تدخل البنوك المركزية الآسيوية لمواجهة ضغوط ارتفاع قيمة عملاتها في مواجهة الدولار الأميركي، وهو ما يعني تباطؤ وتيرة تراكم الاحتياطات من العملة الصعبة خاصة فيما يتعلق بالاحتياطات الصينية واليابانية، الأمر الذي سيؤدي إلى قلة الاهتمام بإصدار الدخول الثابتة في الولايات المتحدة كإصدارات الخزانة الأميركية والسندات المدعومة بالرهن العقاري.

ثانيا: تحسن القوة الشرائية الصينية في الأسواق الدولية، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع الطلب الصيني على السلع، مما يقود إلى ارتفاع أسعار السلع.

ثالثا: ارتفاع معدل التضخم في الولايات المتحدة، كنتيجة للزيادة المتوقعة في أسعار وارداتها بنسبة 2%، ومع تراجع الإقبال على إصدارات الدخل الثابت، فإنه من المتوقع أن تنخفض معدلات الفائدة على المدى الطويل.

رابعا: ستستفيد العملات الرئيسية الأخرى كالين الياباني واليورو والجنيه الإسترليني من تحرك الصين نحو اتباع نظام الصرف المدار، وبالتالي سترتفع أسعار صرفها في مواجهة الدولار، وستتأثر بشدة عملة اليورو، نتيجة لتحملها العبء الأكبر في عملية تصحيح نظام الصرف في الصين. وبالتالي، ومع العجز في الميزانين الجاري والتجاري الأميركيين، فإنه من المتوقع أن يهبط سعر الدولار في مواجهة الين الياباني واليورو.

خامسا: سيدعم التحرك الصيني بتعديل نظام الصرف أسواق الأسهم الأميركية، حيث ستتحسن هوامش أرباح الأسهم، مع ارتفاع أسعار الواردات. كما سيستفيد المصدرون ومنتجو السلع الرأسمالية من ارتفاع الطلب الصيني على منتجاتهم وارتفاع تكلفة الواردات الصينية.

وسجل اليوان في مواجهة الدولار أعلى سعر في 20 مارس الماضي، وجنت العملة الصينية ـ بحسب البيانات التي جمعتها وكالة بلومبيرج للأنباء ـ خلال الأسبوع المنتهي في 24 مارس الماضي مكسبا سعريا نسبته 02. 0% ، ووصل سعرها إلى 029. 8 يوان للدولار الواحد.

وعلى أرضية محدودية تحرك سعر صرف اليوان، صعدت الولايات المتحدة من ضغوطها على الحكومة الصينية لكي تقوم برفع قيمة عملتها، تحت مبرر أن العملة الصينية مازالت مقومة بأقل من قيمتها، وهو ما يعطي ميزة غير عادلة للمصدرين الصينيين في مواجهة الشركات الأميركية.

وتجلت هذه الضغوط في طرح تشارليز سكومر وليندسي جراهام عضوا مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون ينص على فرض رسم جمركي نسبته 5. 27% على المنتجات الصينية بسبب عدم الصين بتعويم عملتها في أسواق الصرف بحرية أكبر. ويعتقد العضوان أن مثل هذا الوضع يعطي للمصدرين الصينيين ميزة غير عادلة في الأسواق العالمية، مما يضع الشركات الأميركية والوظائف في الولايات المتحدة في وضع محفوف بالمخاطر.

وقام العضوان بزيارة الصين خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس الماضي، وعللا زيارتهما بأن مبعثها هو شعورهما بالقلق إزاء تأثير موضوع العملة على صيرورة العلاقات بين الدولتين. وألتقى العضوان بوزير الخارجية الصيني لي زهاو إكسينج وزهو إكسيا شوان محافظ بنك الشعب الصيني.

تصاعد الضغوط على الصين

ورغم إعراب عضوي مجلس الشيوخ عن تفاؤلهما بإمكانية حدوث التقاء بين موقفي البلدين، على اعتبار أن هناك إمكانية حقيقية لأن يرى كل من الشعب والحكومة الصينية أن تعويم العملة الصينية يحقق صالحهما، وعلى اعتبار أن الخطة الخمسية العشرين التي أقرها مؤتمر الشعب الصيني في مطلع شهر مارس، تدعو إلى إصلاح نظام العملة.

ورغم إعرابهما عن ثقتهما بأن الصين ستتحرك على الطريق الصحيح بشأن إعادة تقييم عملتها، وأنه صار لديهما فهم أفضل للوضع هناك، إلا أنهما انتهزا مسألة تواجدهما في بكين لإطلاق رسائل تحذير مباشرة. وجاء على لسان سكومر عضو مجلس الشيوخ القول «بأنه مازالت هناك حاجة إلى بعض العلامات الملموسة على حدوث تقدم بشأن موضوع العملة،

وأن ما تريده الولايات المتحدة هو تحقيق هدف تعويم العملة الصينية خلال فترة زمنية معقولة، وأنه بالإمكان الوصول إلى صيغة تحقق صالح الجميع، ولكن استمرار الوضع الراهن مسألة غير مقبولة».

وأضاف :إن موقفهما بالنسبة لطرح مشروع يتضمن فرض رسوم جمركية نسبتها 5. 27% على المنتجات الصينية سيتحدد في ضوء نتائج لقاء القمة بين الرئيس الأميركي جورج بوش والرئيس الصيني هو جينتاو بواشنطن في 20 إبريل الجاري والتقرير الفصلي لوزارة الخزانة الأميركية حول سياسات العملة للشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

وقد وردت إشارات من المسؤولين الصينيين عن تدابير جديدة لإصلاح نظام آلية سعر صرف اليوان، فمن جانب أكد محافظ البنك المركزي الصيني أن الحكومة الصينية ستعمل على زيادة مرونة آلية سعر صرف العملة.

وعليه، أعلن البنك أن المرحلة المقبلة للتدابير النقدية ستشتمل على تحسين آلية المعلومات في أسواق صرف العملات، وتوسيع هذه الأسواق، وتبني المزيد من المرونة مع الحفاظ على الاستقرار الأساسي لسعر الصرف عند مستوى معقول ومتوازن.

تشجيع زيادة حجم التداول

وفي هذا السياق، اتخذ بنك الشعب الصيني المزيد من الخطوات لتشجيع زيادة حجم التداول على العملات. ففي 4 يناير الماضي، تم الترخيص لثلاث عشرة مؤسسة لمزاولة أنشطة بيع وشراء العملات، من بينها مؤسستا « سيتي جروب» و«وإتش إس بي سي» اللتان يعدان من أكبر البنوك الأوروبية من ناحية القيمة السوقية.

وفي 19 سبتمبر الماضي، منحت الحكومة الصينية ترخيصا لست مؤسسات، من بينها بنك «ميتسوبيشي يو إف جي» الذي يعد أكبر بنك في العالم من حيث قيمة الأصول، لمزاولة الأنشطة المصرفية الآجلة من خلال طرح عقود آجلة تسمح للمستثمرين بالتكهن بالقيمة المستقبلية لعملة اليوان.

بيد أن المسؤولين الصينيين لم يحددوا ماهية التدابير التي سيتخذونها لإصلاح آلية صرف عملة اليوان، وأنحوا عن العملة الصينية مسؤولية العجز في الميزان التجاري الأميركي، وبرروا تحقيق الصين فائضا تجاريا مع الولايات المتحدة بوجود اختلافات في مستويات الأجور بين الصين وشركائها التجاريين،

بل وطالبوا برفع القيود على بعض الصادرات الأميركية للصين ومن بينها منتجات أشباه الموصلات والتكنولوجيا البالغة التقدم، حيث أنه من شأن رفع هذه القيود أن يقود إلى جلب المزيد من الفرص التجارية للولايات المتحدة.

وجاء على لسان بو إكسي لاي وزير التجارة الصيني القول إن العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة ستواجه تراجعا خطيرا، إذا ما فرضت الولايات قيودا متسرعة على الواردات الصينية.

آفاق سعر صرف اليوان

وفي ظل مناخ ملبد بعدم اليقين بشأن التدابير التي تعتزم الحكومة الصينية اتخاذها، تثور الكثير من التوقعات بشأن آفاق سعر صرف اليوان، فمن ناحية قدر كلاديو بيرون محلل العملات في شركة «جي بي مورجان إتشيس» أن الضغوط ستتواصل على الصين حتى تقوم برفع سعر صرف عملتها. وسوف يسمح المسؤولون الصينيون لليوان بأن يكون أكثر قوة».

وفي السياق ذاته، استبعد كوينج وانج محلل العملات في بنك أميركا أن تقوم الصين برفع جذري لقيمة عملتها معللا ذلك بأن المسؤولين الصينيين يخشون من أن تؤدي قوة العملة الصينية إلى إفلاس الشركات ،وبالتالي تزايد معدل البطالة.

وقال كينيث روجوف أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد إنه يجب على الصين أن تمتلك نظام صرف أكثر مرونة ،وإنه من الأفضل لها أن تقوم بإجراء رفع قليل في قيمة اليوان بدلا من أن يجبروا على ذلك. وتوقع روجوف أنيكوي أن يرتفع سعر صرف اليوان بنسبة تتراوح بين 3 إلى 5% خلال العام الجاري.

وقال جونثان آندرسون كبير الاقتصاديين في فرع بنك « يو بي أس «في هونج كونج» إن الصين مستعدة لتعويم عملتها، فهي قد أطلقت نظام صانع السوق وسوق الصرف الأجنبي الآجلة وهذا في الواقع كل ما نريده «.

وتوقع دونالد سترازهيم رئيس شركة «سترزهيم جلوبال آدفيسورز» أن يجري رفع سعر صرف اليوان على نحو تدريجي على اعتبار أن الأسواق المالية في الصين والنظام المصرفي الصيني على درجة من الهشاشة العالية، بحيث لا يستطيع تحمل سرعة التقلبات والتدفقات في أسواق المال العالمية.

وعلى المنوال نفسه، قدر فرانك جونج كبير الاقتصاديين في شركة «جيه بي مورجان تشيس» أن تتصاعد الضغوط الخارجية على الصين من أجل أن تقوم برفع قيمة عملتها ،وأن الطلب المحلي صار أكثر قوة مما يجعلها أقل اعتمادا على الصادرات. وتوقع أن يرتفع سعر صرف اليوان بنسبة 12% خلال العام الجاري.

متابعة - مجدي عبيد